و منهم من قال تجب في كل مجلس مرة واحدة و إن تكرر ذكره و منهم من أوجبها في العمر مرة واحدة و كذلك قال في إظهار الشهادتين. و اختلف أيضا في وجوبها في الصلاة المفروضة فأبو حنيفة و أصحابه لا يوجبونها فيها و روي عن إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكتفون يعني الصحابة عنها بالتشهد و هو السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته و أوجبها الشافعي و أصحابه و اختلف أصحابه في وجوب الصلاة على آل محمد ص فالأكثرون على أنها واجبة و أنها شرط في صحة الصلاة. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 145فإن قلت فما تقول في الصلاة على الصحابة و اللحين من المسلمين. قلت القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ و قوله وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ و قوله أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ و لكن العلماء قالوا إذا ذكر أحد من المسلمين تبعا للنبي ع فلا كلام في جواز ذلك و أما إذا أفردوا أو ذكر أحد منهم فأكثر الناس كرهوا الصلاة عليه لأن ذلك شعار رسول الله فلا يشركه فيه غيره. و أما أصحابنا من البغداديين فلهم اصطلاح آخر و هو أنهم يكرهون إذا ذكروا عليا ع أن يقولوا صلى الله عليه و لا يكرهون أن يقولوا صلوات الله عليه و جعلوا اللفظة الأولى مختصة بالرسول ص و جعلوا اللفظة الثانية مشتركة فيها بينهما ع و لم يطلقوا لفظ الصلاة على أحد من المسلمين إلا على علي وحده(7/127)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 72146- و من كلام له ع قاله لمروان بن الحكم بالبصرةقَالُوا أُخِذَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَسِيراً يَوْمَ الْجَمَلِ فَاسْتَشْفَعَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ ع إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع فَكَلَّمَاهُ فِيهِ فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَقَالَا لَهُ يُبَايِعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ع أَ وَ لَمْ يُبَايِعْنِي بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ لَا حَاجَةَ لِي فِي بَيْعَتِهِ إِنَّهَا كَفٌ يَهُودِيَّةٌ لَوْ بَايَعَنِي بِيَدِهِ لَغَدَرَ بِسَبَّتِهِ أَمَا إِنَّ لَهُ إِمْرَةً كَلَعْقَةِ الْكَلْبِ أَنْفَهُ وَ هُوَ أَبُو الْأَكْبَشِ الْأَرْبَعَةِ وَ سَتَلْقَى الْأُمَّةُ مِنْهُ وَ مِنْ وُلْدِهِ يَوْماً أَحْمَرَ
قد روي هذا الخبر من طرق كثيرة و رويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب نهج البلاغة
و هي قوله ع في مروان يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه و إن له إمرة(7/128)


إلى آخر الكلام. و قوله فاستشفع الحسن و الحسين إلى أمير المؤمنين ع هو الوجه يقال استشفعت فلانا إلى فلان أي سألته أن يشفع لي إليه و تشفعت إلى فلان في فلان فشفعني فيه تشفيعا و قول الناس استشفعت بفلان إلى فلان بالباء ليس بذلك الجيد. و قول أمير المؤمنين ع أ و لم يبايعني بعد قتل عثمان أي و قد غدر و هكذا لو بايعني الآن. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 147و معنى قوله إنها كف يهودية أي غادرة و اليهود تنسب إلى الغدر و الخبث و قال تعالى لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ. و السبة الاست بفتالسين سبه يسبه أي طعنه في الموضع و معنى الكلام محمول على وجهين. أحدهما أن يكون ذكر السبة إهانة له و غلظة عليه و العرب تسلك مثل ذلك في خطبها و كلامها قال المتوكل لأبي العيناء إلى متى تمدح الناس و تذمهم فقال ما أحسنوا و أساءوا ثم قال يا أمير المؤمنين إن الله تعالى رضي عن واحد فمدحه و سخط على آخر فهجاه و هجا أمه قال نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ و قال عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ و الزنيم ولد الزنا. الوجه الثاني أن يريد بالكلام حقيقة لا مجازا و ذلك لأن الغادر من العرب كان إذا عزم على الغدر بعد عهد قد عاهده أو عقد قد عقده حبق استهزاء بما كان قد أظهره من اليمين و العهد و سخرية و تهكما. و الإمرة الولاية بكسر الهمزة و قوله كلعقة الكلب أنفه يريد قصر المدة و كذلك كانت مدة خلافة مروان فإنه ولي تسعة أشهر. و الأكبش الأربعة بنو عبد الملك الوليد و سليمان و يزيد و هشام و لم يل الخلافة من بني أمية و لا من غيرهم أربعة إخوة إلا هؤلاء. و كل الناس فسروا الأكبش الأربعة بمن ذكرناه و عندي أنه يجوز أن يعني به شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 148بني مروان لصلبه و هم عبد الملك و عبد العزيز و بشر و محمد و كانوا كباشا أبطالا أنجادا أما ع الملك فولي الخلافة و أما بشر فولي العراق و أما محمد فولي الجزيرة و(7/129)


