شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 161فلما اجتمع رأيهم على بيعته و استمالوا حسان بن بحدل إليها قام روح بن زنباع الجذامي فحمد الله و أثنى عليه فقال أيها الناس إنكم تذكرون لهذا الأمر عبد الله بن عمر بن الخطاب و تذكرون صحبته لرسول الله ص و قدمه في الإسلام و هو كما كرون لكنه رجل ضعيف و ليس صاحب أمة محمد بالضعيف و أما عبد الله بن الزبير و ما يذكر الناس من أمره و أن أباه حواري رسول الله ص و أمه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين فهو لعمري كما تذكرون و لكنه منافق قد خلع خليفتين يزيد و أباه معاوية و سفك الدماء و شق عصا المسلمين و ليس صاحب أمة محمد ص بالمنافق و أما مروان بن الحكم فو الله ما كان في الإسلام صدع قط إلا كان مروان ممن يشعب ذلك الصدع و هو الذي قاتل عن عثمان بن عفان يوم الدار و الذي قاتل علي بن أبي طالب يوم الجمل و إنا نرى للناس أن يبايعوا الكبير و يستشبوا الصغير يعني بالكبير مروان و بالصغير خالد بن يزيد. فاجتمع رأي الناس على البيعة لمروان ثم لخالد بن يزيد من بعده ثم لعمرو بن سعيد بن العاص بعدهما على أن تكون في أيام خلافة مروان إمرة دمشق لعمرو بن سعيد و إمرة حمص لخالد بن يزيد فلما استقر الأمر على ذلك دعا حسان بن بحدل خالد بن يزيد فقال يا ابن أختي إن الناس قد أبوك لحداثة سنك و إني و الله ما أريد هذا الأمر إلا لك و لأهل بيتك و ما أبايع مروان إلا نظرا لكم فقال خالد بل عجزت عنا فقال لا و الله لم أعجز عنك و لكن الرأي لك ما رأيت. ثم إن حسان دعا مروان بن الحكم فقال له يا مروان إن الناس كلهم لا يرضون شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 162بك فما ترى فقال مروان إن يرد الله أن يعطينيها لم يمنعنها أحد من خلقه و إن يرد أن يمنعنيها لا يعطينيها أحد من خلقه فقال حسان صدقت. ثم صعد حسان المنبر فقال أيها الناس إني مستخلف في غد أحدكم إن شاء الله جتمع الناس بكرة الغد ينتظرون فصعد حسان المنبر و بايع لمروان و بايع(7/142)
الناس و سار من الجابية حتى نزل بمرج راهط حيث الضحاك بن قيس نازل فجعل مروان على ميمنته عمرو بن سعيد بن العاص و على ميسرته عبيد الله بن زياد و جعل الضحاك على ميمنته زياد بن عمرو بن معاوية العتكي و على ميسرته ثور بن معن السلمي و كان يزيد بن أبي النمس الغساني بدمشق لم يشهد الجابية و كان مريضا فلما حصل الضحاك بمرج راهط ثار بأهل دمشق في عبيده و أهله فغلب عليها و أخرج عامل الضحاك منها و غلب على الخزائن و بيت المال و بايع لمروان و أمده من دمشق بالرجال و المال و السلاح فكان ذلك أول فتح فتح لمروان. ثم وقعت الحرب بين مروان و الضحاك فاقتتلوا بمرج راهط عشرين ليلة فهزم أصحاب الضحاك و قتلوا و قتل أشراف الناس من أهل الشام و قتلت قيس مقتلة لم تقتل مثلها في موطن قط و قتل ثور بن معن السلمي الذي رد الضحاك عن رأيه. قال أبو جعفر و روي أن بشير بن مروان كان صاحب الراية ذلك اليوم و أنه كان ينشد
إن على الرئيس حقا حقا أن يخضب الصعدة أو يندقا
