عليهما بمصر
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 82و محمد بن أبي بكر يومئذ أميرها قد ناصبه هؤلاء النفر الحرب و هم هائبون الإقدام عليه فدفع الكتاب إلى مسلمة بن مخلد فقرأه فقال الق به معاوية بن حديج ثم القني به حتى أجيب عني و عنه فانطلق الرسول بكتاب معاوية فأقرأه إياه ثم قال لهن مسلمة قد أمرني أن أرد الكتاب إليه لكي يجيب عنك و عنه قال قل له فليفعل فأتى مسلمة بالكتاب فكتب الجواب عنه و عن معاوية بن حديج أما بعد فإن هذا الأمر الذي قد ندبنا له أنفسنا و ابتغيا الله به على عدونا أمر نرجو به ثواب ربنا و النصر على من خالفنا و تعجيل النقمة على من سعى على إمامنا و طأطأ الركض في مهادنا و نحن بهذه الأرض قد نفينا من كان بها من أهل البغي و أنهضنا من كان بها من أهل القسط و العدل و قد ذكرت موازرتك في سلطانك و ذات يدك و بالله إنه لا من أجل مال نهضنا و لا إياه أردنا فإن يجمع الله لنا ما نريد و نطلب أو يرينا ما تمنينا فإن الدنيا و الآخرة لله رب العالمين و قد يثوبهما الله جميعا عالما من خلقه كما قال في كتابه فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ عجل لنا بخيلك و رجلك فإن عدونا قد كان علينا جريئا و كنا فيهم قليلا و قد أصبحوا لنا هائبين و أصبحنا لهم منابذين فإن يأتنا مدد من قبلك يفتح الله عليك و لا قوة إلا بالله و هو حسبنا و نعم الوكيل. قال فجاء هذا الكتاب معاوية و هو يومئذ بفلسطين فدعا النفر الذين سميناهم من قريش و غيرهم و أقرأهم الكتاب و قال لهم ما ذا ترون قالوا نرى أن تبعث إليهم جيشا من قبلك فأنت مفتتحها إن شاء الله بإذن الله. قال معاوية فتجهز إليها يا أبا عبد الله يعني عمرو بن العاص فبعثه في ستة آلاف شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 83فخرج يسير و خرج معه معاوية يودعه فقال له معاوية عند وداعه إياه أيك بتقوى الله يا عمرو و بالرفق فإنه يمن و بالتؤدة فإن(7/72)
العجلة من الشيطان و بأن تقبل من أقبل و تعفو عمن أدبر أنظره فإن تاب و أناب قبلت منه و إن أبى فإن السطوة بعد المعرفة أبلغ في الحجة و أحسن في العاقبة و ادع الناس إلى الصلح و الجماعة فإن أنت ظفرت فليكن أنصارك أبر الناس عندك و كل الناس فأول حسنا. قال فسار عمرو في الجيش حتى دنا من مصر فاجتمعت إليه العثمانية فأقام و كتب إلى محمد بن أبي بكر أما بعد فتنح عني بدمك يا ابن أبي بكر فإني لا أحب أن يصيبك مني ظفر و إن الناس بهذه البلاد قد اجتمعوا على خلافك و رفض أمرك و ندموا على اتباعك و هم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان فاخرج منها فإني لك من الناصحين و السلام. قال و بعث عمرو إلى محمد مع هذا الكتاب كتاب معاوية إليه و هو أما بعد فإن غب الظلم و البغي عظيم الوبال و إن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا و التبعة الموبقة في الآخرة و ما نعلم أحدا كان أعظم على عثمان بغيا و لا أسوأ له عيبا و لا أشد عليه خلافا منك سعيت عليه في الساعين و ساعدت عليه مع المساعدين و سفكت دمه مع السافكين ثم تظن أني نائم عنك فتأتي بلده فتأمن فيها و جل أهلها أنصاري يرون رأيي و يرفضون قولك و يستصرخونني عليك و قد بعثت إليك قوما حناقا عليك يسفكون دمك و يتقربون إلى الله عز و جل بجهادك و قد أعطوا الله عهدا ليقتلنك و لو لم يكن منهم إليك ما قالوا لقتلك الله بأيديهم أو بأيدي غيرهم من أوليائه و أنا أحذرك و أنذرك فإن الله مقيد منك و مقتص لوليه و خليفته بظلمك له و بغيك عليه(7/73)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 84و وقيعتك فيه و عداوتك يوم الدار عليه تطعن بمشاقصك فيما بين أحشائه و أوداجه و مع هذا فإني أكره قتلك و لا أحب أن أتولى ذلك منك و لن يسلمك الله من النقمة أين كنت أبدا فتنح و انج بنفسك و السلام. قال فطوى محمد بن أبي بكر كتابيهما بعث بهما إلى علي ع و كتب إليه أما بعد يا أمير المؤمنين فإن العاصي ابن العاص قد نزل أداني مصر و اجتمع إليه من أهل البلد من كان يرى رأيهم و هو في جيش جرار و قد رأيت ممن قبلي بعض الفشل فإن كان لك في أرض مصر حاجة فامددني بالأموال و الرجال و السلام عليك و رحمة الله و بركاته.
