شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 71لنا به و لا صبر لقوتنا عليه و أن يشتد شوقنا إلى ما لا غنى لنا عنه و لا بد لنا منه فإن استطعتم عباد الله أن يشتد خوفكم من ربكم فافعلوا فإن العبد إنما تكون طاعته على قدر خوفه و إن أحسن الناس لله طاعة أشدهم له خوفا و انظر يا محمصلاتك كيف تصليها فإنما أنت إمام ينبغي لك أن تتمها و أن تخففها و أن تصليها لوقتها فإنه ليس من إمام يصلى بقوم فيكون في صلاته و صلاتهم نقص إلا كان إثم ذلك عليه و لا ينقص من صلاتهم شيئا و اعلم أن كل شي ء من عملك يتبع صلاتك فمن ضيع الصلاة فهو لغيرها أشد تضييعاو وضوءك من تمام الصلاة فأت به على وجهه فالوضوء نصف الإيمان أسأل الله الذي يرى و لا يرى و هو بالمنظر الأعلى أن يجعلنا و إياك من المتقين الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون فإن استطعتم يا أهل مصر أن تصدق أقوالكم أفعالكم و أن يتوافق سركم و علانيتكم و لا تخالف ألسنتكم قلوبكم فافعلوا عصمنا الله و إياكم بالهدى و سلك بنا و بكم المحجة الوسطى و إياكم و دعوة الكذاب ابن هند و تأملوا و اعلموا أنه لا سوى إمام الهدى و إمام الردى و وصي النبي و عدو النبي جعلنا الله و إياكم ممن يحب و يرضى و لقد سمعت رسول الله ص يقول إني لا أخاف على أمتي مؤمنا و لا مشركا أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه و أما المشرك فيخزيه الله بشركه و لكني أخاف عليهم كل منافق اللسان يقول ما تعرفون و يفعل ما تنكرون و اعلم يا محمد أن أفضل الفقه الورع في دين الله و العمل بطاعته فعليك بالتقوى في سر أمرك و علانيته أوصيك بسبع هن جوامع الإسلام اخش الله و لا تخش الناس في الله و خير القول ما صدقه العمل و لا تقض في أمر واحد بقضاءين مختلفين فيتناقض شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 72أمرك و تزيغ عن الحق و أحب لعامة رعيتك ما تحبه لنفسك و اكره لهم ما تكره لنفسك و أصلح أحوال رعيتك وض الغمرات إلى الحق و لا تخف لومة لائم و انصح لمن استشارك و اجعل نفسك(7/67)


أسوة لقريب المسلمين و بعيدهم جعل الله خلتنا و ودنا خلة المتقين و ود المخلصين و جمع بيننا و بينكم في دار الرضوان إخوانا على سرر متقابلين إن شاء الله
قال إبراهيم بن سعد الثقفي فحدثني عبد الله بن محمد بن عثمان عن علي بن محمد بن أبي سيف عن أصحابه أن عليا لما كتب إلى محمد بن أبي بكر هذا الكتاب كان ينظر فيه و يتأدب بأدبه فلما ظهر عليه عمرو بن العاص و قتله أخذ كتبه أجمع فبعث بها إلى معاوية فكان معاوية ينظر في هذا الكتاب و يتعجب منه فقال الوليد بن عقبة و هو عند معاوية و قد رأى إعجابه به مر بهذه الأحاديث أن تحرق فقال معاوية مه لا رأي لك فقال الوليد أ فمن الرأي أن يعلم الناس أن أحاديث أبي تراب عندك تتعلم منها قال معاوية ويحك أ تأمرني أن أحرق علما مثل هذا و الله ما سمعت بعلم هو أجمع منه و لا أحكم فقال الوليد إن كنت تعجب من علمه و قضائه فعلام تقاتله فقال لو لا أن أبا تراب قتل عثمان ثم أفتانا لأخذنا عنه ثم سكت هنيهة ثم نظر إلى جلسائه فقال إنا لا نقول إن هذه من كتب علي بن أبي طالب و لكن نقول هذه من كتب أبي بكر الصديق كانت عند ابنه محمد فنحن ننظر فيها و نأخذ منها. قال فلم تزل تلك الكتب في خزائن بني أمية حتى ولي عمر بن عبد العزيز فهو الذي أظهر أنها من أحاديث علي بن أبي طالب ع. قلت الأليق أن يكون الكتاب الذي كان معاوية ينظر فيه و يعجب منه شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 73و تي به و يقضي بقضاياه و أحكامه هو عهد علي ع إلى الأشتر فإنه نسيج وحده و منه تعلم الناس الآداب و القضايا و الأحكام و السياسة و هذا العهد صار إلى معاوية لما سم الأشتر و مات قبل وصوله إلى مصر فكان ينظر فيه و يعجب منه و حقيق من مثله أن يقتنى في خزائن الملوك. قال إبراهيم فلما بلغ عليا ع أن ذلك الكتاب صار إلى معاوية اشتد عليه حزنا.(7/68)


