يدخل المعاريض في روايته و أجازها فيما يبتدئ به عن نفسه و ليس يتضمن هذا اعتذارا و قوله لأن أخر من السماء يدل على أنه ما فعل ذلك و لا يفعله
ثم قال على من أكذب يقول كيف أكذب على الله و أنا أول المؤمنين به و كيف أكذب على رسول الله و أنا أول المصدقين به أخرجه مخرج الاستبعاد لدعواهم و زعمهم. فإن قلت كيف يمكن أن يكون المكلف الذي هو من أتباع الرسول كاذبا على الله إلا بواسطة إخباره عن الرسول لأنه لا وصلة و لا واسطة بينه و بين الله تعالى إلا الرسول. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 133و إذا لم يمكن كذبه على الله إلا بكذبه على الرسول لم يبق لتقسيم الكذب و قوله أ فأنا أكذب على الله أو على رسوله معنى. قلت يمكن أن يكذب الكاذب على الله دون أن يكون كاذبا على الرس و إن كان من أتباع الرسول نحو أن يقول كنت مع الرسول ص ليلة في مقبرة فأحيا الله تعالى فلانا الميت فقام و قال كذا أو يقول كنت معه يوم كذا فسمعت مناديا يناديه من السماء افعل كذا أو نحو ذلك من الأخبار بأمور لا تستند إلى حديث الرسول. ثم قال ع كلا و الله أي لا و الله و قيل إن كلا بمعنى حقا و إنه إثبات. قال و لكنها لهجة غبتم عنها اللهجة بفتح الجيم و هي آلة النطق يقال له هو فصيح اللهجة و صادق اللهجة و يمكن أن يعنى بها لهجة رسول الله ص فيقول شهدت و غبتم و يمكن أن يعنى بها لهجته هو فيقول إنها لهجة غبتم عن منافعها و أعدمتم أنفسكم ثمن مناصحتها. ثم قال ويلمه الضمير راجع إلى ما دل عليه معنى الكلام من العلم لأنه لما ذكر اللهجة و شهوده إياها و غيبوبتهم عنها دل ذلك على علم له خصه به الرسول ع فقال ويلمه و هذه كلمة تقال للتعجب و الاستعظام يقال ويلمه فارسا و تكتب موصولة كما هي بهذه الصورة و أصله ويل أمه مرادهم التعظيم و المدح و إن كان اللفظ موضوعا لضد ذلك
كقوله ع فاظفر بذات الدين تربت يداك(7/117)
و كقولهم للرجل يصفونه و يقرظونه لا أبا له. و قال الحسن البصري و هو يذكر عليا ع و يصف كونه على الحق شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 134في جميع أموره حتى قال فلما شارف الظفر وافق على التحكيم و ما لك في التحكيم و الحق في يديك لا أبا لك. قال أبو العباس المبرد هي كة فيها جفاء و خشونة كانت الأعراب تستعملها فيمن يستعظمون أمره قال و لما أنشد سليمان بن عبد الملك قول بعض الأعراب
رب العباد ما لنا و ما لكا قد كنت تسقينا فما بدا لكاأنزل علينا الغيث لا أبا لكا
قال أشهد أنه لا أب له و لا صاحبة و لا ولد فأخرجها أحسن مخرج. ثم قال ع كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء انتصب كيلا لأنه مصدر في موضع الحال و يمكن أن ينتصب على التمييز كقولهم لله دره فارسا يقول أنا أكيل لكم العلم و الحكمة كيلا و لا أطلب لذلك ثمنا لو وجدت وعاء أي حاملا للعلم
و هذا مثل قوله ع ها إن بين جنبي علما جما لو أجد له حملة
ثم ختم الفصل بقوله تعالى وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ و هو أحسن ما ختم هذا الكلام به
خطبة الإمام علي بعد يوم النهروان(7/118)
و روى المدائني في كتاب صفين قال خطب علي ع بعد انقضاء أمر النهروان فذكر طرفا من الملاحم قال إذا كثرت فيكم الأخلاط و استولت الأنباط دنا خراب العراق ذاك إذا بنيت مدينة ذات أثل و أنهار فإذا غلت فيها الأسعار و شيد فيها البنيان و حكم فيها الفساق و اشتد البلاء و تفاخر الغوغاء دنا خسوف البيداء و طاب الهرب و الجلاء و ستكون قبل الجلاء أمور يشيب منها الصغير و يعطب الكبير و يخرس الفصيح شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 135و يبهت اللبيب يعاجلون بالسيف صلتا و قد كانوا قبل ذلك في غضارة من عيشهم يمرحون فيا لها مصيبة حينئذ من الاء العقيم و البكاء الطويل و الويل و العويل و شدة الصريخ في ذلك أمر الله و هو كائن وقتا يريج فيا بن حرة الإماء متى تنتظر أبشر بنصر قريب من رب رحيم ألا فويل للمتكبرين عند حصاد الحاصدين و قتل الفاسقين عصاه ذي العرش العظيم فبأبي و أمي من عدة قليلة أسماؤهم في الأرض مجهولة قد دنا حينئذ ظهورهم و لو شئت لأخبرتكم بما يأتي و يكون من حوادث دهركم و نوائب زمانكم و بلايا أيامكم و غمرات ساعاتكم و لكنه أفضيه إلى من أفضيه إليه مخافة عليكم و نظرا لكم علما مني بما هو كائن و ما يكون من البلاء الشامل ذلك عند تمرد الأشرار و طاعة أولي الخسار ذاك أوان الحتف و الدمار ذاك أدبار أمركم و انقطاع أصلكم و تشتت ألفتكم و إنما يكون ذلك عند ظهور العصيان و انتشار الفسوق حيث يكون الضرب بالسيف أهون على المؤمنين من اكتساب درهم حلال حين لا تنال المعيشة إلا بمعصية الله في سمائه حين تسكرون من غير شراب و تحلفون من غير اضطرار و تظلمون من غير منفعة و تكذبون من غير إحراج تتفكهون بالفسوق و تبادرون بالمعصية قولكم البهتان و حديثكم الزور و أعمالكم الغرور فعند ذلك لا تأمنون البيات فيا له من بيات ما أشد ظلمته و من صائح ما أفظع صوته ذلك بيات لا ينمي صاحبه فعند ذلك تقتلون و بأنواع البلاء تضربون و بالسيف تحصدون و إلى النار(7/119)
