قتل عمير بن ضابئ و غيره فخرج الناس يهرعون إلى المهلب. و أمير المؤمنين لم يكن ليستحل من دماء أصحابه ما يستحله من يريد الدنيا و سياسة الملك و انتظام الدولة
قال ع لكني لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي
أي بإفساد ديني عند الله تعالى. فإن قلت أ ليست نصرة الإمام واجبة عليهم فلم لا يقتلهم إذ أخلوا بهذا الواجب قلت ليس كل إخلال بواجب يكون عقوبته القتل كمن أخل بالحج و أيضا فإنه كان يعلم أن عاقبة القتل فسادهم عليه و اضطرابهم فلو أسرع في قتلهم لشغبوا عليه شغبا يفضي إلى أن يقتلوه و يقتلوا أولاده أو يسلموه و يسلموهم إلى معاوية و متى علم هذا أو غلب على ظنه لم يجز له أن يسوسهم بالقتل الذي يفضي إلى هذه المفسدة فلو ساسهم بالقتل و الحال هذه لكان آثما عند الله تعالى و مواقعا للقبيح و في ذلك إفساد دينه كما قال لا تعرفون الحق كمعرفتكم الباطل إلى آخر الفصل فكأنه قال لا تعتقدون الصواب و الحق كما تعتقدون الخطأ و الباطل أي اعتقادكم الحق قليل و اعتقادكم الباطل كثير فعبر عن الاعتقاد العام بالمعرفة الخاصة و هي نوع تحت جنسه مجازا. ثم قال و لا تسرعون في نقض الباطل سرعتكم في نقض الحق و هدمه
طائفة من الأشعار الواردة في ذم الجبن
و اعلم أن الهجاء بالجبن و الذل الفرق كثير جدا و نظير قوله إنكم لكثير في الباحات قليل تحت الرايات قول معدان الطائي
فأما الذي يحصيهم فمكثر و أما الذي يطريهم فمقلل
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 105و نحو قول قراد بن حنش و هو من شعر الحماسةو أنتم سماء يعجب الناس رزها بآبدة تنحي شديد وئيدهاتقطع أطناب البيوت بحاصب و أكذب شي ء برقها و رعودهافويلمها خيلا بهاء و شارة إذا لاقت الأعداء لو لا صدودهاو من شعر الحماسة في هذا المعنى
لقد كان فيكم لو وفيتم بجاركم لحى و رقاب عردة و مناخرمن الصهب أثناء و جذعا كأنها عذارى عليها شارة و معاجر(7/92)


و من الهجاء بالجبن و الفرار قول بعض بني طيئ يهجو حاتما و هو من شعر الحماسة أيضا
لعمري و ما عمري على بهين لبئس الفتى المدعو بالليل حاتم غداة أتى كالثور أحرج فاتقى بجبهته أقتاله و هو قائم كأن بصحراء المريط نعامة تبادرها جنح الظلام نعائم أعارتك رجليها و هافي لبها و قد جردت بيض المتون صوا شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 106و نظير المعنى الأول أيضا قول بعضهم من شعر الحماسةكاثر بسعد إن سعدا كثيرة و لا ترج من سعد وفاء و لا نصرايروعك من سعد بن عمرو جسومها و تزهد فيها حين تقتلها خبرا
و منه قول عويف القوافي
و ما أمكم تحت الخوافق و القنا بثكلى و لا زهراء من نسوة زهرأ لستم أقل الناس عند لوائهم و أكثرهم عند الذبيحة و القدر
و ممن حسن الجبن و الفرار بعض الشعراء في قوله
أضحت تشجعني هند و قد علمت أن الشجاعة مقرون بها العطب لا و الذي حجت الأنصار كعبته ما يشتهي الموت عندي من له أرب للحرب قوم أضل الله سعيهم إذا دعتهم إلى حوماتها وثبواو لست منهم و لا أهوى فعالهم لا القتل يعجبني منها و لا السلو من هذا قول أيمن بن خريم الأسدي
إن للفتنة ميطا بينا و وريد الميط منها يعتدل فإذا كان عطاء فابتدر و إذا كان قتال فاعتزل إنما يسعرها جهالها حطب النار فدعها تشتعو ممن عرف بالجبن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد عيره عبد الملك بن مروان فقال شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 10إذا صوت العصفور طار فؤاده و ليث حديد الناب عند الثرائد
و قال آخر
يطير فؤاده من نبح كلب و يكفيه من الزجر الصفير
و قال آخر
و لو أنها عصفورة لحسبتها مسومة تدعو عبيدا و أزنما
أخبار الجبناء و ذكر نوادرهم(7/93)


