إبراهيم بن حاطب الجمحي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن
العاص قال قال لي رسول الله ص كيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد
مرجت عهودهم و مواثيقهم و كانوا هكذا و خالف بين أصابعه فقلت تأمرني بأمرك يا
رسول الله قال تأخذ مما تعرف و تدع ما تنكر و تعمل بخاصة نفسك و تدع الناس و
هوام أمرهم
قال فلما كان يوم صفين قال له أبوه عمرو بن العاص يا عبد الله اخرج فقاتل فقال
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 25يا أبتاه أ تأمرني أن أخرج فأقاتل و قد سمعت ما سمعت يوم عهد إلى رسول الله ص ما
عهد فقال أنشدك الله يا عبد الله أ لم يكن آخر ما عهد إليك رسول الله ص أن أخذ
بيدك فوضعها في يدي فقال أطع أباك فقال اللهم بلى قال فإني أعزم عليك أن تخرج
فتقاتل فخرج عبد الله بن عمرو فقاتل يومئذ متقلدا سيفين قال و إن من شعر عبد الله
بن عمرو بعد ذلك يذكر عليا بصفين
فلو شهدت جمل مقامي و مشهدي بصفين يوما شاب منها الذوائب
عشية جا أهل العراق كأنهم سحاب ربيع رفعته الجنائب
إذا قلت قد ولت سراعا بدت لنا كتائب منهم و ارجحنت كتائب
و جئناهم فرادى كأن صفوفنا من البحر مد موجه متراكب
فدارت رحانا و استدارت رحاهم سراة النهار ما تولى المناكب
فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا فقلنا بلى إنا نرى أن تضاربوا

و روى ابن ديزيل عن يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا مسهر بن عبد الملك بن سلع
الهمداني قال حدثني أبي عن عبد خير الهمداني قال كنت أنا و عبد خير في سفر قلت يا
أبا عمارة حدثني عن بعض ما كنتم فيه بصفين فقال لي يا ابن أخي و ما سؤالك فقلت
أحببت أن أسمع منك شيئا فقال يا ابن أخي إنا كنا لنصلي الفجر فنصف و يصف أهل
الشام و نشرع الرماح إليهم و يشرعون بها نحونا أما لو دخلت تحتها لأظلتك و الله
يا ابن أخي إنا كنا لنقف و يقفون في الحرب لا نفتر و لا يفترون حتى نصلي(6/210)


شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 25العشاء الآخرة ما يعرف الرجل منا طول ذلك اليوم من عن يمينه و لا من عن يساره من
شدة الظلمة و النقع إلا بقرع الحديد بعضه على بعض فيبرز منه شعاع كشعاع الشمس
فيعرف الرجل من عن يمينه و من عن يساره حتى إذا صلينا العشاء الآخرة جررنا قتلانا
إلينا فتوسدناهم حتى نصبح و جروا قتلاهم فتوسدوهم حتى يصبحوا قال قلت له يا أبا
عمارة هذا و الله الصبر. و روى ابن ديزيل قال كان عمرو بن العاص إذا مر عليه رجل من
أصحاب علي فسأل عنه فأخبر به فقال يرى علي و معاوية أنهما بريئان من دم هذا. قال
ابن ديزيل و روى ابن وهب عن مالك بن أنس قال جلس عمرو بن العاص بصفين في
رواق و كان أهل العراق يدفنون قتلاهم و أهل الشام يجعلون قتلاهم في العباء و
الأكسية يحملونهم فيها إلى مدافنهم فكلما مر عليه برجل قال من هذا فيقال فلان
فقال عمرو كم من رجل أحسن في الله عظيم الحال لم ينج من قتله فلان و فلان قال
يعني عليا و معاوية. قلت ليت شعري لم برأ نفسه و كان رأسا في الفتنة بل لولاه لم
تكن و لكن الله تعالى أنطقه بهذا الكلام و أشباهه ليظهر بذلك شكه و أنه لم يكن
على بصيرة من أمره. و روى نصر بن مزاحم قال حدثني يحيى بن يعلى قال حدثني صباح
المزني عن الحارث بن حصن عن زيد بن أبي رجاء عن أسماء بن حكيم الفزاري قال كنا
بصفين مع علي تحت راية عمار بن ياسر ارتفاع الضحى و قد استظللنا برداء أحمر إذ
أقبل رجل يستقري الصف حتى انتهى إلينا فقال أيكم عمار بن ياسر فقال عمار أنا عمار
قال أبو اليقظان قال نعم قال إن لي إليك حاجة أ فأنطق بها
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 25سرا أو علانية قال اختر لنفسك أيهما شئت قال لا بل علانية قال فانطق قال إني خرجت
من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم و أنهم على
الباطل فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى ليلتي هذه فإني رأيت في منامي مناديا تقدم(6/211)