تصيرون و يعضكم البلاء كما يعض الغارب القتب يا عجبا كل العجب بين جمادى و رجب من جمع أشتات و حصد نبات و من أصوات بعدها أصوات ثم قال سبق القضاء سبق القضاء شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 136قال رجل من ل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه أشهد أنه كاذب على الله و رسوله قال الكوفي و ما يدريك قال فو الله ما نزل علي من المنبر حتى فلج الرجل فحمل إلى منزله في شق محمل فمات من ليلته
من خطب الإمام علي أيضا
و روى المدائني أيضا قال خطب علي ع فقال لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم و بين أهل الإنجيل بإنجيلهم و بين أهل الفرقان بفرقانهم و ما من آية في كتاب الله أنزلت في سهل أو جبل إلا و أنا عالم متى أنزلت و فيمن أنزلت فقال رجل من القعود تحت منبره يا لله و للدعوى الكاذبة و قال آخر إلى جانبه أشهد أنك أنت الله رب العالمين
قال المدائني فانظر إلى هذا التناقض و التباين فيه
و روى المدائني أيضا قال خطب علي ع فذكر الملاحم فقال سلوني قبل أن تفقدوني أما و الله لتشغرن الفتنة الصماء برجلها و تطأ في خطامها يا لها من فتنة شبت نارها بالحطب الجزل مقبلة من شرق الأرض رافعة ذيلها داعية ويلها بدجلة أو حولها ذاك إذا استدار الفلك و قلتم مات أو هلك بأي واد سلك فقال قوم تحت منبره لله أبوه ما أفصحه كاذبا
و روى صاحب كتاب الغارات عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 137قال سمعت عليا يقول على المنبر ما أحد جرت عليه المواسي إلا و قد أنزل الله فيه قرآنا فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين فما أنزل الله تعالى فيك قال يريد تكذيبه ام الناس إليه يلكزونه في صدره و جنبه فقال دعوه أقرأت سورة هود قال نعم قال أ قرأت قوله سبحانه أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ قال نعم قال صاحب البينة محمد و التالي الشاهد أنا(7/120)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 71138- و من خطبة له ع علم فيها الناس الصلاة على النبي صاللَّهُمَّ دَاحِيَ الْمَدْحُوَّاتِ وَ دَاعِمَ الْمَسْمُوكَاتِ وَ جَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَى فِطَرَاتِهَا شَقِيِّهَا وَ سَعِيدِهَا اجْعَلْ شَرَائِفَ صَلَوَاتِكَ وَ نَوَامِيَ بَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَ رَسُولِكَ الْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ وَ الْفَاتِحِ لِمَا انْغَلَقَ وَ الْمُعْلِنِ الْحَقَّ بِالْحَقِّ وَ الدَّافِعِ جَيْشَاتِ الْأَبَاطِيلِ وَ الدَّامِغِ صَوْلَاتِ الْأَضَالِيلِ كَمَا حُمِّلَ فَاضْطَلَعَ قَائِماً بِأَمْرِكَ مُسْتَوْفِزاً فِي مَرْضَاتِكَ غَيْرَ نَاكِلٍ عَنْ قُدُمٍ وَ لَا وَاهٍ فِي عَزْمٍ وَاعِياً لِوَحْيِكَ حَافِظاً لِعَهْدِكَ مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ وَ أَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ وَ هُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَ الآْثَامِ وَ أَقَامَ بِمُوضِحَاتِ الْأَعْلَامِ وَ نَيِّرَاتِ الْأَحْكَامِ فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَ خَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وَ بَعِيثُكَ بِالْحَقِّ وَ رَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ وَ اجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ وَ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ وَ أَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ وَ أَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ وَ اجْزِهِ مِنِ ابْتِعَاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ مَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ وَ خُطْبَةٍ فَصْلٍ اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَ بَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ وَ قَرَارِ النِّعْمَةِ وَ مُنَى الشَّهَوَاتِ وَ أَهْوَاءِ اللَّذَّاتِ وَ رَخَاءِ الدَّعَةِ وَ مُنْتَهَى الطُّمَأْنِينَةِ وَ تُحَفِ الْكَرَامَةِ شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 139دحوت الرغيف دحوا بسطته(7/121)