نفسه و كان رأسا في الفتنة بل لولاه لم تكن و لكن الله تعالى أنطقه بهذا الكلام و أشباهه ليظهر بذلك شكه و أنه لم يكن على بصيرة من أمره. و روى نصر بن مزاحم قال حدثني يحيى بن يعلى قال حدثني صباح المزني عن الحارث بن حصن عن زيد بن أبي رجاء عن أسماء بن حكيم الفزاري قال كنا بصفين مع علي تحت راية عمار بن ياسر ارتفاع الضحى و قد استظللنا برداء أحمر إذ أقبل رجل يستقري الصف حتى انتهى إلينا فقال أيكم عمار بن ياسر فقال عمار أنا عمار قال أبو اليقظان قال نعم قال إن لي إليك حاجة أ فأنطق بها شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 257س أو علانية قال اختر لنفسك أيهما شئت قال لا بل علانية قال فانطق قال إني خرجت من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤلاء القوم و أنهم على الباطل فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى ليلتي هذه فإني رأيت في منامي مناديا تقدم فأذن و شهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ص و نادى بالصلاة و نادى مناديهم مثل ذلك ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة و تلونا كتابا واحدا و دعونا دعوة واحدة فأدركني الشك في ليلتي هذه فبت بليلة لا يعلمها إلا الله تعالى حتى أصبحت فأتيت أمير المؤمنين فذكرت ذلك له فقال هل لقيت عمار بن ياسر قلت لا قال فالقه فانظر ما ذا يقول لك عمار فاتبعه فجئتك لذلك فقال عمار تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة لي فإنها راية عمرو بن العاص قاتلتها مع رسول الله ص ثلاث مرات و هذه الرابعة فما هي بخيرهن و لا أبرهن بل هي شرهن و أفجرهن أ شهدت بدرا و أحدا و يوم حنين أو شهدها أب لك فيخبرك عنها قال لا قال فإن مراكزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله ص يوم بدر و يوم أحد و يوم حنين و إن مراكز رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب فهل ترى هذا العسكر و من فيه و الله لوددت أن جميع من فيه ممن أقبل مع معاوية يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا خلقا واحدا فقطعته و ذبحته و(6/205)
الله لدماؤهم جميعا أحل من دم عصفور أ فترى دم عصفور حراما قال لا بل حلال قال فإنهم حلال كذلك أ تراني بينت لك قال قد بينت لي قال فاختر أي ذلك أحببت.
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 258فانصرف الرجل فدعاه عمار ثم قال أما إنهم سيضربونكم بأسيافهم حتى يرتاب المبطلون منكم فيقولوا لو لم يكونوا على حق ما أظهروا علينا و الله ما هم من الحق على ما يقذى عين ذباب و الله لو ضربونا بأسيافهم حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا ا على حق و أنهم على باطل.
قال نصر و حدثنا يحيى بن يعلى عن الأصبغ بن نباتة قال جاء رجل إلى علي فقال يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الذين نقاتلهم الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة و الحج واحد فما ذا نسميهم قال سمهم بما سماهم الله في كتابه قال ما كل ما في الكتاب أعلمه قال أ ما سمعت الله تعالى يقول تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ إلى قوله وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ فلما وقع الاختلاف كنا نحن أولى بالله و بالكتاب و بالنبي و بالحق فنحن الذين آمنوا و هم الذين كفروا و شاء الله قتالهم فقاتلهم بمشيئته و إرادته
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 25فقتله ثم نادى من يبرز فلم يبرز إليه أحد فنادى يا معشر المسلمين الشهر الحرام
بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى
عليكم و اتقوا الله و اعلموا أن الله مع المتقين ويحك يا معاوية هلم إلي فبارزني و لا
يقتلن الناس فيما بيننا فقال عمرو بن العاص اغتنمه منتهزا قد قتل ثلاثة من أبطال
العرب و إني أطمع أن يظفرك الله به فقال معاوية و الله لن تريد إلا أن أقتل فتصيب
الخلافة بعدي اذهب إليك عني فليس مثلي يخدع. قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا(6/206)
خالد بن عبد الواحد الجريري قال حدثني من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة
العظمى بصفين و هو يحرض أهل الشام و قد كان منحنيا على قوس فقال الحمد لله
العظيم في شأنه القوي في سلطانه العلي في مكانه الواضح في برهانه أحمده على
حسن البلاء و تظاهر النعماء في كل رزية من بلاء أو شدة أو رخاء و أشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمين
ما أصبح في أمة محمد ص من اشتعال نيرانها و اضطراب حبلها و وقوع بأسها بينها فإنا
لله و إنا إليه راجعون و الحمد لله رب العالمين أ و لا تعلمون أن صلاتنا و صلاتهم و
صيامنا و صيامهم و حجنا و حجهم و قتلنا و قتلهم
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 25و ديننا و دينهم واحد و لكن الأهواء مختلفة اللهم أصلح هذه الأمة بما أصلحت به أولها
و احفظ في ما بينها مع أن القوم قد وطئوا بلادكم و نعوا عليكم فجدوا في قتال
عدوكم و استعينوا بالله ربكم و حافظوا على حرماتكم ثم جلس
