ما أنكرنا أمره الأنصار و لكانوا لها أهلا و لكنه قول لا شك فيه و لا خيار و قد عجلت الأنصار علينا و الله ما قبضنا عليهم الأمر و لا أخرجناهم من الشورى و إن الذي هم فيه من فلتات الأمور و نزغات الشيطان و ما لا يبلغه المنى و لا يحمله الأمل أعذروا إلى القوم فإن أبوا فقاتلوهم فو الله لو لم يبق من قريش كلها إلا رجل واحد لصير الله هذا الأمر فيه. قال و حضر أبو سفيان بن حرب فقال يا معشر قريش إنه ليس للأنصار أن يتفضلوا على الناس حتى يقروا بفضلنا عليهم فإن تفضلوا فحسبنا حيث انتهى بها و إلا فحسبهم حيث انتهى بهم و ايم الله لئن بطروا المعيشة و كفروا النعمة لنضربنهم على الإسلام كما ضربوا عليه فأما علي بن أبي طالب فأهل و الله أن يسود على قريش و تطيعه الأنصار. فلما بلغ الأنصار قول هؤلاء الرهط قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس فقال يا معشر الأنصار إنما يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش فأما إذا كان من أهل الدنيا لا سيما من أقوام كلهم موتور فلا يكبرن عليكم إنما الرأي شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 25و القول مع الأخيار المهاجرين فإن تكلمت رجال قريش و الذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء فعند ذلك قولوا ما أحببتم و إلا فأمسكوا. قال حسان بن ثابت يذكر ذلك(7/22)


تنادي سهيل و ابن حرب و حارث و عكرمة الشاني لنا ابن أبي جهل قتلنا أباه و انتزعنا سلاحه فأصبح بالبطحا أذل من النعل فأما سهيل فاحتواه ابن دخشم أسيرا ذليلا لا يمر و لا يحلي و صخر بن حرب قد قتلنا رجاله غداة لوا بدر فمرجله يغلي و راكضنا تحت العجاجة حارث على جرداء كباسقه النخل يقبلها طورا و طورا يحثها و يعدلها بالنفس و المال و الأهل أولئك رهط من قريش تبايعوا على خطة ليست من الخطط الفضل و أعجب منهم قابلو ذاك منهم كانا اشتملنا من قريش على ذحل و كلهم ثان عن الحق عطفه يقول اقتلوا الأنصار يا بئس من فعل نصرنا وا النبي و لم نخف صروف الليالي و البلاء على رجل بذلنا لهم أنصاف مال أكفنا كقسمة أيسار الجزور من الفضل و من بعد ذاك المال أنصاف دورنا و كنا أناسا لا نعير بالبخل و نحمي ذمار الحي فهر بن مالك و نوقد نار الحرب بالحطب الجزل فكان جزاء الفضل منا عليهم جهالتهم و ما ذاك بالعدل
فبلغ شعر حسان قريشا فغضبوا و أمروا ابن أبي عزة شاعرهم أن يجيبه فقال(7/23)


معشر الأنصار خافوا ربكم و استجيروا الله من شر الفتن إنني أرهب حربا لاقحا يشرق المرضع فيها باللبن جرها سعد و سعد فتنة ليت سعد بن عباد لم يكن خلف برهوت خفيا شخصه بين بصرى ذي رعين و ج شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 26ليس ما قدر سعد كائنا ما جرى البحر و ما دام حضن ليس بالقاطع منا شعرة كيف يرجى خير أمر لم يحن ليس بالمدرك منها أبدا غير أضغاث أماني القال الزبير لما اجتمع جمهور الناس لأبي بكر أكرمت قريش معن بن عدي و عويم بن ساعدة و كان لهما فضل قديم في الإسلام فاجتمعت الأنصار لهما في مجلس و دعوهما فلما أحضرا أقبلت الأنصار عليهما فعيروهما بانطلاقهما إلى المهاجرين و أكبروا فعلهما في ذلك فتكلم معن فقال يا معشر الأنصار إن الذي أراد الله بكم خير مما أردتم بأنفسكم و قد كان منكم أمر عظيم البلاء و صغرته العاقبة فلو كان لكم على قريش ما لقريش عليكم ثم أردتموهم لما أرادوكم به لم آمن عليهم منكم مثل من آمن عليكم منهم فإن تعرفوا الخطأ فقد خرجتم منه و إلا فأنتم فيه. قلت قوله و قد كان منكم أمر عظيم البلاء و صغرته العاقبة يعني عاقبة الكف و الإمساك يقول قد كان منكم أمر عظيم و هو دعوى الخلافة لأنفسكم و إنما جعل البلاء معظما له لأنه لو لم يتعقبه الإمساك لأحدث فتنة عظيمة و إنما صغره سكونهم و رجوعهم إلى بيعة المهاجرين. و قوله و كان لكم على قريش إلى آخر الكلام معناه لو كان لكم الفضل على قريش كفضل قريش عليكم و ادعت قريش الخلافة لها ثم أردتم منهم الرجوع عن دعواهم و جرت بينكم و بينهم من المنازعة مثل هذه المنازعة التي جرت الآن بينكم لم آمن عليهم منكم أن تقتلوهم و تقدموا على سفك دمائهم و لم يحصل لي من سكون النفس إلى شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 27حلمكم عنهم و صبركم عليهم مثل ما أنا آمن عليكم منهم فإنهم صبروا و حلموا و لم يقدموا على استباحة حربكم و الدخول في دمائكم. قال الزبير ثم تكلم عويم بن ساعدة فقال يا معشر(7/24)


