أملصت الحامل ألقت ولدها سقاطا و قيمها بعلها و تأيمها خلوها عن الأزواج يقول لما شارفتم استئصال أهل الشام و ظهرت أمارات الظفر لكم و دلائل الفتح نكصتم و جنحتم إلى السلم و الإجابة إلى التحكيم عند رفع المصاحف فكنتم كالمرأة الحامل لما أتمت أشهر حملها ألقت ولدها إلقاء غير طبيعي نحو أن تلقيه لسقطة أو ضربة أو عارض يقتضي أن تلقيه هالكا. ثم لم يكتف لهم بذلك حتى قال و مات بعلها و طال تأيمها و ورثها أبعدها أي لم يكن لها ولد و هو أقرب المخلفين إلى الميت و لم يكن لها بعل فورثها الأباعد عنها شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 128لسافلين من بني عم و كالمولاة تموت من غير ولد و لا من يجري مجراه فيرثها مولاها و لا نسب بينها و بينه. ثم أقسم أنه لم يأتهم اختيارا و لكن المقادير ساقته إليهم سوقا يعني اضطرارا. و صدق ع لأنه لو لا يوم الجمل لم يحتج إلى الخروج من المدينة إلى العراق و إنما استنجد بأهل الكوفة على أهل البصرة اضطرارا إليهم لأنه لم يكن جيشه الحجازي وافيا بأهل البصرة الذين أصفقوا على حربه و نكث بيعته و لم يكن خروجه عن المدينة و هي دار الهجرة و مفارقته لقبر رسول الله ص و قبر فاطمة عن إيثار و محبة و لكن الأحوال تحكم و تسوق الناس إلى ما لا يختارونه ابتداء. و قد روي هذا الكلام على وجه آخر ما أتيتكم اختيارا و لا جئت إليكم شوقا بالشين المعجمة. ثم قال بلغني أنكم تقولون يكذب و كان كثيرا ما يخبر عن الملاحم و الكائنات و يومئ إلى أمور أخبره بها رسول الله ص فيقول المنافقون من أصحابه يكذب كما كان المنافقون الأولون في حياة رسول الله ص يقولون عنه يكذب.
و روى صاحب كتاب الغارات عن الأعمش عن رجاله قال خطب علي ع فقال و الله لو أمرتكم فجمعتم من خياركم مائة ثم لو شئت لحدثتكم من غدوة إلى أن تغيب الشمس لا أخبرتكم إلا حقا ثم لتخرجن فلتزعمن أني أكذب الناس و أفجرهم(7/112)
و قد روى صاحب هذا الكتاب و غيره من الرواة أنه قال إن أمرنا صعب مستصعب لا يحمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قبله للإيمان
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 129و هذا الكلام منه كلام عارف عالم بأن في الناس من لا يصدقه فيما يقول و هذا أمر مركوز في الجبلة البشرية و هو استبعاد الأمور الغريبة و تكذيب الأخبار بها و إذا تأملت أحواله في خلافته كلها وجدتها هي مختصرة من أحوال رسول الله ص في اته كأنها نسخة منتسخة منها في حربه و سلمه و سيرته و أخلاقه و كثرة شكايته من المنافقين من أصحابه و المخالفين لأمره و إذا أردت أن تعلم ذلك علما واضحا فاقرأ سورة براءة ففيها الجم الغفير من المعنى الذي أشرنا إليه
ذكر مطاعن النظام على الإمام علي و الرد عليه
و اعلم أن النظام لما تكلم في كتاب النكت و انتصر لكون الإجماع ليس بحجة اضطر إلى ذكر عيوب الصحابة فذكر لكل منهم عيبا و وجه إلى كل واحد منهم طعنا و قال في علي إنه لما حارب الخوارج يوم النهروان كان يرفع رأسه إلى السماء تارة ينظر إليها ثم يطرق إلى الأرض فينظر إليها تارة أخرى يوهم أصحابه أنه يوحى إليه ثم يقول ما كذبت و لا كذبت فلما فرغ من قتالهم و أديل عليهم و وضعت الحرب أوزارها(7/113)
قال الحسن ابنه يا أمير المؤمنين أ كان رسول الله ص تقدم إليك في أمر هؤلاء بشي ء فقال لا و لكن رسول الله ص أمرني بكل حق و من الحق أن أقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين قال النظام و قوله ما كذبت و لا كذبت و رفعه رأسه أحيانا إلى السماء و أطراقه إلى الأرض إيهام أما لنزول الوحي عليه أو لأنه قد أوصى من قبل في شأن الخوارج بأمر ثم هو يقول ما أوصى فيهم على خصوصيتهم بأمر و إنما أوصى بكل الحق و قتالهم من الحق. شرح نهج البلاغة ج 6 ص : 130و هذا عجيب طريف. فنقول إن النظام أخطأ عندنا في تعريضه بهذا الرجل خطأ قبيحا و قال قولا منكرا نستغفر الله له من عقابه و نسأله عفوه عنه و ليست الرواية التي رواها عن الحسن و سؤاله لأبيه و جوابه له بصحيحة و لا معروفة و المشهور المعروف المنقول نقلا يكاد يبلغ درجة المتواتر من الأخبار ما روي عن رسول الله ص في معنى الخوارج بأعيانهم و ذكرهم بصفاتهم