و حدثني بكر بن بكار عن قيس بن الربيع عن ميسرة بن حبيب عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال صلى بنا علي ع فلما انصرف قال
لقد عثرت عثرة لا أعتذر سوف أكيس بعدها و أستمرو أجمع الأمر الشتيت المنتشر
فقلنا ما بالك يا أمير المؤمنين فقال إني استعملت محمد بن أبي بكر على مصر فكتب إلى أنه لا علم لي بالسنة فكتبت إليه كتابا فيه أدب و سنة فقتل و أخذ الكتاب
قال إبراهيم فحدثني عبد الله محمد عن ابن أبي سيف المدائني قال فلم يلبث محمد بن أبي بكر شهرا كاملا حتى بعث إلى أولئك المعتزلين الذين كان قيس بن سعد موادعا لهم فقال يا هؤلاء أما أن تدخلوا في طاعتنا و أما أن تخرجوا من بلادنا فبعثوا إليه أنا لا نفعل فدعنا حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس فلا تعجل علينا فأبى عليهم فامتنعوا منه و أخذوا حذرهم ثم كانت وقعة صفين و هم لمحمد هائبون فلما أتاهم خبر معاوية و أهل الشام ثم صار الأمر إلى الحكومة و أن عليا و أهل العراق قد قفلوا عن معاوية و الشام إلى عراقهم اجترءوا على محمد بن أبي بكر و أظهروا المنابذة له فلما رأى محمد ذلك بعث إليهم ابن جمهان البلوي و معه يزيد بن الحارث الكناني فقاتلاهم شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 74فقتلوهما ثم بعث إليهم رجلا من كلب فقتلوه أيضا و خرج معاوية بن حديج من السكاسك يدعو إلى الطلب بدم عثمان فأجابه قوم و ناس كثير آخرون و فسدت مصر على محمد بن أبي بكر فبلغ عليا توثبهم عليه فقال ما أرى لمصر إلا أحد الرجلين صاحبنا الذي عزلنا بالأمس يعني قيس بن سعد بن عبادة أو مالك بن الحارث الأشتر و كان علي حين رجع عن صفين رد الأشتر إلى عمله بالجزيرة و قال لقيس بن سعد أقم أنت معي على شرطتي حتى نفرغ من أمر هذه الحكومة ثم اخرج إلى آذربيجان فكان قيس مقيما على شرطته فلما أن انقضى أمر الحكومة(7/69)


