شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 61الناس كان في أمره عشيرتي و أما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدمه و ما عرضته علي فقد فهمته و هذا أمر لي نظر فيه و فكر و ليس هذا مما يعجل إلى مثله و أنا كاف عنك و ليس يأتيك من قبلي شي ء تكرهه حتى ترى و نرى إن شاء الله تعالى لسلام عليك و رحمة الله و بركاته. قال إبراهيم فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقاربا مباعدا و لم يأمن أن يكون له في ذلك مخادعا مكايدا فكتب إليه أما بعد فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما و لم أرك تتباعد فأعدك حربا أراك كحبل الجرور و ليس مثلي يصانع بالخداع و لا يخدع بالمكايد و معه عدد الرجال و أعنة الخيل فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك و إن أنت لم تفعل ملأت مصر عليك خيلا و رجلا و السلام. فلما قرأ قيس كتابه و علم أنه لا يقبل منه المدافعة و المطاولة أظهر له ما في نفسه فكتب إليه من قيس بن سعد إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فالعجب من استسقاطك رأيي و الطمع في أن تسومني لا أبا لغيرك الخروج من طاعة أولى الناس بالأمر و أقولهم بالحق و أهداهم سبيلا و أقربهم من رسول الله وسيلة و تأمرني بالدخول في طاعتك و طاعة أبعد الناس من هذا الأمر و أقولهم بالزور و أضلهم سبيلا و أدناهم من رسول الله وسيلة و لديك قوم ضالون مضلون طواغيت من طواغيت إبليس و أما قولك إنك تملأ علي مصر خيلا و رجلا فلئن لم أشغلك عن ذلك حتى يكون منك إنك لذو جد و السلام. فلما أتى معاوية كتاب قيس أيس و ثقل مكانه عليه و كان أن يكون مكانه غيره أحب إليه لما يعلم من قوته و تأبيه و نجدته و اشتداد أمره على معاوية فأظهر للناس أن شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 62قيسا قد بايعكم فادعوا الله له و قرأ عليهم كتابه الذي لان فيه و قاربه و اختلق كتابا نسبه إلى قيس فقرأه على أهل الشام. للأمير معاوية بن أبي سفيان من قيس بن سع أما بعد إن قتل عثمان كان حدثا في الإسلام عظيما و قد نظرت لنفسي و(7/57)


ديني فلم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برا تقيا فنستغفر الله سبحانه لذنوبنا و نسأله العصمة لديننا ألا و إني قد ألقيت إليكم بالسلام و أجبتك إلى قتال قتلة إمام الهدى المظلوم فاطلب مني ما أحببت من الأموال و الرجال أعجله إليك إن شاء الله و السلام على الأمير و رحمة الله و بركاته. قال فشاع في الشام كلها أن قيسا صالح معاوية و أتت عيون علي بن أبي طالب إليه بذلك فأعظمه و أكبره و تعجب له و دعا ابنيه حسنا و حسينا و ابنه محمدا و عبد الله بن جعفر فأعلمهم بذلك و قال ما رأيكم فقال عبد الله بن جعفر يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اعزل قيسا عن مصر قال علي و الله إني غير مصدق بهذا على قيس فقال عبد الله اعزله يا أمير المؤمنين فإن كان ما قد قيل حقا فلا يعتزل لك أن عزلته قال و إنهم لكذلك إذ جاءهم كتاب من قيس بن سعد فيه أما بعد فإني أخبر يا أمير المؤمنين أكرمك الله و أعزك إن قبلي رجالا معتزلين سألوني أن أكف عنهم و أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى و يرون و قد رأيت أن أكف عنهم و لا أعجل بحربهم و أن أتألفهم فيما بين ذلك لعل الله أن يقبل بقلوبهم و يفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله و السلام. فقال عبد الله بن جعفر يا أمير المؤمنين إنك إن أطعته في تركهم و اعتزالهم استشرى الأمر و تفاقمت الفتنة و قعد عن بيعتك كثير ممن تريده على الدخول فيها و لكن مره بقتالهم(7/58)


فكتب إليه شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 63أما بعد فسر إلى القوم الذين ذكرت فإن دخلوا فيما دخل فيه المسلمون و إلا فناجزهم و السلامقال فلما أتى هذا الكتاب قيسا فقرأه لم يتمالك أن كتب إلى علي أما بعد يا أمير المؤمنين تأمرني بقتال قوم كافين عنك و لم يمدوا يدا للفتنة و لا أرصدوا لها فأطعني يا أمير المؤمنين و كف عنهم فإن الرأي تركهم و السلام. فلما أتاه هذا الكتاب قال عبد الله بن جعفر يا أمير المؤمنين ابعث محمد بن أبي بكر إلى مصر يكفك أمرها و اعزل قيسا فو الله لبلغني أن قيسا يقول إن سلطانا لا يتم إلا بقتل مسلمة بن مخلد لسلطان سوء و الله ما أحب أن لي سلطان الشام مع سلطان مصر و أنني قتلت ابن مخلد و كان عبد الله بن جعفر أخا محمد بن أبي بكر لأمه و كان يحب أن يكون له إمرة و سلطان فاستعمل علي ع محمد بن أبي بكر على مصر لمحبة له و لهوى عبد الله بن جعفر أخيه فيه و كتب معه كتابا إلى أهل مصر فسار حتى قدمها فقال له قيس ما بال أمير المؤمنين ما غيره أ دخل أحد بيني و بينه قال لا و هذا السلطان سلطانك و كان بينهما نسب كان تحت قيس قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر الصديق فكان قيس زوج عمته فقال قيس لا و الله لا أقيم معك ساعة واحدة و غضب حين عزله علي عنها و خرج منها مقبلا إلى المدينة و لم يمض إلى علي بالكوفة. قال إبراهيم و كان قيس مع شجاعته و نجدته جوادا مفضالا فحدثني علي بن محمد بن أبي سيف عن هاشم عن عروة عن أبيه قال لما خرج قيس بن سعد من مصر فمر بأهل بيت من بلقين فنزل بمائهم فنحر له صاحب المنزل جزورا و أتاه بها فلما كان الغد نحر له أخرى ثم حبستهم السماء اليوم الثالث فنحر لهم ثالثة ثم إن السماء أقلعت شرح نهج البغة ج : 6 ص : 64فلما أراد قيس أن يرتحل وضع عشرين ثوبا من ثياب مصر و أربعة آلاف درهم عند امرأة الرجل و قال لها إذا جاء صاحبك فادفعي هذه إليه ثم رحل فما أتت عليه إلا ساعة حتى لحقه الرجل صاحب المنزل(7/59)