و قوله ص لعلي ع إنك مقاتلهم و قاتلهم و إن المخدج ذا الثدية منهم و إنك ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين(7/114)
فجعلهم أصنافا ثلاثة حسب ما وقعت الحال عليه و هذا من معجزات الرسول ص و إخباره عن الغيوب المفصلة فما أعلم من أي كتاب نقل النظام هذه الرواية و لا عن أي محدث رواها و لقد كان رحمه الله تعالى بعيدا عن معرفة الأخبار و السير منصبا فكره مجهدا نفسه في الأمور النظرية الدقيقة كمسألة الجزء و مداخلة الأجسام و غيرهما و لم يكن الحديث و السير من فنونه و لا من علومه و لا ريب أنه سمعها ممن لا يوثق بقوله فنقلها كما سمعها. فأما كونه ع كان ينظر تارة إلى السماء و تارة إلى الأرض و قوله ما كذبت و لا كذبت فصحيح و موثوق بنقله لاستقامته و شهرته و كثرة رواته و الوجه في ذلك أنه استبطأ وجود المخدج حيث طلبه في جملة القتلى فلما طال الزمان و أشفق من دخول شبهة على أصحابه لما كان قدمه إليهم من الأخبار قلق و اهتم و جعل يكرر قوله ما كذبت و لا كذبت أي ما كذبت على رسول الله ص و لا كذبني رسول الله ص فيما أخبرني به. فأما رفعه رأسه إلى السماء تارة و أطراقه إلى الأرض أخرى فإنه حيث كان يرفع شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 131رأسه كان يدعو و يتضرع إلى الله في تعجيل الظفر بالمخدج و حيث يطرق كان يغلبه الهم و الفكر فيطرق. ثم حين يقول ما كذبت و لا كذبت كيف ينتظرزول الوحي فإن من نزل عليه الوحي لا يحتاج أن يسند الخبر إلى غيره و يقول ما كذبت فيما أخبرتكم به عن رسول الله ص. و مما طعن به النظام عليه
أنه ع قال إذا حدثتكم عن رسول الله ص فهو كما حدثتكم فو الله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله ص و إذا سمعتموني أحدثكم فيما بيني و بينكم فإنما الحرب خدعة(7/115)
قال النظام هذا يجري مجرى التدليس في الحديث و لو لم يحدثهم عن رسول الله ص بالمعاريض و على طريق الإيهام لما اعتذر من ذلك. فنقول في الجواب إن النظام قد وهم و انعكس عليه مقصد أمير المؤمنين و ذلك أنه ع لشدة ورعه أراد أن يفصل للسامعين بين ما يخبر به عن نفسه و بين ما يرويه عن رسول الله ص و ذلك لأن الضرورة ربما تدعوه إلى استعماله المعاريض لا سيما في الحرب المبنية على الخديعة و الرأي فقال لهم كلما أقول لكم قال لي رسول الله ص فاعلموا أنه سليم من المعاريض خال من الرمز و الكناية لأني لا أستجيز و لا أستحل أن أعمي أو ألغز في حديث رسول الله ص. و ما حدثتكم به عن نفسي فربما أستعمل فيه المعاريض لأن الحرب خدعة. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 132و هذا كلام رجل قد استعمل التقوى و الورع في جميع أموره و بلغ من تعظيم أمر الرسول عليه أفضل الصلاة و السلام و إجلال قدره و احترام حديثه ألارويه إلا بألفاظه لا بمعانيه و لا بأمر يقتضي فيه إلباسا و تعمية و لو كان مضطرا إلى ذلك ترجيحا للجانب الذي على جانب مصلحته في خاص نفسه فأما إذا هو قال كلاما يبتدئ به من نفسه فإنه قد يستعمل فيه المعاريض إذا اقتضت الحكمة و التدبير ذلك فقد كان رسول الله ص باتفاق الرواة كافة إذا أراد أن يغزو وجها ورى عنه بغيره و لما خرج ع من المدينة لفتح مكة قال لأصحابه كلاما يقتضي أنه يقصد بني بكر بن عبد مناة من كنانة فلم يعلموا حقيقة حاله حتى شارف مكة و قال حين هاجر و صحبه أبو بكر الصديق لأعرابي لقيهما من أين أنت و ممن أنت فلما انتسب لهما قال له الأعرابي أما أنا فقد اطلعتكما طلع أمري فممن أنت فقال من ماء لم يزده على ذلك فجعل الأعرابي يفكر و يقول من أي ماء من ماء بني فلان من ماء بني فلان فتركه و لم يفسر له و إنما أراد ع أنه مخلوق من نطفة. فأما قول النظام لو لم يحدث عن رسول الله ص بالمعاريض لما اعتذر من ذلك فليس في كلامه اعتذار و لكنه نفي أن(7/116)