فأنزل الله عز و جل لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ. و قال حسان بن ثابت في ذلك اليوم إذا الله حيا معشرا بفعالهم و نصرهم الرحمن رب المشارق فهدك ربي يا عتيب بن مالك و لقاك قبل الموت إحدى الصواعق بسطت يمينا للنبي محمد فدميت فاه قطعت بالبوارق فهلا ذكرت الله و المنزل الذي تصير إليه عند إحدى الصعائق فمن عاذري من عبد عذرة بعد ما هوى في دجوجي المضايق
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 56و أورث عارا في الحياة لأهله و في النار يوم البعث أم البوائو إنما قال عبد عذرة لأن عتبة بن أبي وقاص و إخوته و أقاربه في نسبهم كلام ذكر قوم من أهل النسب أنهم من عذرة و أنهم أدعياء في قريش و لهم خبر معروف و قصة مذكورة في كتب النسب. و تنازع عبد الله بن مسعود و سعد بن أبي وقاص في أيام عثمان في أمر فاختصما فقال سعد لعبد الله اسكت يا عبد هذيل فقال له عبد الله اسكت يا عبد عذرة. و هاشم بن عتبة هو المرقال سمي المرقال لأنه كان يرقل في الحرب إرقالا و هو من شيعه علي و سنفصل مقتله إذا انتهينا إلى فصل من كلامه يتضمن ذكر صفين
فأما قوله لما خلى لهم العرصة فيعني عرصة مصر و قد كان محمد رحمه الله تعالى لما ضاق عليه الأمر ترك لهم مصر و ظن أنه بالفرار ينجو بنفسه فلم ينج و أخذ و قتل. و قوله و لا أنهزهم الفرصة أي و لا جعلهم للفرصة منتهزين و الهمزة للتعدية يقال أنهزت الفرصة إذا أنهزتها غيري. و نحن نذكر في هذا الموضع ابتداء أمر الذين ولاهم علي ع مصر إلى أن ننتهي إلى كيفية ملك معاوية لها و قتل محمد بن أبي بكر و ننقل ذلك من كتاب إبراهيم بن سعد بن هلال الثقفي و هو كتاب الغارات شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 5ولاية قيس بن سعد على مصر ثم عزله(7/52)
قال إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الله بن عثمان الثقفي قال حدثني علي بن محمد بن أبي سيف عن الكلبي أن محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس هو الذي حرض المصريين على قتل عثمان و ندبهم إليه و كان حينئذ بمصر فلما ساروا إلى عثمان و حصروه وثب هو بمصر على عامل عثمان عليها و هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤي فطرده عنها و صلى بالناس فخرج ابن أبي سرح من مصر و نزل على تخوم أرضها مما يلي فلسطين و انتظر ما يكون من أمر عثمان فطلع عليه راكب فقال له يا عبد الله ما وراءك ما خبر الناس بالمدينة قال قتل المسلمون عثمان فقال ابن أبي سرح إنا لله و إنا إليه راجعون ثم صنعوا ما ذا يا عبد الله قال بايعوا ابن عم رسول الله علي بن أبي طالب فقال ثانية إنا لله و إنا إليه راجعون فقال الرجل أرى أن ولاية علي عدلت عندك قتل عثمان قال أجل فنظر إليه متأملا له فعرفه فقال أظنك عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير مصر قال أجل قال إن كانت لك في الحياة حاجة فالنجاء النجاء فإن رأي علي فيك و في أصحابك إن ظفر بكم قتلكم أو نفاكم عن بلاد المسلمين و هذا أمير تقدم بعدي عليكم قال و من الأمير قال قيس بن سعد بن عبادة فقال ابن أبي سرح أبعد الله ابن أبي حذيفة فإنه بغى على ابن عمه و سعى عليه و قد كان كفله و رباه و أحسن إليه و أمن جواره فجهز الرجال إليه حتى قتل و وثب على عامله. و خرج ابن أبي سرح حتى قدم على معاوية بدمشق.(7/53)
قال إبراهيم و كان قيس بن سعد بن عبادة من شيعة علي و مناصحيه فلما ولى الخلافة قال له سر إلى مصر فقد وليتكها و اخرج إلى ظاهر المدينة و اجمع ثقاتك و من شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 58أحببت أن يصحبك حتى تأتي مصر و معك جند فإن ذلك أرعب لعدوك و أعز لوليك فإذا أنقدمتها إن شاء الله فأحسن إلى المحسن و اشتد على المريب و ارفق بالعامة و الخاصة فالرفق يمن. فقال قيس رحمك الله يا أمير المؤمنين قد فهمت ما ذكرت فأما الجند فإني أدعه لك فإذا احتجت إليهم كانوا قريبا منك و إن أردت بعثهم إلى وجه من وجوهك كان لك عدة و لكني أسير إلى مصر بنفسي و أهل بيتي و أما ما أوصيتني به من الرفق و الإحسان فالله تعالى هو المستعان على ذلك قال فخرج قيس في سبعة نفر من أهله حتى دخل مصر فصعد المنبر و أمر بكتاب معه يقرأ على الناس فيه من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين سلام عليكم فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو أما بعد فإن الله