و صرع ذلك اليوم عبد العزيز بن مروان ثم استنقذ. قال و مر مروان برجل من محارب و هو في نفر يسير من أصحاب مروان فقال له شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 163لو انضممت إلى أصحابك رحمك الله فإني أراك في قلة فقال إن معنا يا أمير المؤمنين من الملائكة مددا أضعاف من تأمرنبالانضمام إليهم قال فضحك مروان و سر بذلك و قال للناس ممن كان حوله أ لا تستمعون قال أبو جعفر و كان قاتل الضحاك رجلا من كلب يقال له زحنة بن عبد الله فلما قتله و أحضر الرأس إلى مروان ظهرت عليه كآبة و قال الآن حين كبرت سني و دق عظمي و صرت في مثل ظم ء الحمار أبلت أضرب الكتائب بعضها ببعض. قال أبو جعفر و روي أن مروان أنشد لما بويع و دعا إلى نفسه(7/143)
لما رأيت الأمر أمرا نهبا سيرت غسان لهم و كلباو السكسكيين رجالا غلبا و طيئا تأباه إلا ضرباو القين تمشي في الحديد نكبا و من تنوخ مشمخرا صعبالا يملكون الملك إلا غصبا و إن دنت قيس فقل لا قربا
قال أبو جعفر و خرج الناس منهزمين بعد قتل الضحاك فانتهى أهل حمص إلى حمص و عليها النعمان بن بشير فلما عرف الخبر خرج هاربا و معه ثقله و ولده و تحير ليلته كلها و أصبح و هو بباب مدينة حمص فرآه أهل حمص فقتلوه و خرج زفر بن الحارث الكلابي من قنسرين هاربا فلحق بقرقيسياء و عليها عياض بن أسلم الجرشي فلم يمكنه من دخولها فحلف له زفر بالطلاق و العتاق أنه إذا دخل حمامها خرج منها و قال له إن لي حاجة إلى دخول الحمام فلما دخلها لم يدخل حمامها و أقام بها و أخرج عياضا شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 164منها و تحصن فيها و ثابت إليهيس عيلان و خرج ناتل بن قيس الجذامي من فلسطين هاربا فالتحق بابن الزبير بمكة و أطبق أهل الشام على مروان و استوثقوا له و استعمل عليهم عماله ففي ذلك يقول زفر بن الحارث
أريني سلاحي لا أبا لك إنني أرى الحرب لا تزداد إلا تمادياأتاني عن مروان بالغيب أنه مريق دمي أو قاطع من لسانياو في العيس منجاة و في الأرض مهرب إذا نحن رفعنا لهن المبانيافقد ينبت المرعى على دمن الثرى و تبقى حزازات النفوس كما هياأ تذهب كلب لم تنلها رماحنا و تترك قتلى راهط هي ما هيالعمري لقد أبقت وقيعة راهط لحسان صدعا بينا متنائياأ بعد ابن عمرو و ابن معن تتايعا و مقتل همام أمنى الأمانياو لم تر مني نبوة قبل هذه فراري و تركي صاحبي ورائياأ يذهب يوم واحد إن أسأته بصالح أيامي و حسن بلائيافلا صلح حتى تنحط الخيل بالقنا و تثأر من نسوان كلب نسائيا
و قال زفر بن الحارث أيضا و هو من شعر الحماسة(7/144)
أ في الله أما بحدل و ابن بحدل فيحيا و أما ابن الزبير فيقتل كذبتم و بيت الله لا تقتلونه و لما يكن يوم أغر محجل شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 165و لما يكن للمشرفية فوقكم شعاع كقرن الشمس حين ترجو أما وفاة مروان و السبب فيها أنه كان قد استقر الأمر بعده لخالد بن يزيد بن معاوية على ما قدمنا ذكره فلما استوثق له الأمر أحب أن يبايع لعبد الملك و عبد العزيز ابنيه فاستشار في ذلك فأشير عليه أن يتزوج أم خالد بن يزيد و هي ابنة أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة ليصغر شأنه فلا يرشح