قال نصر و خطب عبد الله بن العباس أهل العراق يومئذ فقال الحمد لله رب العالمين
الذي دحا تحتنا سبعا و سمك فوقنا سبعا و خلق فيما بينهن خلقا و أنزل لنا منهن رزقا ثم
جعل كل شي ء قدرا يبلى و يفنى غير وجهه الحي القيوم الذي يحيا و يبقى إن الله تعالى بعث أنبياء و رسلا فجعلهم حججا على عباده عذرا أو نذرا لا يطاع إلا بعلمه و
إذنه يمن بالطاعة على من يشاء من عباده ثم يثيب عليها و يعصى بعلم منه فيعفو و
يغفر بحلمه لا يقدر قدره و لا يبلغ شي ء مكانه أحصى كل شي ء عددا و أحاط بكل شي علما و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله إمام
الهدى و النبي المصطفى و قد ساقنا قدر الله إلى ما ترون حتى كان مما اضطرب من
حبل هذه الأمة و انتشر من أمرها أن معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعوانا(6/207)
على علي ابن عم رسول الله و صهره و أول ذكر صلى معه بدري قد شهد مع رسول الله
ص كل مشاهدة التي فيها الفضل و معاوية مشرك كان يعبد الأصنام و الذي ملك الملك
وحده و بان به و كان أهله لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول الله و هو يقول صدق
الله و رسوله و معاوية يقول كذب الله و رسوله فعليكم بتقوى الله و الجد و الحزم و
الصبر و الله إنا لنعلم
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 25إنكم لعلى حق و إن القوم لعلى باطل فلا يكونن أولى بالجد على باطلهم منكم في
حقكم و إنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم اللهم أعنا و لا تخذلنا و
انصرنا على عدونا و لا تحل عنا و افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين
قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا عبد الرحمن بن جندب عن جندب بن عبد الله قال قام
عمار يوم صفين فقال انهضوا معي عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم ظالم
إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالإحسان فقال هؤلاء الذين لا
يبالون إذا سلمت لهم دنياهم و لو درس هذا الدين لم قتلتموه فقلنا لإحداثه فقالوا إنه
لم يحدث شيئا و ذلك لأنه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو
انهدمت الجبال و الله ما أظنهم يطلبون بدم و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها و
استمرءوها و علموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم و بين ما يأكلون و يرعون
منها إن القوم لم يكن لهم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة و الولاية فخدعوا
أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا تلك مكيدة قد
بلغوا بها ما ترون و لولاها ما بايعهم من الناس رجل اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت و
إن تجعل
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 25لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم ثم مضى و مضى معه أصحابه
فدنا من عمرو بن العاص فقال يا عمرو بعت دينك بمصر فتبا لك و طالما بغيت للإسلام(6/208)
عوجا ثم قال اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر
لفعلت اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم انحنى
عليه حتى يخرج من ظهري لفعلت اللهم إني أعلم مما علمتني أني لا أعمل عملا صالحا
هذا اليوم هو أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين و لو أعلم اليوم عملا هو أرضى لك منه
لفعلته
قال نصر و حدثني عمرو بن سعيد عن الشعبي قال نادى عمار عبد الله بن عمرو بن
العاص فقال له بعت دينك بالدنيا من عدو الله و عدو الإسلام معاوية و طلبت هوى
أبيك الفاسق فقال لا و لكني أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم قال كلا أشهد على
علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشي ء من فعلك وجه الله و أنك إن لم تقتل شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 25اليوم فستموت غدا فانظر إذا أعطى الله العباد على نياتهم ما نيتك. و روى ابن ديزيل
في كتاب صفين عن صيف الضبي قال سمعت الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة
المحاربي يروي عن أبيه عن جده شريك قال كان الناس من أهل العراق و أهل الشام
يقتتلون أيام صفين و يتزايلون فلا يستطيع الرجل أن يرجع إلى مكانه حتى يسفر
الغبار عنه فاقتتلوا يوما و تزايلوا و أسفر الغبار فإذا علي تحت رايتنا يعني بني محارب
فقال هل من ماء فأتيته بإداوة فخنثتها له ليشرب فقال لا إنا نهينا أن نشرب من أفواه
الأسقية
ثم علق سيفه و إنه لمخضب بالدم من ظبته إلى قائمه فصببت له على يديه فغسلهما
حتى أنقاهما ثم شرب بيديه حتى إذا روى رفع رأسه ثم قال أين مضر فقلت أنت فيهم يا
أمير المؤمنين فقال من أنتم بارك الله فيكم فقلنا نحن بنو محارب فعرف موقفه ثم
رجع إلى موضعه. قلت خنثت الإداوة إذا ثنيت فاها إلى خارج و إنما نهى رسول الله ص
عن اختناث الأسقية لأن رجلا اختنث سقاء فشرب فدخل إلى جوفه حية كانت في
السقاء.
قال ابن ديزيل و روى إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني عبد الملك بن قدامة بن(6/209)