قال إبراهيم فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال كتب علي إلى عبد الله بن عباس و هو على البصرة من عبد الله علي أمير المؤمنين ع إلى عبد الله بن عباس سلام عليك و رحمة الله و بركاته أما بعد فإن مصر قد افتتحت و قد استشهد محمد بن أبي بكر فعند الله عز و جل تحتسبه و قد كنت كتبت إلى الناس و تقدمت إليهم في بدء الأمر و أمرتهم بإغاثته شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 93قبل الوقعة و دعوتهم سرا و جهرا و عودا و بدءا فمنهم الآتي كارها و منهم المتعلل كاذبا و منهم القاعد خاذلا أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجا و أن يريحني منهم علا فو الله لو لا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة و توطيني نفسي عند ذلك لأحببت ألا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا عزم الله لنا و لك على تقواه و هداه إنه على كل شي ء قدير و السلام عليك و رحمة الله و بركاته قال فكتب إليه عبد الله بن عباس لعبد الله علي أمير المؤمنين من عبد الله بن عباس سلام على أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته. أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر و هلاك محمد بن أبي بكر و إنك سألت الله ربك أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجا و مخرجا و أنا أسأل الله أن يعلى كلمتك و أن يغشيك بالملائكة عاجلا و اعلم أن الله صانع لك و معز دعوتك و كابت عدوك و أخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تباطئوا ثم نشطوا فارفق بهم يا أمير المؤمنين و دارهم و منهم و استعن بالله عليهم كفاك الله الهم و السلام عليك و رحمة الله و بركاته. قال إبراهيم و روي عن المدائني أن عبد الله بن عباس قدم من البصرة على علي فعزاه عن محمد بن أبي بكر.
و روى المدائني أن عليا قال رحم الله محمدا كان غلاما حدثا لقد كنت أردت أن أولي المرقال هاشم بن عتبة مصر فإنه و الله لو وليها لما خلى لابن العاص و أعوانه العرصة و لا قتل إلا و سيفه في يده بلا ذم لمحمد فلقد أجهد نفسه فقضى ما عليه(7/82)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 94 قال المدائني و قيل لعلي ع لقد جزعت على محمد بن أبي بكر يا أمير المؤمنين فقال و ما يمنعني أنه كان لي ربيبا و كان لبني أخا و كنت له والدا أعده ولداخطبة للإمام علي بعد مقتل محمد بن أبي بكر
و روى إبراهيم عن رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال خطب علي ع بعد فتح مصر و قتل محمد بن أبي بكر فقال أما بعد فإن الله بعث محمدا نذيرا للعالمين و أمينا على التنزيل و شهيدا على هذه الأمة و أنتم معاشر العرب يومئذ على شر دين و في شر دار منيخون على حجارة خشن و حيات صم و شوك مبثوث في البلاد تشربون الماء الخبيث و تأكلون الطعام الخبيث تسفكون دماءكم و تقتلون أولادكم و تقطعون أرحامكم و تأكلون أموالكم بينكم بالباطل سبلكم خائفة و الأصنام فيكم منصوبة و لا يؤمن أكثرهم بالله إلا و هم مشركون. فمن الله عز و جل عليكم بمحمد فبعثه إليكم رسولا من أنفسكم فعلمكم الكتاب و الحكمة و الفرائض و السنن و أمركم بصلة أرحامكم و حقن دمائكم و صلاح ذات البين و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و أن توفوا بالعهد و لا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها و أن تعاطفوا و تباروا و تراحموا و نهاكم عن التناهب و التظالم و التحاسد و التباغي و التقاذف و عن شرب الخمر و بخس المكيال و نقص الميزان و تقدم إليكم فيما يتلى عليكم ألا تزنوا و لا تربوا و لا تأكلوا أموال شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 95اليتامى ظلما و أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و لا تعثوا في الأرض مفسدين و لا تدوا إن الله لا يحب المعتدين و كل خير يدني إلى الجنة و يباعد عن النار أمركم به و كل شر يدني إلى النار و يباعد عن الجنة نهاكم عنه فلما استكمل مدته توفاه الله إليه سعيدا حميدا فيا لها مصيبة خصت الأقربين و عمت المسلمين ما أصيبوا قبلها بمثلها و لن يعاينوا بعدها أختها فلما مضى لسبيله ص تنازع المسلمون الأمر بعده فو الله ما كان يلقى في روعي و لا يخطر على بالي أن(7/83)
العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد عن أهل بيته و لا أنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر و إجفالهم إليه ليبايعوه فأمسكت يدي و رأيت أني أحق بمقام محمد ص في الناس ممن تولى الأمر من بعده فلبثت بذاك ما شاء الله حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين الله و ملة محمد ص فخشيت إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما و هدما يكون المصاب بهما علي أعظم من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب و كما يتقشع السحاب فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته و نهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل و زهق و كانت كلمة الله هي العليا و لو كره الكافرون فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسر و سدد و قارب و اقتصد و صحبته مناصحا و أطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا و ما طمعت أن لو حدث به حادث و أنا حي أن يرد إلي الأمر الذي نازعته فيه طمع مستيقن و لا يئست منه يأس من لا يرجوه و لو لا خاصة ما كان بينه و بين عمر لظننت أنه لا يدفعها عني فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا و أطعنا و ناصحنا(7/84)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 96و تولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة حتى إذا احتضر فقلت في نفسي لن يعدلها عني ليس يدافعها عني فجعلني سادس ستة فما كانوا لولاية أحد منهم أشد كراهة لولايتي عليهم كانوا يسمعون عند وفاة رسول الله ص لجاج أبي بكر و أقول معشر قريش إنا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن و يعرف السنة و يدين بدين الحق فخشي القوم إن أنا وليت عليهم ألا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان و أخرجوني منها رجاء أن ينالوها و يتداولوها إذ يئسوا أن ينالوا بها من قبلي ثم قالوا هلم فبايع و إلا جاهدناك فبايعت مستكرها و صبرت محتسبا فقال قائلهم يا ابن أبي طالب إنك على هذا الأمر لحريص فقلت أنتم أحرص مني و أبعد أينا أحرص أنا الذي طلبت ميراثي و حقي الذي جعلني الله و رسوله أولى به أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه و تحولون بيني و بينه فبهتوا و الله لا يهدي القوم الظالمين اللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي و أضاعوا إياي و صغروا عظيم منزلتي و أجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه ثم قالوا ألا إن في الحق أن تأخذه و في الحق أن تمنعه فاصبر كمدا أو مت أسفا حنقا فنظرت فإذا ليس معي رافد و لا ذاب و لا ناصر و لا ساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن المنية و أغضيت على القذى و تجرعت ريقي على الشجا و صبرت من كظم الغيظ علي أمر من العلقم و آلم للقلب من حز الشفار حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه ثم جئتموني لتبايعوني فأبيت عليكم و أمسكت يدي فنازعتموني و دافعتموني و بسطتم يدي فكففتها و مددتموها فقبضتها و ازدحمتم علي حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعضكم أو أنكم قاتلي فقلتم بايعنا لا نجد غيرك و لا نرضى إلا بك بايعنا شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 97لا نفترق و لا تخت كلمتنا فبايعتكم و دعوت الناس إلى بيعتي فمن بايع طوعا قبلته و من(7/85)
أبى لم أكرهه و تركته فبايعني فيمن بايعني طلحة و الزبير و لو أبيا ما أكرهتهما كما لم أكره غيرهما فما لبثا إلا يسيرا حتى بلغني أنهما خرجا من مكة متوجهين إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلا قد أعطاني الطاعة و سمح لي بالبيعة فقدما على عاملي و خزان بيت مالي و على أهل مصري الذين كلهم على بيعتي و في طاعتي فشتتوا كلمتهم و أفسدوا جماعتهم ثم وثبوا على شيعتي من المسلمين فقتلوا طائفة منهم غدرا و طائفة صبرا و منهم طائفة غضبوا لله و لي فشهروا سيوفهم و ضربوا بها حتى لقوا الله عز و جل صادقين فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله لحل لي به قتل ذلك الجيش بأسره فدع ما أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا بها عليهم و قد أدال الله منهم فبعدا للقوم الظالمين ثم إني نظرت في أمر أهل الشام فإذا أعراب أحزاب و أهل طمع جفاة طغاة يجتمعون من كل أوب من كان ينبغي أن يؤدب و أن يولى عليه و يؤخذ على يده ليسوا من الأنصار و لا المهاجرين و لا التابعين بإحسان فسرت إليهم فدعوتهم إلى الطاعة و الجماعة فأبوا إلا شقاقا و فراقا و نهضوا في وجوه المسلمين ينضحونهم بالنبل و يشجرونهم بالرماح فهناك نهدت إليهم بالمسلمين فقاتلتهم فلما عضهم السلاح و وجدوا ألم الجراح رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها فأنبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين و لا قرآن و أنهم رفعوها مكيدة و خديعة و وهنا و ضعفا فامضوا على حقكم و قتالكم فأبيتم علي و قلتم اقبل منهم فإن أجابوا إلى ما في الكتاب جامعونا على ما نحن عليه من(7/86)