قد ضاربت في حربها كنانه و الله يجزيها به جنانه من أفرغ الصبر عليه زانه أو غلب الجبن عليه شانه أو كفر الله فقد أهانه غدا يعض من عصى بنان شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 245فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انصرف أبو الطفيل إلى علي ع فقال يا أمير المؤمنين إنك أنبأتنا أن أشرف القتل الشهادة و أحظى الأمر الصبر و قد و الله صبرنا حتى أصبنا فقتيلنا شهيد و حينا سعيد فليطلب من بقي ثأر من مضى فإنا و إن كنا قد ذهبفونا و بقي كدرنا فإن لنا دينا لا يميل به الهوى و يقينا لا تزحمه الشبهة فأثنى علي ع عليه خيرا. ثم غدا في اليوم الثاني عمير بن عطارد بجماعة من بني تميم و هو يومئذ سيد مضر الكوفة فقال يا قوم إني أتبع آثار أبي الطفيل فاتبعوا آثار كنانة ثم قدم رايته و ارتجز فقال
قد ضاربت في حربها تميم إن تميما خطبها عظيم لها حديث و لها قديم إن الكريم نسله كريم دين قويم و هوى سليم إن لم تردهم رايتي فلوموثم طعن برايته حتى خضبها و قاتل أصحابه قتالا شديدا حتى أمسوا و انصرف عمير إلى علي ع و عليه سلاحه فقال يا أمير المؤمنين قد كان ظني بالناس حسنا و قد رأيت منهم فوق ظني بهم قاتلوا من كل جهة و بلغوا من عفوهم جهد عدوهم و هم لهم إن شاء الله. ثم غدا في اليوم الثالث قبيصة بن جابر الأسدي في بني أسد و قال لأصحابه يا بني أسد أما أنا فلا أقصر دون صاحبي و أما أنتم فذاك إليكم ثم تقدم برايته و قال
قد حافظت في حربها بنو أسد ما مثلها تحت العجاج من أحد
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 246أقرب من يمن و أنأى من نكد كأننا ركنا ثبير أو أحدلسنا بأوباش و لا بيض البلد لكننا المحة من ولد معفقاتل القوم إلى أن دخل الليل ثم انصرفوا. ثم غدا في اليوم الرابع عبد الله بن الطفيل العامري في جماعة هوازن فحارب بهم حتى الليل ثم انصرفوا. قال نصر فانتصفوا المضرية من الربعية و ظهر أثرها و عرف بلاؤها و قال أبو الطفيل(6/195)
و حامت كنانة في حربها و حامت تميم و حامت أسدو حامت هوازن يوم اللقا فما خام منا و منهم أحدلقينا الفوارس يوم الخميس و العيد و السبت ثم الأحدلقينا قبائل أنسابهم إلى حضرموت و أهل الجندفأمدادهم خلف آذانهم و ليس لنا من سوانا مددفلما تنادوا بآبائهم دعونا معدا و نعم المعدفظلنا نفلق هاماتهم و لم نك فيها ببيض البلدو نعم الفوارس يوم اللقا فقل في عديد و قل في عددو قل في طعان كفرغ الدلاء و ضرب عظيم كنار الوفدو لكن عصفنا بهم عصفة و في الحرب يمن و فيها نكدطحنا الفوارس وسط العجاج و سقنا الزعانف سوق النقد
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 247و قلنا علي لنا والد و نحن له طاعة كالولقال نصر و حدثنا عمرو عن الأشعث بن سويد عن كردوس قال كتب عقبة بن مسعود عامل علي على الكوفة إلى سليمان بن صرد الخزاعي و هو مع علي بصفين أما بعد فإنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم و لن تفلحوا إذا أبدا فعليك بالجهاد و الصبر مع أمير المؤمنين و السلام.(6/196)
قال نصر و حدثنا عمرو بن سعد و عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر قال قام علي ع فخطب الناس بصفين فقال الحمد لله على نعمه الفاضلة على جميع من خلق من البر و الفاجر و على حججه البالغة على خلقه من أطاعه فيهم و من عصاه أن يرحم فبفضله و منه و إن عذب فبما كسبت أيديهم و إن الله ليس بظلام للعبيد أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء و أستعينه على ما نابنا من أمر الدنيا و الآخرة و أتوكل عليه و كفى بالله وكيلا ثم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالهدى و دين الحق ارتضاه لذلك و كان أهله و اصطفاه لتبليغ رسالته و جعله رحمة منه على خلقه فكان علمه فيه رءوفا شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 248رحيما أكرم خلق الله حسبا و أجملهم منظرا و أسخاهم نفسا و أبرهم لوالد و أوصلهم لرحم و أفضلهم علما و أثقلهم حلما و أوفاهم لعهد و آمنهم على عقد لم يتعلعليه مسلم و لا كافر بمظلمة قط بل كان يظلم فيغفر و يقدر فيصفح حتى مضى ص مطيعا لله صابرا على ما أصابه مجاهدا في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ص