قال نصر و خطب عبد الله بن العباس أهل العراق يومئذ فقال الحمد لله رب العالمين الذي دحا تحتنا سبعا و سمك فوقنا سبعا و خلق فيما بينهن خلقا و أنزل لنا منهن رزقا ثم جعل كل شي ء قدرا يبلى و يفنى غير وجهه الحي القيوم الذي يحيا و يبقى إن الله تعالى بعث أنبياء و سلا فجعلهم حججا على عباده عذرا أو نذرا لا يطاع إلا بعلمه و إذنه يمن بالطاعة على من يشاء من عباده ثم يثيب عليها و يعصى بعلم منه فيعفو و يغفر بحلمه لا يقدر قدره و لا يبلغ شي ء مكانه أحصى كل شي ء عددا و أحاط بكل شي ء علما و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله إمام الهدى و النبي المصطفى و قد ساقنا قدر الله إلى ما ترون حتى كان مما اضطرب من حبل هذه الأمة و انتشر من أمرها أن معاوية بن أبي سفيان وجد من طغام الناس أعوانا على علي ابن عم رسول الله و صهره و أول ذكر صلى معه بدري قد شهد مع رسول الله ص كل مشاهدة التي فيها الفضل و معاوية مشرك كان يعبد الأصنام و الذي ملك الملك وحده و بان به و كان أهله لقد قاتل علي بن أبي طالب مع رسول الله و هو يقول صدق الله و رسوله و معاوية يقول كذب الله و رسوله فعليكم بتقوى الله و الجد و الحزم و الصبر و الله إنا لنعلم شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 252إنكم لعلى حق و إن القوم لعلى باطل فلا يكونن أولى بالجد على باطلهم منكم في حقكم و إنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم اللهم أعنا و لا تخذلنا و انصرنا على عدونا و لا تحل عنا و افتح بيننا و بين قومنا بالحو أنت خير الفاتحين(6/200)
قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا عبد الرحمن بن جندب عن جندب بن عبد الله قال قام عمار يوم صفين فقال انهضوا معي عباد الله إلى قوم يزعمون أنهم يطلبون بدم ظالم إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالإحسان فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم و لو درس هذا الدين لم قتلتموه فقلنا لإحداثه فقالوا إنه لم يحدث شيئا و ذلك لأنه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها و يرعونها و لا يبالون لو انهدمت الجبال و الله ما أظنهم يطلبون بدم و لكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها و استمرءوها و علموا أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم و بين ما يأكلون و يرعون منها إن القوم لم يكن لهم سابقة في الإسلام يستحقون بها الطاعة و الولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة و ملوكا تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون و لولاها ما بايعهم من الناس رجل اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت و إن تجعل شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 253لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم ثم مضى و مضى معه أصحابه فدنا من عمرو بن العاص فقال يا عمرو بعت دينك بمصر فتبا لك و طالما بغيت للإسلام عوجا ثم قال اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أق بنفسي في هذا البحر لفعلت اللهم إنك تعلم أني لو أعلم أن رضاك أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم انحنى عليه حتى يخرج من ظهري لفعلت اللهم إني أعلم مما علمتني أني لا أعمل عملا صالحا هذا اليوم هو أرضى من جهاد هؤلاء الفاسقين و لو أعلم اليوم عملا هو أرضى لك منه لفعلته(6/201)
قال نصر و حدثني عمرو بن سعيد عن الشعبي قال نادى عمار عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له بعت دينك بالدنيا من عدو الله و عدو الإسلام معاوية و طلبت هوى أبيك الفاسق فقال لا و لكني أطلب بدم عثمان الشهيد المظلوم قال كلا أشهد على علمي فيك أنك أصبحت لا تطلب بشي ء ن فعلك وجه الله و أنك إن لم تقتل شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 254اليوم فستموت غدا فانظر إذا أعطى الله العباد على نياتهم ما نيتك. و روى ابن ديزيل في كتاب صفين عن صيف الضبي قال سمعت الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة المحاربي يروي عن أبيه عن جده شريك قال كان الناسن أهل العراق و أهل الشام يقتتلون أيام صفين و يتزايلون فلا يستطيع الرجل أن يرجع إلى مكانه حتى يسفر الغبار عنه فاقتتلوا يوما و تزايلوا و أسفر الغبار فإذا علي تحت رايتنا يعني بني محارب
فقال هل من ماء فأتيته بإداوة فخنثتها له ليشرب فقال لا إنا نهينا أن نشرب من أفواه الأسقية
ثم علق سيفه و إنه لمخضب بالدم من ظبته إلى قائمه فصببت له على يديه فغسلهما حتى أنقاهما ثم شرب بيديه حتى إذا روى رفع رأسه ثم قال أين مضر فقلت أنت فيهم يا أمير المؤمنين فقال من أنتم بارك الله فيكم فقلنا نحن بنو محارب فعرف موقفه ثم رجع إلى موضعه. قلت خنثت الإداوة إذا ثنيت فاها إلى خارج و إنما نهى رسول الله ص عن اختناث الأسقية لأن رجلا اختنث سقاء فشرب فدخل إلى جوفه حية كانت في السقاء.