بحسن صنعه و قدره و تدبيره اختار الإسلام دينا لنفسه و ملائكته و رسله و بعث به أنبياءه إلى عباده فكان مما أكرم الله عز و جل به هذه الأمة و خصهم به من الفضل أن بعث محمدا ص إليهم فعلمهم الكتاب و الحكمة و السنة و الفرائض و أدبهم لكيما يهتدوا و جمعهم لكيلا يتفرقوا و زكاهم لكيما يتطهروا فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه الله إليه فعليه صلوات الله و سلامه و رحمته و رضوانه ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين فعملا بالكتاب و السنة و أحييا السيرة و لم يعدوا السنة ثم توفيا رحمهما الله فولي بعدهما وال أحدث أحداثا فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا ثم نقموا فغيروا ثم جاءوني فبايعوني و أنا أستهدي الله الهدى و أستعينه على التقوى ألا و إن لكم علينا العمل بكتاب الله و سنة رسوله و القيام بحقه و النصح لكم بالغيب و الله المستعان على ما تصفون و حسبنا الله و نعم الوكيل(7/54)
شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 59و قد بعثت لكم قيس بن سعد الأنصاري أميرا فوازروه و أعينوه على الحق و قد أمرته بالإحسان إلى محسنكم و الشدة على مريبكم و الرفق بعوامكم و خواصكم و هو ممن أرضى هديه و أرجو صله و نصحه نسأل الله لنا و لكم عملا زاكيا و ثوابا جزيلا و رحمة واسعة و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
و كتبه عبد الله بن أبي رافع في صفر سنة ست و ثلاثين. قال إبراهيم فلما فرغ من قراءة الكتاب قام قيس خطيبا فحمد الله و أثنى عليه و قال الحمد لله الذي جاء بالحق و أمات الباطل و كبت الظالمين أيها الناس إنا بايعنا خير من نعلم من بعد نبينا محمد ص فقوموا فبايعوا على كتاب الله و سنة رسوله فإن نحن لم نعمل بكتاب الله و سنة رسوله فلا بيعة لنا عليكم. فقام الناس فبايعوا و استقامت مصر و أعمالها لقيس و بعث عليها عماله إلا أن قرية منها قد أعظم أهلها قتل عثمان و بها رجل من بني كنانة يقال له يزيد بن الحارث فبعث إلى قيس إنا لا نأتيك فابعث عمالك فالأرض أرضك و لكن أقرنا على حالنا حتى ننظر إلى ما يصير أمر الناس. و وثب محمد بن مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري فنعى عثمان و دعا إلى الطلب بدمه فأرسل إليه قيس ويحك أ علي تثب و الله ما أحب أن لي ملك الشام و مصر و أني قتلتك فاحقن دمك فأرسل إليه مسلمة إني كاف عنك ما دمت أنت والي مصر. و كان قيس بن سعد ذا رأي و حزم فبعث إلى الذين اعتزلوا أني لا أكرهكم على البيعة و لكني أدعكم و أكف عنكم فهادنهم و هادن مسلمة بن مخلد و جبى الخراج و ليس أحد ينازعه. شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 60قال إبراهيم و خرج علي إلى الجمل و قيس على مصر و رجع من البصرة إلى الكوفة و هو بمكانه فكان أثقل خلق الله على معاوية لقرب مصر و أعمالها من الشام و مخافة أن يقبل علي بأهل العراق و يقبل إليه قيس بأهل مصر فيقع بينهما. فكتب معاوية إلى قيس و علي يومئذ بالكوفة قبل أن يسير إلى صفين من معاوية بن أبي سفيان(7/55)
إلى قيس بن سعد سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان في أثرة رأيتموها أو ضربة سوط ضربها أو في شتمه رجلا أو تعييره واحدا أو في استعماله الفتيان من أهله فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لم يحل لكم بذلك فقد ركبتم عظيما من الأمر و جئتم شيئا إدا فتب يا قيس إلى ربك إن كنت من المجلبين على عثمان إن كانت التوبة قبل الموت تغني شيئا و أما صاحبك فقد استيقنا أنه أغرى الناس بقتله و حملهم على قتله حتى قتلوه و أنه لم يسلم من دمه عظم قومك فإن استطعت يا قيس أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل و تابعنا على علي في أمرنا هذا و لك سلطان العراقين إن أنا ظفرت ما بقيت و لمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان و سلني عن غير هذا مما تحب فإنك لا تسألني شيئا إلا أتيته و اكتب إلى رأيك فيما كتبت إليك. فلما جاء إليه كتاب معاوية أحب أن يدافعه و لا يبدي له أمره و لا يعجل له حربه فكتب إليه أما بعد فقد وصل إلي كتابك و فهمت الذي ذكرت من أمر عثمان و ذلك أمر لم أقاربه و ذكرت أن صاحبي هو الذي أغرى الناس بعثمان و دسهم إليه حتى قتلوه و هذا أمر لم أطلع عليه و ذكرت لي أن عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فلعمري إن أولى(7/56)