كتب علي إلى الأشتر و هو يومئذ بنصيبين أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين و أقمع به نخوة الأثيم و أسد به الثغر المخوف و قد كنت وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه خوارج و هو غلام حدث السن ليس بذي تجربة للحروب فاقدم علي لننظر فيما ينبغي و استخلف على عملك أهل الثقة و النصيحة من أصحابك و السلام
فأقبل الأشتر إلى علي و استخلف على عمله شبيب بن عامر الأزدي و هو جد الكرماني الذي كان بخراسان صاحب نصر بن سيار فلما دخل الأشتر على علي حدثه حديث مصر و خبره خبر أهلها و قال له ليس لها غيرك فاخرج إليها رحمك الله فإني لا أوصيك اكتفاء برأيك و استعن بالله على ما أهمك و اخلط الشدة باللين و ارفق ما كان الرفق أبلغ و اعتزم على الشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة. فخرج الأشتر من عنده فأتي برحله و أتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية الأشتر مصر فعظم ذلك عليه و قد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدم عليها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر فبعث إلى رجل من أهل الخراج يثق به و قال له إن الأشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت و بقيت فاحتل في هلاكه ما قدرت عليه. الوا و لكنا لا ندري و لعل أبا عبد الله قد أصاب فقال عمرو و أنا أبو عبد الله إن أفضل الظنون ما شابه اليقين. ثم إن معاوية حمد الله و أثنى عليه ثم قال أما بعد فقد رأيتم كيف صنع الله لكم في حربكم هذه على عدوكم و لقد جاءوكم و هم لا يشكون أنهم يستأصلون بيضتكم و يجوزون بلادكم ما كانوا يرون إلا أنكم في أيديهم فردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا و كفى الله المؤمنين القتال و كفاكم مئونتهم. و حاكمتموهم إلى الله فحكم لكم عليهم ثم جمع كلمتنا و أصلح ذات بيننا و جعلهم أعداء متفرقين يشهد بعضهم على بعض بالكفر و يسفك بعضهم دم بعض و الله إني لأرجو أن يتم الله لنا هذا الأمر و قد رأيت أن أحاول حرب مصر فما ذا ترون. فقال عمرو بن العاص قد أخبرتك عما سألت و(7/70)


أشرت عليك بما سمعت. فقال معاوية ما ترون فقالوا نرى ما رأى عمرو بن العاص فقال معاوية إن عمرا قد عزم و صرم بما قال و لم يفسر كيف ينبغي أن نصنع. قال عمرو فإني مشير عليك بما تصنع أرى أن تبعث جيشا كثيفا عليهم رجل صارم تأمنه و تثق به فيأتي مصر فيدخلها فإنه سيأتينا من كان على مثل رأينا من أهلها فنظاهره على من كان من عدونا فإن اجتمع بها جندك و من كان بها من شيعتك على من بها من أهل حربك رجوت الله أن يعز نصرك و يظهر فلجك. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 81فقال معاوية هل عندك شي ء غير هذا نعمله فيما بيننا و بينهم قبل هذا قال ما أعلمه. قال معاوية فإن رأيي غير هذا أرى أن نكاتب من كان بها من شيعتنا و من كان بها من عدونا فأما شيعتنا فنأمرهم بالثبات علىرهم و نمنيهم قدومنا عليهم و أما من كان بها من عدونا فندعوهم إلى صلحنا و نمنيهم شكرنا و نخوفهم حربنا فإن صلح لنا ما قبلهم من غير حرب و لا قتال فذلك ما أحببنا و إلا فحربهم من وراء ذلك. إنك يا ابن العاص لامرؤ بورك لك في العجلة و بورك لي في التؤدة. قال عمرو فاعمل بما أراك الله فو الله ما أرى أمرك و أمرهم يصير إلا إلى الحرب. قال فكتب معاوية عند ذلك إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري و إلى معاوية بن حديج الكندي و كانا قد خالفا عليا أما بعد فإن الله عز و جل قد ابتعثكما لأمر عظيم أعظم به أجركما و رفع درجتكما و مرتبتكما في المسلمين طلبتما بدم الخليفة المظلوم و غضبتما لله إذ ترك حكم الكتاب و جاهدتما أهل الظلم و العدوان فأبشرا برضوان الله و عاجلا نصرة أولياء الله و المواساة لكما في دار الدنيا و سلطاننا حتى ينتهي ذلك إلى ما يرضيكما و يؤدى به حقكما فالزما أمركما و جاهدا عدوكما و ادعوا المدبرين منكما إلى هداكما فكان الجيش قد أظل عليكما فاندفع كل ما تكرهان و دام كل ما تهويان و السلام عليكما و رحمة الله. و بعث بالكتاب مع مولى له يقال له سبيع فخرج بكتابه حتى قدم به(7/71)

127 / 148
ع
En
A+
A-