شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 87هيهات أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ فقال محمد اسقوني قطرة من الماء فقال له معاوية بن حديج لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبدا إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فسق الله من الرحيق المختوم و الله لأقتلنك يا ابن أبي بكر و أنت ظمآن و يسقيك الله من الحميم و الغسلين فقال له محمد يا ابن اليهودية النساجة ليس ذلك اليوم إليك و لا إلى عثمان إنما ذلك إلى الله يسقي أولياءه و يظمئ أعداءه و هم أنت و قرناؤك و من تولاك و توليته و الله لو كان سيفي في يدي ما بلغتم مني ما بلغتم فقال له معاوية بن حديج أ تدري ما أصنع بك أدخلك جوف هذا الحمار الميت ثم أحرقه عليك بالنار قال إن فعلتم ذاك بي فطالما فعلتم ذاك بأولياء الله و ايم الله إني لأرجو أن يجعل الله هذه النار التي تخوفني بها بردا و سلاما كما جعلها الله على إبراهيم خليله و أن يجعلها عليك و على أوليائك كما جعلها على نمرود و أوليائه و إني لأرجو أن يحرقك الله و إمامك معاوية و هذا و أشار إلى عمرو بن العاص بنار تلظى كلما خبت زادها الله عليكم سعيرا فقال له معاوية بن حديج إني لا أقتلك ظلما إنما أقتلك بعثمان بن عفان قال محمد و ما أنت و عثمان رجل عمل بالجور و بدل حكم الله و القرآن و قد قال الله عز و جل وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فنقمنا عليه أشياء عملها فأردنا أن يخلع من الخلافة علنا فلم يفعل فقتله من قتله من الناس. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 88فغضب معاوية بن حديج فقدمه فضرب عنقه ثم ألقاه في جوف حمار و أحرقه بالنار. فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا و قنتت في دبر كل صلاة تدعو على معاوية بن أبسفيان و عمرو بن العاص و معاوية بن حديج و قبضت عيال محمد أخيها و(7/77)


ولده إليها فكان القاسم بن محمد من عيالها. قال و كان ابن حديج ملعونا خبيثا يسب علي بن أبي طالب ع.
قال إبراهيم و حدثني عمرو بن حماد بن طلحة القناد عن علي بن هاشم عن أبيه عن داود بن أبي عوف قال دخل معاوية بن حديج على الحسن بن علي في مسجد المدينة فقال له الحسن ويلك يا معاوية أنت الذي تسب أمير المؤمنين عليا ع أما و الله لئن رأيته يوم القيامة و ما أظنك تراه لترينه كاشفا عن ساق يضرب وجوه أمثالك عن الحوض ضرب غرائب الإبل
قال إبراهيم و حدثني محمد بن عبد الله بن عثمان عن المدائني عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن شداد قال حلفت عائشة لا تأكل شواء أبدا بعد قتل محمد فلم تأكل شواء حتى لحقت بالله و ما عثرت قط إلا قالت تعس معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص و معاوية بن حديج. قال إبراهيم و قد روى هاشم أن أسماء بنت عميس لما جاءها نعي محمد ابنها و ما صنع به قامت إلى مسجدها و كظمت غيظها حتى تشخبت دما. قال إبراهيم و روى ابن عائشة التيمي عن رجاله عن كثير النواء أن أبا بكر خرج شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 89في حياة رسول الله ص في غزاة فت أسماء بنت عميس و هي تحته كأن أبا بكر مخضب بالحناء رأسه و لحيته و عليه ثياب بيض فجاءت إلى عائشة فأخبرتها فقالت إن صدقت رؤياك فقد قتل أبو بكر إن خضابه الدم و إن ثيابه أكفانه ثم بكت فدخل النبي ص و هي كذلك فقال ما أبكاها فقالوا يا رسول الله ما أبكاها أحد و لكن أسماء ذكرت رؤيا رأتها لأبي بكر فأخبر النبي ص
فقال ليس كما عبرت عائشة و لكن يرجع أبو بكر صالحا فيلقى أسماء فتحمل منه بغلام فتسميه محمدا يجعله الله غيظا على الكافرين و المنافقين(7/78)


قال فكان كما أخبر ص. قال إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان عند قتل محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر أما بعد فإنا لقينا محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر في جموع من أهل مصر فدعوناهم إلى الكتاب و السنة فعصوا الحق فتهولوا في الضلال فجاهدناهم و استنصرنا الله جل و عز عليهم فضرب الله وجوههم و أدبارهم و منحنا أكتافهم فقتل محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر و الحمد لله رب العالمين.
قال إبراهيم و حدثني محمد بن عبد الله عن المدائني عن الحارث بن كعب بن عبد الله بن قعين عن حبيب بن عبد الله قال و الله إني لعند علي جالس إذ جاءه عبد الله بن معين و كعب بن عبد الله من قبل محمد بن أبي بكر يستصرخانه قبل الوقعة فقام علي فنادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله و أثنى شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 90عليه و ذكر رسول الله ص فصلى عليه ثم قال أما بعد فهذا صريخ محمد بن أبي بكر و إخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن النابغة عدو الله و عدو من والاه و ولي من عادى الله فلا يكونن أهل الضل إلى باطلهم و الركون إلى سبيل الطاغوت أشد اجتماعا على باطلهم و ضلالتهم منكم على حقكم فكأنكم بهم و قد بدءوكم و إخوانكم بالغزو فاعجلوا إليهم بالمواساة و النصر عباد الله إن مصر أعظم من الشام و خير أهلا فلا تغلبوا على مصر فإن بقاء مصر في أيديكم عز لكم و كبت لعدوكم اخرجوا إلى الجرعة قال و الجرعة بين الحيرة و الكوفة لنتوافى هناك كلنا غدا إن شاء الله
قال فلما كان الغد خرج يمشى فنزلها بكرة فأقام بها حتى انتصف النهار فلم يوافه مائة رجل فرجع فلما كان العشي بعث إلى الأشراف فجمعهم فدخلوا عليه القصر و هو كئيب حزين(7/79)


