قال و هذا حمق شديد و ضعف عظيم قال و إنما ساد مروان و ذكر بابنه عبد الملك كما ساد بنوه و لم يكن في نفسه هناك. فأما خلافة مروان فذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ أن عبد الله بن الزبير لما أخرج بني أمية عن الحجاز إلى الشام في خلافة يزيد بن معاوية خرجوا و فيهم مروان و ابنه عبد الملك و لم تطل مدة يزيد فتوفي و مات ابنه بعده بأيام يسيرة و كان من رأي مروان أن يدخل إلى ابن الزبير بمكة فيبايعه بالخلافة فقدم عبيد الله بن زياد و قد أخرجه أهل البصرة عنها بعد وفاة يزيد فاجتمع هو و بنو أمية و أخبروه بما قد أجمع عليه مروان فجاء إليه و قال استجبت لك يا أبا عبد الملك فما يريد أنت كبير قريش و سيدها تصنع ما تصنع و تشخص إلى أبي خبيب فتبايعه بالخلافة فقال مروان ما فات شي ء بعد فقام مروان و اجتمع إليه بنو أمية و مواليهم و عبيد الله بن زياد و كثير من أهل اليمن و كثير منكلب فقدم دمشق و عليها الضحاك بن قيس الفهري قد بايعه الناس على أن يصلي بهم و يقيم لهم أمرهم حتى يجتمع شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 157الناس على إمام و كان هوى الضحاك مع ابن الزبير إلا أنه لم يبايع له بعد و كان زفر بن الحارث الكلابي بقنسرين يخطب لابن الزبير ولنعمان بن بشير الأنصاري بحمص يخطب لابن الزبير و كان حسان بن مالك بن بحدل الكلبي بفلسطين يهوى هوى بني أمية ثم من بينهم بني حرب لأنه كان عاملا لمعاوية ثم ليزيد بن معاوية من بعده و كان حسان بن مالك مطاعا في قومه عظيما عندهم فخرج عن فلسطين يريد الأردن و استخلف على فلسطين روح بن زنباع الجذامي فوثب عليه بعد شخوص حسان بن مالك و ناتل بن قيس الجذامي أيضا فأخرجه عن فلسطين و خطب لابن الزبير و كان له فيه هوى فاستوثقت الشام كلها لابن الزبير ما عدا الأردن فإن حسان بن مالك الكلبي كان يهوى هوى بني أمية و يدعو إليهم فقام في أهل الأردن فخطبهم و قال لهم ما شهادتكم على ابن الزبير و قتلى(7/137)