على فرس و معه رمح و الثياب و الدراهم بين يديه فقال يا هؤلاء خذوا ثيابكم و دراهمكم فقال قيس انصرف أيها الرجل فإنا لم نكن لنأخذها قال و الله لتأخذنها فقال قيس لله أبوك أ لم تكرمنا و تحسن ضيافتنا فكافأناك فليس بهذا بأس فقال الرجل إنا لا نأخذ لقرى الأضياف ثمنا و الله لا آخذها أبدا فقال قيس أما إذ أبى ألا يأخذها فخذوها فو الله ما فضلني رجل من العرب غيره. قال إبراهيم و قال أبو المنذر مر قيس في طريقه برجل من بلي يقال له الأسود بن فلان فأكرمه فلما أراد قيس أن يرتحل وضع عند امرأته ثيابا و دراهم فلما جاء الرجل دفعته إليه فلحقه فقال ما أنا بائع ضيافتي و الله لتأخذن هذا أو لأنفذن الرمح بين جنبيك فقال قيس ويحكم خذوه. قال إبراهيم ثم أقبل قيس حتى قدم المدينة فجاءه حسان بن ثابت شامتا به و كان عثمانيا فقال له نزعك علي بن أبي طالب و قد قتلت عثمان فبقي عليك الإثم و لم يحسن لك الشكر فزجره قيس و قال يا أعمى القلب يا أعمى البصر و الله لو لا ألقي بين رهطي و رهطك حربا لضربت عنقك ثم أخرجه من عنده. قال إبراهيم ثم إن قيسا و سهل بن حنيف خرجا حتى قدما على علي الكوفة فخبره قيس الخبر و ما كان بمصر فصدقه و شهد مع علي صفين هو و سهل بن حنيف قال إبراهيم و كان قيس طوالا أطول الناس و أمدهم قامة و كان سناطا أصلع شيخا شجاعا مجربا مناصحا لعلي و لولده و لم يزل على ذلك إلى أن مات. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 65قال إبراهيم حدثني أبو غسان قال أخبرني علي بن أبي سيف قال كان قيس بن سعد مع أبي بكر و عمر في سفر في حياة رسول الله ص فكان ينفق عليهما و على غيرهما و يفضل ال له أبو بكر إن هذا لا يقوم به مال أبيك فأمسك يدك فلما قدموا من سفرهم قال سعد بن عبادة لأبي بكر أردت أن تبخل ابني إنا لقوم لا نستطيع البخل. قال و كان قيس بن سعد يقول في دعائه اللهم ارزقني حمدا و مجدا و شكرا فإنه لا حمد إلا بفعال و لا مجد إلا بمال اللهم وسع(7/60)


علي فإن القليل لا يسعني و لا أسعه
ولاية محمد بن أبي بكر على مصر و أخبار مقتله
قال إبراهيم و كان عهد علي إلى محمد بن أبي بكر الذي قرئ بمصر هذا ما عهد عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر أمره بتقوى الله في السر و العلانية و خوف الله تعالى في المغيب و المشهد و أمره باللين على المسلم و الغلظ على الفاجر و بالعدل على أهل الذمة و بالإنصاف للمظلوم و بالشدة على الظالم و بالعفو عن الناس و بالإحسان ما استطاع و الله يجزي المحسنين و أمره أن يدعو من قبله إلى الطاعة و الجماعة فإن لهم في ذلك من العاقبة و عظم المثوبة ما لا يقدر قدره و لا يعرف كنهه و أمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل و لا ينتقص و لا يبتدع ثم يقسمه بين أهله كما كانوا يقسمونه عليه من قبل و إن تكن لهم حاجة يواس بينهم في مجلسه و وجهه ليكون القريب و البعيد عنده على سواء و أمره أن يحكم بين الناس بالحق و أن يقوم بالقسط و لا يتبع الهوى و لا يخاف في الله لومة لائم فإن الله مع من اتقاه و آثر طاعته على من سواه
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 66و كتبه عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله لغرة شهر رمضان سنة ست و ثلاثين. قال إبراهيم ثم قام محمد بن أبي بكر خطيبا فحمد الله و أثنى عليه و قال أما بعد فالحمد لله الذي هدانا و إياكم لما اختلف فيه من الحق و بصرنا و إياكم كثيراما عمي عند الجاهلون ألا و إن أمير المؤمنين ولاني أموركم و عهد إلي بما سمعتم و أوصاني بكثير منه مشافهة و لن آلوكم خيرا ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب فإن يكن ما ترون آثاري و أعمالي طاعة لله و تقوى فاحمدوا الله على ما كان من ذلك فإنه هو الهادي إليه فإن رأيتم من ذلك عملا بغير الحق فارفعوه إلي و عاتبوني عليه فإني بذلك أسعد و أنتم بذلك جديرون وفقنا الله و إياكم لصالح العمل.(7/61)

125 / 148
ع
En
A+
A-