فقال الحمد لله على ما قضى من أمر و قدر من فعل و ابتلاني بكم أيها الفرقة التي لا تطيع إذا أمرتها و لا تجيب إذا دعوتها لا أبا لغيركم ما ذا تنتظرون بنصركم و الجهاد على حقكم الموت خير من الذل في هذه الدنيا لغير الحق و الله إن جاءني الموت و ليأتيني لتجدنني لصحبتكم جدا قال أ لا دين يجمعكم أ لا حمية تغضبكم أ لا تسمعون بعدوكم ينتقص بلادكم و يشن الغارة عليكم أ و ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام الظلمة فيتبعونه على غير عطاء و لا معونة و يجيبونه في السنة المرة و المرتين و الثلاث إلى أي وجه شاء ثم أنا أدعوكم و أنتم أولو النهى و بقية الناس تختلفون و تفترقون عني و تعصونني و تخالفون علي شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 91فقام إليه مالك بن كعب الأرحبي فقال يا أمير المؤمنين اندب الناس معي فإنه لا عطر بعد عروس و إن الأجر لا يأتي إلا بالكرة ثم التفت إلى الناس و قال اتقوا الله أجيبوا دعوة إمامكم و انصروا دعوته و قاتلوا عدوكم إنا نسير إليهم يا أمير المؤمنين فأمر علي سعدا مولاه أن ينادي ألا سيروا مع مالك بن كعب إلى مصر و كان وجها مكروها فلم يجتمعوا إليه شهرا فلما اجتمع له منهم ما اجتمع خرج بهم مالك بن كعب فعسكر بظاهر الكوفة و خرج معه علي فنظر فإذا جميع من خرج نحو من ألفين فقال علي سيروا و الله ما أنتم ما إخالكم تدركون القوم حتى ينقضي أمرهم
فخرج مالك بهم و سار خمس ليال و قدم الحجاج بن غزية الأنصاري على علي و قدم عليه عبد الرحمن بن المسيب الفزاري من الشام فأما الفزاري فكان عينا لعلي ع لا ينام و أما الأنصاري فكان مع محمد بن أبي بكر فحدثه الأنصاري بما عاين و شاهد و أخبره بهلاك محمد و أخبره الفزاري أنه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشرى من قبل عمرو بن العاص يتبع بعضها بعضا بفتح مصر و قتل محمد بن أبي بكر و حتى أذن معاوية بقتله على المنبر(7/80)


و قال يا أمير المؤمنين ما رأيت يوما قط سرورا مثل سرور رأيته بالشام حين أتاهم قتل محمد بن أبي بكر فقال علي أما إن حزننا على قتله على قدر سرورهم به لا بل يزيد أضعافا
قال فسرح علي عبد الرحمن بن شريح إلى مالك بن كعب فرده من الطريق
قال و حزن علي على محمد بن أبي بكر حتى رئي ذلك فيه و تبين في وجهه و قام في الناس خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال ألا و إن مصر قد افتتحها الفجرة شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 92أولياء الجور و الظلم الذين صدوا عن سبيل الله و بغوا الإسلام عوجا ألا و إن محمد أبي بكر قد استشهد رحمة الله عليه و عند الله نحتسبه أما و الله لقد كان ما علمت ينتظر القضاء و يعمل للجزاء و يبغض شكل الفاجر و يحب سمت المؤمن إني و الله لا ألوم نفسي على تقصير و لا عجز و إني بمقاساة الحرب لجد بصير إني لأقدم على الحرب و أعرف وجه الحزم و أقوم بالرأي المصيب فأستصرخكم معلنا و أناديكم مستغيثا فلا تسمعون لي قولا و لا تطيعون إلى أمرا حتى تصير الأمور إلى عواقب المساءة و أنتم القوم لا يدرك بكم الثأر و لا تنقض بكم الأوتار دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع و خمسين ليلة فجرجرتم علي جرجرة الجمل الأسر و تثاقلتم إلى الأرض تثاقل من لا نية له في الجهاد و لا رأي له في الاكتساب للأجر ثم خرج إلي منكم جنيد متذائب ضعيف كأنما يساقون إلى الموت و هم ينظرون فأف لكم ثم نزل فدخل رحله(7/81)

129 / 148
ع
En
A+
A-