المدينة بالحرة قالوا نشهد أن ابن الزبير كان منافقا و أن قتلى أهل المدينة بالحرة في النار قال فما شهادتكم على يزيد بن معاوية و قتلاكم بالحرة قالوا نشهد أن يزيد بن معاوية كان مؤمنا و كان قتلانا بالحرة في الجنة قال و أنا أشهد أنه إن كان دين يزيد بن معاوية و هو حي حقا إنه اليوم لعلى حق هو و شيعته و إن كان ابن الزبير يومئذ هو و شيعته على باطل إنه اليوم و شيعته على باطل قالوا صدقت نحن نبايعك على أن نقاتل معك من خالفك من الناس و أطاع ابن الزبير على أن تجنبنا ولاية هذين الغلامين ابني يزيد بن معاوية و هما خالد و عبد الله فإنهما حديثة أسنانهما و نحن نكره أن يأتينا الناس بشيخ و نأتيهم بصبي. قال و قد كان الضحاك بن قيس يوالي ابن الزبير باطنا و يهوى هواه و يمنعه إظهار ذلك بدمشق و البيعة له أن بني أمية و كلبا كانوا بحضرته و كلب أخوال يزيد(7/138)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 158بن معاوية و بنيه و يطلبون الإمرة لهم فكان الضحاك يعمل في ذلك سرا و بلغ حسان بن مالك بن بحدل ما أجمع عليه الضحاك فكتب إليه كتابا يعظم فيه حق بني أمية و يذكر الطاعة و الجماعة و حسن بلاء بني أمية عنده و صنيعهم إليه و يدعوه إلى عتهم و طاعتهم و يذكر ابن الزبير و يقع فيه و يشتمه و يذكر أن منافق قد خلع خليفتين و أمره أن يقرأ كتابه على الناس ثم دعا رجلا من كلب يقال له ناغضة فسرح بالكتاب معه إلى الضحاك بن قيس و كتب حسان نسخة ذلك الكتاب و دفعه إلى ناغضة و قال له إن قرأ الضحاك كتابي على الناس و إلا فقم أنت و اقرأ هذا الكتاب عليهم و كتب حسان إلى بني أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك فقدم ناغضة بالكتاب على الضحاك فدفعه إليه و دفع كتاب بني أمية إليهم سرا. فلما كان يوم الجمعة و صعد الضحاك على المنبر و قدم إليه ناغضة فقال أصلح الله الأمير ادع بكتاب حسان فاقرأه على الناس فقال له الضحاك اجلس فجلس ثم قام ثانية فتكلم مثل ذلك فقال له اجلس فجلس ثم قام ثالثة و كان كالثانية و الأولى فلما رآه ناغضة لا يقرأ الكتاب أخرج الكتاب الذي معه فقرأه على الناس فقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فصدق حسان و كذب ابن الزبير و شتمه و قام يزيد بن أبي النمس الغساني فصدق مقالة حسان و كتابه و شتم ابن الزبير و قام سفيان بن أبرد الكلبي فصدق مقالة حسان و شتم ابن الزبير و قام عمر بن يزيد الحكمي فشتم حسان و أثنى على ابن الزبير فاضطرب الناس و نزل الضحاك بن قيس فأمر بالوليد بن عتبة و سفيان بن الأبرد و يزيد بن أبي النمس الذين كانوا صدقوا حسان و شتموا ابن الزبير فحبسوا و جال الناس بعضهم في بعض و وثبت كلب على عمر بن يزيد الحكمي فضربوه و خرقوا ثيابه و قد كان قام خالد بن يزيد بن معاوية فصعد مرقاتين من المنبر و هو يومئذ غلام. و الضحاك بن قيس فوق المنبر فتكلم بكلام أوجز فيه لم يسمع بمثله ثم نزل.(7/139)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 159فلما دخل الضحاك بن قيس داره جاءت كلب إلى السجن فأخرجوا سفيان بن أبرد الكلبي و جاءت غسان فأخرجوا يزيد بن أبي النمس و قال الوليد بن عتبة لو كنت من كلب أو غسان لأخرجت فجاء ابنا يزيد بن معاوية خالد و عبد الله و معهما أخوالهما منلب فأخرجوه من السجن. ثم إن الضحاك بن قيس خرج إلى مسجد دمشق فجلس فيه و ذكر يزيد بن معاوية فوقع فيه فقام إليه سنان من كلب و معه عصا فضربه بها و الناس جلوس حلقا متقلدي السيوف فقام بعضهم إلى بعض في المسجد فاقتتلوا فكانت قيس عيلان قاطبة تدعو إلى ابن الزبير و معهما الضحاك و كلب تدعو إلى بني أمية ثم إلى خالد بن يزيد فيتعصبون له فدخل الضحاك دار الإمارة و أصبح الناس فلم يخرج الضحاك إلى صلاة الفجر. فلما ارتفع النهار بعث إلى بني أمية فدخلوا عليه فاعتذر إليهم و ذكر حسن بلائهم عنده و أنه ليس يهوى شيئا يكرهونه ثم قال تكتبون إلى حسان و نكتب و يسير حسان من الأردن حتى ينزل الجابية و نسير نحن و أنتم حتى نوافيه بها فيجتمع رأي الناس على رجل منكم فرضيت بذلك بنو أمية و كتبوا إلى حسان و هو بالأردن و كتب إليه الضحاك يأمره بالموافاة في الجابية و أخذ الناس في الجهاز للرحيل. و خرج الضحاك بن قيس من دمشق و خرج الناس و خرجت بنو أمية و توجهت الرايات يريدون الجابية فجاء ثور بن معن يزيد بن الأخنس السلمي إلى الضحاك فقال دعوتنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعناك على ذلك ثم أنت الآن تسير إلى هذا الأعرابي من كلب لتستخلف ابن أخته خالد بن يزيد بن معاوية فقال الضحاك فما الرأي قال الرأي أن شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 160نظهر ما كنا نسر و ندعو إلى طاعة ابن الزبير و نقاتل عليها فمال الضحاك بمن معه من الناس و انخزل من بني أمية و من معهم من قبائل اليمن فنزل مرج راهط. قال أبو جعفر و اختلف في أي وقت كانت الوقعة رج راهط فقال الواقدي كانت في سنة خمس و ستين و قال غيره في سنة أربع(7/140)


و ستين. قال أبو جعفر و سارت بنو أمية و لفيفها حتى وافوا حسان بالجابية فصلى بهم أربعين يوما و الناس يتشاورن و كتب الضحاك بن قيس من مرج راهط إلى النعمان بن بشير الأنصاري و هو على حمص يستنجده و إلى زفر بن الحارث و هو في قنسرين و إلى ناتل بن قيس و هو على فلسطين ليستمدهم و كلهم على طاعة ابن الزبير فأمدوه فاجتمعت الأجناد إليه بمرج راهط و أما الذين بالجابية فكانت أهواؤهم مختلفة فأما مالك بن هبيرة السكوني فكان يهوى هوى يزيد بن معاوية و يحب أن تكون الخلافة في ولده و أما حصين بن نمير السكوني فكان يهوى هوى بني أمية و يحب أن تكون الخلافة لمروان بن الحكم فقال مالك بن هبيرة للحصين بن نمير هلم فلنبايع لهذا الغلام الذي نحن ولدنا أباه و هو ابن أختنا فقد عرفت منزلتنا التي كانت من أبيه إنك إن تبايعه يحملك غدا على رقاب العرب يعني خالد بن يزيد فقال الحصين لا لعمر الله لا يأتينا العرب بشيخ و نأتيها بصبي فقال مالك أظن هواك في مروان و الله إن استخلفت مروان ليحسدنك على سوطك و شراك نعلك و ظل شجرة تستظل بها إن مروان أبو عشرة و أخو عشرة و عم عشرة فإن بايعتموه كنتم عبيدا لهم و لكن عليكم بابن أختكم خالد بن يزيد فقال الحصين إني رأيت في المنام قنديلا معلقا من السماء و إنه جاء كل من يمد عنقه إلى الخلافة ليتناوله فلم يصل إليه و جاء مروان فتناوله و الله لنستخلفنه.(7/141)

141 / 148
ع
En
A+
A-