قال ابن ديزيل و روى إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني عبد الملك بن قدامة بن إبراهيم بن حاطب الجمحي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال لي رسول الله ص كيف بك يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم و مواثيقهم و كانوا هكذا و خالف بين أصابعه فقلت تأمرني بأمرك يا رسول الله قال تأخذ مما تعرف و تدع ما تنكر و تعمل بخاصة نفسك و تدع الناس و هوام أمرهم(6/202)
قال فلما كان يوم صفين قال له أبوه عمرو بن العاص يا عبد الله اخرج فقاتل فقال شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 255يا أبتاه أ تأمرني أن أخرج فأقاتل و قد سمعت ما سمعت يوم عهد إلى رسول الله ص ما عهد فقال أنشدك الله يا عبد الله أ لم يكن آخر ما عهد إليك رسول الله ص أنخذ بيدك فوضعها في يدي فقال أطع أباك فقال اللهم بلى قال فإني أعزم عليك أن تخرج فتقاتل فخرج عبد الله بن عمرو فقاتل يومئذ متقلدا سيفين قال و إن من شعر عبد الله بن عمرو بعد ذلك يذكر عليا بصفين(6/203)
فلو شهدت جمل مقامي و مشهدي بصفين يوما شاب منها الذوائب عشية جا أهل العراق كأنهم سحاب ربيع رفعته الجنائب إذا قلت قد ولت سراعا بدت لنا كتائب منهم و ارجحنت كتائب و جئناهم فرادى كأن صفوفنا من البحر مد موجه متراكب فدارت رحانا و استدارت رحاهم سراة النهار ما المناكب فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا فقلنا بلى إنا نرى أن تضاربواو روى ابن ديزيل عن يحيى بن سليمان الجعفي قال حدثنا مسهر بن عبد الملك بن سلع الهمداني قال حدثني أبي عن عبد خير الهمداني قال كنت أنا و عبد خير في سفر قلت يا أبا عمارة حدثني عن بعض ما كنتم فيه بصفين فقال لي يا ابن أخي و ما سؤالك فقلت أحببت أن أسمع منك شيئا فقال يا ابن أخي إنا كنا لنصلي الفجر فنصف و يصف أهل الشام و نشرع الرماح إليهم و يشرعون بها نحونا أما لو دخلت تحتها لأظلتك و الله يا ابن أخي إنا كنا لنقف و يقفون في الحرب لا نفتر و لا يفترون حتى نصلي شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 256العشاء الآخرة ما يعرف الرجل م طول ذلك اليوم من عن يمينه و لا من عن يساره من شدة الظلمة و النقع إلا بقرع الحديد بعضه على بعض فيبرز منه شعاع كشعاع الشمس فيعرف الرجل من عن يمينه و من عن يساره حتى إذا صلينا العشاء الآخرة جررنا قتلانا إلينا فتوسدناهم حتى نصبح و جروا قتلاهم فتوسدوهم حتى يصبحوا قال قلت له يا أبا عمارة هذا و الله الصبر. و روى ابن ديزيل قال كان عمرو بن العاص إذا مر عليه رجل من أصحاب علي فسأل عنه فأخبر به فقال يرى علي و معاوية أنهما بريئان من دم هذا. قال ابن ديزيل و روى ابن وهب عن مالك بن أنس قال جلس عمرو بن العاص بصفين في رواق و كان أهل العراق يدفنون قتلاهم و أهل الشام يجعلون قتلاهم في العباء و الأكسية يحملونهم فيها إلى مدافنهم فكلما مر عليه برجل قال من هذا فيقال فلان فقال عمرو كم من رجل أحسن في الله عظيم الحال لم ينج من قتله فلان و فلان قال يعني عليا و معاوية. قلت ليت شعري لم برأ(6/204)