فأذن و شهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ص و نادى بالصلاة و نادى
مناديهم مثل ذلك ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة و تلونا كتابا واحدا و دعونا
دعوة واحدة فأدركني الشك في ليلتي هذه فبت بليلة لا يعلمها إلا الله تعالى حتى
أصبحت فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال هل لقيت عمار بن ياسر قلت لا قال
فالقه فانظر ما ذا يقول لك عمار فاتبعه فجئتك لذلك فقال عمار تعرف صاحب الراية
السوداء المقابلة لي فإنها راية عمرو بن العاص قاتلتها مع رسول الله ص ثلاث مرات و
هذه الرابعة فما هي بخيرهن و لا أبرهن بل هي شرهن و أفجرهن أ شهدت بدرا و أحدا و
يوم حنين أو شهدها أب لك فيخبرك عنها قال لا قال فإن مراكزنا اليوم على مراكز
رايات رسول الله ص يوم بدر و يوم أحد و يوم حنين و إن مراكز رايات هؤلاء على
مراكز رايات المشركين من الأحزاب فهل ترى هذا العسكر و من فيه و الله لوددت أن
جميع من فيه ممن أقبل مع معاوية يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا خلقا واحدا
فقطعته و ذبحته و الله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور أ فترى دم عصفور حراما قال
لا بل حلال قال فإنهم حلال كذلك أ تراني بينت لك قال قد بينت لي قال فاختر أي ذلك
أحببت.
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 25فانصرف الرجل فدعاه عمار ثم قال أما إنهم سيضربونكم بأسيافهم حتى يرتاب
المبطلون منكم فيقولوا لو لم يكونوا على حق ما أظهروا علينا و الله ما هم من الحق
على ما يقذى عين ذباب و الله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا
على حق و أنهم على باطل.
قال نصر و حدثنا يحيى بن يعلى عن الأصبغ بن نباتة قال جاء رجل إلى علي فقال يا
أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة
واحدة و الحج واحد فما ذا نسميهم قال سمهم بما سماهم الله في كتابه قال ما كل ما(6/212)


في الكتاب أعلمه قال أ ما سمعت الله تعالى يقول تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى
بَعْضٍ إلى قوله وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ
وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى
بالله و بالكتاب و بالنبي و بالحق فنحن الذين آمنوا و هم الذين كفروا و شاء الله
قتالهم فقاتلهم بمشيئته و إرادته(6/213)


شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 3الجزء السادستتمة الخطب و الأوامر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين
66- و من كلام له ع في معنى الأنصار
قَالُوا لَمَّا انْتَهَتْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع أَنْبَاءُ السَّقِيفَةِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ ع مَا قَالَتِ الْأَنْصَارُ قَالُوا قَالَتْ مِنَّا أَمِيرٌ وَ مِنْكُمْ أَمِيرٌ قَالَ ع فَهَلَّا احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص وَصَّى بِأَنْ يُحْسَنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَ يُتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ قَالُوا وَ مَا فِي هَذَا مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ ع لَوْ كَانَ الْإِمَامَةُ فِيهِمْ لَمْ تَكُنِ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ ثُمَّ قَالَ ع فَمَا ذَا قَالَتْ قُرَيْشٌ قَالُوا احْتَجَّتْ بِأَنَّهَا شَجَرَةُ الرَّسُولِ ص فَقَالَ ع شرح نهج البلاغة ج : 6 ص : 4احْتَجُّوا بِالشَّجَرَةِ وَ أَضَاعُوا الثَّمَرَةَقد ذكرنا فيما تقدم طرفا من أخبار السقيفة فأما هذا الخبر الوارد في الوصية بالأنصار فهو خبر صحيح أخرجه الشيخان محمد بن إسماعيل البخاري و مسلم بن الحجاج القشيري في مسنديهما عن أنس بن مالك قال مر أبو بكر و العباس رضي الله تعالى عنهما بمجلس من الأنصار في مرض رسول الله ص و هم يبكون فقالا ما يبكيكم قالوا ذكرنا محاسن رسول الله ص فدخلا على النبي ص و أخبراه بذلك فخرج ص و قد عصب على رأسه حاشية برده فصعد المنبر و لم يصعده بعد ذلك اليوم فحمد الله و أثنى عليه
ثم قال أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي و عيبتي و قد قضوا الذي عليهم و بقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم و تجاوزوا عن مسيئهم(7/1)

113 / 148
ع
En
A+
A-