و من أخبار الجبناء ما رواه ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار قال رأى عمرو بن العاص معاوية يوما فضحك و قال مم تضحك يا أمير المؤمنين أضحك الله سنك قال أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوءتك يوم ابن أبي طالب و الله لقد وجدته منانا كريما و لو شاء أن يقتلك لقتلك فقال عمرو يا أمير المؤمنين أما و الله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فأحولت عيناك و انفتح سحرك و بدا منك ما أكره ذكره لك فمن نفسك فاضحك أو فدع قال ابن قتيبة و قدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك و عليه درع و عمامة سوداء و قوس عربية و كنانة فبعثت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان إلى الوليد و هي تحته يومئذ من هذا الأعرابي المستلئم في الصلاح عندك على خلوة و أنت في غلالة شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 108فأرسل إليها الوليد أنه الحجاج فأعادت عليه الرسول و الله لأن يخلو بك ملك الموت أحب إلي من أن يخلو بك الحجاج فضحك وخبر الحجاج بقولها و هو يمازحه فقال الحجاج يا أمير المؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فإنما المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة فلا تطلعها على سرك و مكايدة عدوك. فلما انصرف الحجاج و دخل الوليد على امرأته أخبرها بمقالة الحجاج فقالت يا أمير المؤمنين حاجتي إليك اليوم أن تأمره غدا أن يأتيني مستلئما ففعل ذلك و أتاها الحجاج فحجبته ثم أدخلته و لم تأذن له في القعود فلم يزل قائما ثم قالت إيه يا حجاج أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتلك ابن الزبير و ابن الأشعث أما و الله لو لا أن الله علم أنك شر خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام و لا بقتل ابن ذات النطاقين أول مولود في الإسلام و أما نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء و بلوغ لذاته و أوطاره فإن كن ينفرجن عن مثلك فما أحقه بالقبول منك و إن كن ينفرجن عن مثله فهو غير قابل لقولك أما و الله لو نفض نساء أمير المؤمنين الطيب من غدائرهن فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من القرن قد أظلتك(7/94)