أما عبد العزيز فولي مصر و لكل منهم آثار مشهورة و هذا التفسير أولى لأن الوليد و إخوته أبناء ابنه و هؤلاء بنوه لصلبه. و يقال لليوم الشديد يوم أحمر و للسنة ذات الجدب سنة حمراء. و كل ما أخبر به أمير المؤمنين ع في هذا الكلام وقع كما أخبر به و كذلك قوله يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه فإنه ولي الخلافة و هو ابن خمسة و ستين في أعدل الروايات
مروان بن الحكم و نسبه و أخباره
و نحن ذاكرون في هذا الموضع نسبه و جملا من أمره و ولايته للخلافة و وفاته على سبيل الاختصار. هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف و أمه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية الكناني يكنى أبا عبد الملك ولد على عهد رسول الله ص منذ سنة اثنتين من الهجرة و قيل عام الخندق و قيل يوم أحد و قيل غير ذلك و قال قوم بل ولد بمكة و قيل ولد بالطائف ذكر ذلك كله أبو عمر بن عبد البر في كتاب الإستيعاب. قال أبو عمر و ممن قال بولادته يوم أحد مالك بن أنس و على قوله يكون شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 149رسول الله ص توفي و عمره ثمان سنين أو نحوها. و قيل إنه لما نفي مع أبيه إلى الطائف كان طفلا لا يعقل و إنه لم ير رسول الله ص و كان الحكم أبوه قد طرده رسول الله عن المدينة و سيره إلى الطائف فلم يزل بها حتى ولي عثمان فرده إلى المدينة فقدمها هو و ولده في خلافة عثمان و توفي فاستكتبه عثمان و ضمه إليه فاستولى عليه إلى أن قتل. و الحكم بن أبي العاص هو عم عثمان بن عفان كان من مسلمة الفتح و من المؤلفة قلوبهم و توفي الحكم في خلافة عثمان قبل قتله بشهور. و اختلف في السبب الموجب لنفي رسول الله ص فقيل إنه كان يتحيل و يستخفي و يتسمع ما يسره رسول الله ص إلى أكابر الصحابة في مشركي قريش و سائر الكفار و المنافقين و يفشي ذلك عنه حتى ظهر ذلك عنه. و قيل كان يتجسس على رسول الله ص و هو عند نسائه و يسترق السمع و يصغي إلى ما يجري هناك مما لا يجوز(7/130)


الاطلاع عليه ثم يحدث به المنافقين على طريق الاستهزاء. و قيل كان يحكيه في بعض مشيته و بعض حركاته فقد قيل إن النبي ص كان إذا مشى يتكفأ و كان الحكم بن أبي العاص يحكيه و كان شانئا له مبغضا حاسدا فالتفت رسول الله ص يوما فرآه يمشي خلفه يحكيه في مشيته
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 150فقال له كذلك فلتكن يا حكم فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ فذكر ذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال لعبد الرحمن بن الحكم يهجوهإن اللعين أبوك فارم عظامه إن ترم ترم مخلجا مجنونايمشي خميص البطن من عمل التقى و يظل من عمل الخبيث بطينا
قال صاحب الإستيعاب أما قول عبد الرحمن بن حسان إن اللعين أبوك فإنه روي عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي خيثمة و غيره أنها قالت لمروان إذ قال في أخيها عبد الرحمن إنه أنزل فيه وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله ص لعن أباك و أنت في صلبه.
و روى صاحب كتاب الإستيعاب بإسناد ذكره عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ص قال يدخل عليكم رجل لعين قال عبد الله و كنت قد رأيت أبي يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول الله ص فلم أزل مشفقا أن يكون أول من يدخل فدخل الحكم بن أبي العاص
قال صاحب الإستيعاب و نظر علي ع يوما إلى مروان فقال له ويل لك و ويل لأمة محمد منك و من بنيك إذا شاب صدغاك(7/131)

139 / 148
ع
En
A+
A-