الأنصار إن من نعم الله علم أنه تعالى لم يرد بكم ما أردتم بأنفسكم فاحمدوا الله على حسن البلاء و طول العافية و صرف هذه البلية عنكم و قد نظرت في أول فتنتكم و آخرها فوجدتها جاءت من الأماني و الحسد و احذروا النقم فوددت أن الله صير إليكم هذا الأمر بحقه فكنا نعيش فيه. فوثبت عليهما الأنصار فاغلظوا لهما و فحشوا عليهما و انبرى لهما فروة بن عمرو فقال أ نسيتما قولكما لقريش إنا قد خلفنا وراءنا قوما قد حلت دماؤهم بفتنتهم هذا و الله ما لا يغفر و لا ينسى قد تصرف الحية عن وجهها و سمها في نابها فقال معن في ذلك(7/25)


و قالت لي الأنصار إنك لم تصب فقلت أ ما لي في الكلام نصيب فقالوا بلى قل ما بدا لك راشدا فقلت و مثلي بالجواب طبيب تركتكم و الله لما رأيتكم تيوسا لها بالحرتين نبيب تنادون بالأمر الذي النجم دونه ألا كل شي ء ما سواه قريب فقلت لكم قول الشفيق عليكم و للقلب م البلاء وجيب دعوا الركض و اثنوا من أعنة بغيكم و دبوا فسير القاصدين دبيب و خلوا قريشا و الأمور و بايعوا لمن بايعوه ترشدوا و تصيبو شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 28أراكم أخذتم حقكم بأكفكم و ما الناس إلا مخطئ و مصيب فلما أبيتم زلت عنكم إليهم و كنت كأني يوم ذاك غريب فإن كان هذا الأمر ذنبي إليكم فلي فيكم بعد الذنوب ذنوب فلا تبعثوا مني الكلام فإنني إذا شئت يوما شاعر و خطيب و إني لحلو تعمرارة و ملح أجاج تارة و شروب لكل امرئ عندي الذي هو أهله أفانين شتى و الرجال ضروبو قال عويم بن ساعدة في ذلك و قالت لي الأنصار أضعاف قولهم لمعن و ذاك القول جهل من الجهل فقلت دعوني لا أبا لأبيكم فإني أخوكم صاحب الخطر الفصل أنا صاحب القول الذي تعرفونه أقطع أنفاس الرجال على مهل فإن تسكتوا أسكت و في الصمت راحة و إن تنطقوا أصمت مقالتكم تبلي و ما لمت نفسي في الخلافكم و إن كنتم مستجمعين على عذلي أريد بذاك الله لا شي ء غيره و ما عند رب الناس من درج الفضل و ما لي رحم في قريش قريبة و لا دارها داري و لا أصلها أصلي و لكنهم قوم علينا أئمة أدين لهم ما أنفذت قدمي نعلي و كان أحق الناس أن تقنعوا به و يحتملوا من جاء في قولي لأني أخف الناس فيما يسركم و فيما يسوء لا أمر و لا أحليقال فروة بن عمر و كان ممن تخلف عن بيعة أبي بكر و كان ممن جاهد مع شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 29رسول الله و قاد فرسين في سبيل الله و كان يتصدق من نخله بألف وسق في كل عام و كان سيدا و هو من أصحاب علي و ممن شهد معه يوم الجمل قال فذكر معنا و عويما و عاتبهما علقولهما خلفنا وراءنا قوما قد حلت دماؤهم بفتنتهم(7/26)

118 / 148
ع
En
A+
A-