الرماح و أثخنك الكفاح و حين كان أمير المؤمنين أحب إليهم من آبائهم و أبنائهم فأنجاك الله من عدو أمير المؤمنين بحبهم إياه قاتل الله القائل حين ينظر إليك و سنان غزالة بين كتفيك
أسد علي و في الحروب نعامة ربداء تنفر من صفير الصافرهلا برزت إلى غزالة في الوغى أم كان قلبك في جناحي طائر
ثم قالت لجواريها أخرجنه فاخرج. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 109و من طريف حكايات الجبناء ما ذكره ابن قتيبة أيضا في الكتاب المذكور قال كان بالبصرة شيخ من بني نهشل بن دارم يقال له عروة بن مرثد و يكنى أبا الأعز ينزل في بني أخت له من الأزد في سكة بني مازن فخرج رلهم إلى ضياعهم في شهر رمضان و خرج النساء يصلين في مسجدهم و لم يبق في الدار إلا إماء فدخل كلب يتعسس فرأى بيتا مفتوحا فدخله و انصفق الباب عليه فسمع بعض الإماء الحركة فظنوا أنه لص دخل الدار فذهبت إحداهن إلى أبي الأعز فأخبرته فقال أبو الأعز إلام يبتغي اللص عندنا و أخذ عصاه و جاء حتى وقف بباب البيت و قال إيه يا فلان أما و الله إني بك لعارف فهل أنت من لصوص بني مازن شربت حامضا خبيثا حتى إذا دارت في رأسك منتك نفسك الأماني و قلت أطرق دور بني عمرو و الرجال خلوف و النساء يصلين في مسجدهن فأسرقهم سوءة لك و الله ما يفعل هذا ولد الأحرار و ايم الله لتخرجن أو لأهتفن هتفة مشئومة يلتقي فيها الحيان عمرو و حنظلة و تجي ء سعد عدد الحصى و تسيل عليك الرجال من هنا و هنا و لئن فعلت لتكونن أشأم مولود. فلما رأى أنه لا يجيبه أخذه باللين فقال اخرج بأبي أنت مستورا و الله ما أراك تعرفني و و عرفتني لقنعت بقولي و اطمأننت إلى ابن أختي البار الوصول أنا فديتك أبو الأعز النهشلي و أنا خال القوم و جلدة بين أعينهم لا يعصونني و لا تضار الليلة و أنت في ذمتي و عندي قوصرتان أهداهما إلى ابن أختي البار الوصول فخذ إحداهما فانبذها حلالا من الله و رسوله. و كان الكلب إذا سمع الكلام أطرق و إذا سكت أبو(7/95)


الأعز وثب يريد المخرج فتهانف أبو الأعز ثم تضاحك و قال يا ألأم الناس و أوضعهم أ لا أراني لك منذ الليلة شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 110في واد و أنت لي في واد آخر أقبلت السوداء و البيضاء فتصيح و تطرق فإذا سكت عنك وثبتريد الخروج و الله لتخرجن أو لألجن عليك البيت. فلما طال وقوفه جاءت إحدى الإماء فقالت أعرابي مجنون و الله ما أرى في البيت شيئا فدفعت الباب فخرج الكلب شاردا و حاد عنه أبو الأعز ساقطا على قفاه شائلة رجلاه و قال تالله ما رأيت كالليلة هذه ما أراه إلا كلبا و لو علمت بحاله لولجت عليه. و نظير هذه الحكاية حكاية أبي حية النميري و كان جبانا قيل كان لأبي حية سيف ليس بينه و بين الخشب فرق كان يسميه لعاب المنية فحكى عنه بعض جيرانه أنه قال أشرفت عليه ليلة و قد انتضاه و هو واقف بباب بيت في داره و قد سمع فيه حسا و هو يقول أيها المغتر بنا المجترئ علينا بئس و الله ما اخترت لنفسك خير قليل و سيف صقيل لعاب المنية الذي سمعت به مشهورة صولته و لا تخاف نبوته اخرج بالعفو عنك لا أدخل بالعقوبة عليك إني و الله إن أدع قيسا تملأ الفضاء عليك خيلا و رجلا سبحان الله ما أكثرها و أطيبها و الله ما أنت ببعيد من تابعها و الرسوب في تيار لجتها. و قال وهبت ريح ففتحت الباب فخرج كلب يشتد فلبط بأبي حية و أربد و شغر برجليه و تبادرت إليه نساء الحي فقلن يا أبا حية لتفرخ روعتك إنما هو كلب فجلس و هو يقول الحمد لله الذي مسخك كلبا و كفاني حربا. و خرج مغيرة بن سعيد العجلي في ثلاثين رجلا ظهر الكوفة فعطعطوا و خالد بن عبد الله القسري أمير العراق يخطب على المنبر فعرق و اضطرب و تحير و جعل يقول أطعموني ماء فهجاه ابن نوفل فقال شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 11أ خالد لا جزاك الله خيرا و أيري في حرامك من أميرتروم الفخر في أعراب قسر كأنك من سراة بني جريرجرير من ذوي يمن أصيل كريم الأصل ذو خطر كبيرو أمك علجة و أبوك وغد و ما الأذناب عدل(7/96)

132 / 148
ع
En
A+
A-