للخلافة فتزوجها ثم قال لخالد يوما في كلام دار بينهما و المجلس غاص بأهله اسكت يا ابن الرطبة فقال خالد أنت لعمري مؤتمن و خبير. ثم قام باكيا من مجلسه و كان غلاما حينئذ فدخل على أمه فأخبرها فقالت له لا يعرفن ذلك فيك و اسكت فأنا أكفيك أمره فلما دخل عليها مروان قال لها ما قال لك خالد قالت و ما عساه يقول قال أ لم يشكني إليك قالت إن خالدا أشد إعظاما لك من أن يشتكيك فصدقها ثم مكثت أياما فنام عندها و قد واعدت جواريها و قمن إليه فجعلن الوسائد و البراذع عليه و جلسن عليه حتى خنقه و ذلك بدمشق في شهر رمضان. و هو ابن ثلاث و ستين سنة في قول الواقدي. و أما هشام بن محمد الكلبي فقال ابن إحدى و ثمانين سنة و قال كان ابن إحدى و ثمانين عاش في الخلافة تسعة أشهر و قيل عشرة أشهر و كان في أيام كتابته لعثمان بن عفان أكثر حكما و أشد تلطفا و تسلطا منه في أيام خلافته و كان ذلك من أعظم الأسباب الداعية إلى خلع عثمان و قتله. و قد قال قوم إن الضحاك بن قيس لما نزل مرج راهط لم يدع إلى ابن الزبير و إنما دعا إلى نفسه و بويع بالخلافة و كان قرشيا و الأكثر الأشهر أنه كان يدعو إلى ابن الزبير(7/145)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 73166- و من كلام له ع لما عزموا على بيعة عثمانلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي وَ وَ اللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَ فَضْلِهِ وَ زُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَ زِبْرِجِهِ
نافست في الشي ء منافسة و نفاسا إذا رغبت فيه على وجه المباراة في الكرم و تنافسوا فيه أي رغبوا. و الزخرف الذهب ثم شبه به كل مموه مزور قال تعالى حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها و المزخرف المزين. و الزبرج الزينة من وشي أو جوهر و نحو ذلك و يقال الزبر الذهب أيضا. يقول لأهل الشورى إنكم تعلمون أني أحق بالخلافة من غيري و تعدلون عني ثم أقسم ليسلمن و ليتركن المخالفة لهم إذا كان في تسليمه و نزوله عن حقه سلامة أمور المسلمين و لم يكن الجور و الحيف إلا عليه خاصة و هذا كلام مثله ع لأنه إذا علم أو غلب على ظنه أنه أن نازع و حارب دخل على الإسلام وهن و ثلم لم يختر له المنازعة و إن كان شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 167يطلب بالمنازعة ما هو حق و إن علم أو غلب على ظنه بالإمساك عن طلب حقه إنما يدخل الثلم و الوهن عليه خاصة و يسلم الإسلام من الفتنة وجب عليه أن يغضي و يصبر علىا أتوا إليه من أخذ حقه و كف يده حراسة للإسلام من الفتنة. فإن قلت فهلا سلم إلى معاوية و إلى أصحاب الجمل و أغضى على اغتصاب حقه حفظا للإسلام من الفتنة. قلت إن الجور الداخل عليه من أصحاب الجمل و من معاوية و أهل الشام لم يكن مقصورا عليه خاصة بل كان يعم الإسلام و المسلمين جميعا لأنهم لم يكونوا عنده ممن يصلح لرئاسة الأمة و تحمل أعباء الخلافة فلم يكن الشرط الذي اشترطه متحققا و هو قوله و لم يكن فيه جور إلا علي خاصة. و هذا الكلام يدل على أنه ع لم يكن يذهب إلى أن خلافة عثمان كانت تتضمن جورا(7/146)