قال فكتب إليه علي أما بعد فقد أتاني رسولك بكتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل في جيش جرار و أن من كان على مثل رأيه قد خرج إليه و خروج من كان يرى رأيه خير لك من إقامته عندك و ذكرت أنك قد رأيت ممن قبلك فشلا فلا تفشل و إن فشلوا حصن قريتك و اضمم إليك شيعتك و أذك الحرس في عسكرك و اندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة و التجربة و البأس و أنا نادب إليك الناس على الصعب و الذلول فاصبر لعدوك و امض على بصيرتك و قاتلهم على نيتك و جاهدهم محتسبا لله سبحانه و إن كانت فئتك أقل الفئتين فإن الله تعالى يعين القليل و يخذل الكثير و قد قرأت كتابي الفاجرين المتحابين على المعصية و المتلائمين على الضلالة و المرتشيين على الحكومة و المتكبرين على أهل الدين الذين استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 85قبلهم بخلاقهم فلا يضرنك إرعادهما و إبراقهما و أجبهما إكنت لم تجبهما بما هما أهله فإنك تجد مقالا ما شئت و السلام(7/74)
قال فكتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية جواب كتابه أما بعد فقد أتاني كتابك تذكر من أمر عثمان أمرا لا أعتذر إليك منه و تأمرني بالتنحي عنك كأنك لي ناصح و تخوفني بالحرب كأنك علي شفيق و أنا أرجو أن تكون الدائرة عليكم و أن يهلككم الله في الوقعة و أن ينزل بكم الذل و أن تولوا الدبر فإن يكن لكم الأمر في الدنيا فكم و كم لعمري من ظالم قد نصرتم و كم من مؤمن قد قتلتم و مثلتم به و إلى الله المصير و إليه ترد الأمور و هو أرحم الراحمين و الله المستعان على ما تصفون. قال و كتب محمد بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص جواب كتابه أما بعد فهمت كتابك و علمت ما ذكرت زعمت أنك تكره أن يصيبني منك ظفر فأشهد بالله إنك لمن المبطلين و زعمت أنك ناصح لي و أقسم أنك عندي ظنين و قد زعمت أن أهل البلد قد رفضوني و ندموا على اتباعي فأولئك حزبك و حزب الشيطان الرجيم و حسبنا الله رب العالمين و نعم الوكيل و توكلت على الله العزيز الرحيم رب العرش العظيم. قال إبراهيم فحدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني قال فأقبل عمرو بن العاص يقصد قصد مصر فقام محمد بن أبي بكر في الناس فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد يا معشر المؤمنين فإن القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة و يغشون الضلالة و يستطيلون بالجبرية قد نصبوا لكم العداوة و ساروا إليكم بالجنود فمن أراد الجنة و المغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم في الله انتدبوا رحمكم الله مع شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 86كنانة بن بشر ثم ندب معه نحو ألفي رجل و تخلف محمد في ألفين و استقبلمرو بن العاص كنانة و هو على مقدمة محمد فلما دنا عمرو من كنانة سرح إليه الكتائب كتيبة بعد كتيبة فلم تأته من كتائب الشام كتيبة إلا شد عليها بمن معه فيضربها حتى يلحقها بعمرو ففعل ذلك مرارا فلما رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج الكندي فأتاه في مثل الدهم فلما رأى كنانة ذلك الجيش نزل عن فرسه و نزل معه أصحابه فضاربهم بسيفه(7/75)
و هو يقول وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا. فلم يزل يضاربهم بالسيف حتى استشهد رحمه الله. قال إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الله عن المدائني عن محمد بن يوسف أن عمرو بن العاص لما قتل كنانة أقبل نحو محمد بن أبي بكر و قد تفرق عنه أصحابه فخرج محمد متمهلا فمضى في طريقه حتى انتهى إلى خربة فآوى إليها و جاء عمرو بن العاص حتى دخل الفسطاط و خرج معاوية بن حديج في طلب محمد حتى انتهى إلى علوج على قارعة الطريق فسألهم هل مر بهم أحد ينكرونه قالوا لا قال أحدهم إني دخلت تلك الخربة فإذا أنا برجل جالس قال ابن حديج هو هو و رب الكعبة فانطلقوا يركضون حتى دخلوا على محمد فاستخرجوه و قد كاد يموت عطشا فأقبلوا به نحو الفسطاط. قال و وثب أخوه عبد الرحمن بن أبي بكر إلى عمرو بن العاص و كان في جنده فقال لا و الله لا يقتل أخي صبرا ابعث إلى معاوية بن حديج فانهه فأرسل عمرو بن العاص أن ائتني بمحمد فقال معاوية أ قتلتم كنانة بن بشر ابن عمي و أخلي عن محمد.(7/76)