فكان ذهابه أعظم المصيبة على أهل الأرض البر و الفاجر ثم ترك فيكم كتاب الله يأمركم بطاعة الله و ينهاكم عن معصيته و قد عهد إلى رسول الله عهدا فلست أحيد عنه و قد حضرتم عدوكم و علمتم أن رئيسهم منافق يدعوهم إلى النار و ابن عم نبيكم معكم و بين أظهركم يدعوكم إلى الجنة و إلى طاعة ربكم و العمل بسنة نبيكم و لا سواء من صلى قبل كل ذكر لم يسبقني بصلاة مع رسول الله أحد و أنا من أهل بدر و معاوية طليق و ابن طليق و الله أنا على الحق و إنهم على الباطل فلا يجتمعن على باطلهم و تتفرقوا عن حقكم حتى يغلب باطلهم حقكم قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فإن لم تفعلوا يعذبهم بأيدي غيركم فقام أصحابه فقالوا يا أمير المؤمنين انهض بنا إلى عدونا و عدوك إذا شئت فو الله ما نريد بك بدلا بل نموت معك و نحيا معك فقال لهم و الذي(6/197)
نفسي بيده لنظر إلى النبي ص أضرب بين يديه بسيفي هذا فقال لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي و قال لي يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 249موتك و حياتك يا علي معي و الله ما كذب و لا كذبت و لا ضل و لا ضللت و لا ضل بي و لا نسيت ما عهد إلى و إني على بينة من ربي و على الطريق الواضح ألقطه لقطا
ثم نهض إلى القوم فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق الأحمر و ما كانت صلاة القوم في ذلك اليوم إلا تكبيرا. قال و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان قال برز في بعض أيام صفين رجل من حمير من آل ذي يزن اسمه كريب بن الصباح ليس في الشام يومئذ رجل أشهر بالبأس و النجدة منه فنادى من يبارز فخرج إليه المرتفع بن الوضاح الزبيدي فقتله ثم نادى من يبارز فخرج إليه الحارث بن الجلاح فقتله ثم نادى من يبارز فخرج إليه عابد بن مسروق الهمداني فقتله ثم رمى بأجسادهم بعضها فوق بعض و قام عليها بغيا و اعتداء و نادى من يبارز فخرج إليه علي و ناداه ويحك يا كريب إني أحذرك الله و بأسه و نقمته و أدعوك إلى سنة الله و سنة رسوله ويحك لا يدخلنك معاوية النار فكان جوابه له أن قال ما أكثر ما قد سمعت منك هذه المقالة و لا حاجة لنا فيها أقدم إذا شئت من يشتري سيفي و هذا أثره فقال علي لا حول و لا قوة إلا بالله ثم مشى إليه فلم يمهله أن ضربه ضربة خر منها قتيلا يشحط في دمه ثم نادى من يبرز فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله ثم نادى من يبرز فبرز إليه المطاع بن مطلب العنسي شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 250فقتله ثم نادى من يبرز فلم يبرز إليه أحد فنادى يا معشر المسلمين الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و اتقوا الله و اعلموا أن الله مع المتقين ويحك يا معاوية هلم إلي فبارزني لا يقتلن الناس فيما بيننا فقال عمرو بن(6/198)
العاص اغتنمه منتهزا قد قتل ثلاثة من أبطال العرب و إني أطمع أن يظفرك الله به فقال معاوية و الله لن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي اذهب إليك عني فليس مثلي يخدع. قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثنا خالد بن عبد الواحد الجريري قال حدثني من سمع عمرو بن العاص قبل الوقعة العظمى بصفين و هو يحرض أهل الشام و قد كان منحنيا على قوس فقال الحمد لله العظيم في شأنه القوي في سلطانه العلي في مكانه الواضح في برهانه أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء في كل رزية من بلاء أو شدة أو رخاء و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله ثم إنا نحتسب عند الله رب العالمين ما أصبح في أمة محمد ص من اشتعال نيرانها و اضطراب حبلها و وقوع بأسها بينها فإنا لله و إنا إليه راجعون و الحمد لله رب العالمين أ و لا تعلمون أن صلاتنا و صلاتهم و صيامنا و صيامهم و حجنا و حجهم و قتلنا و قتلهم شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 251و ديننا و دينهم واحد و لكن الأهواء مختلفة اللهم أصلح هذه الأمة بما أصلحت به أولها و احفظ في ما بينها مع أن القوم قد وطئوا بلادكم و نعوا عليكم فجدوا في قتال عدوكم و استعينوا باللربكم و حافظوا على حرماتكم ثم جلس(6/199)