فاحتمله خندف حتى رمى به على ظهر بغل ثم شده بالحبال فانطلقا به. قال نصر و قال معاوية لما قتل ذو الكلاع لأنا أشد فرحا بقتل ذي الكلاع مني بفتح مصر لو فتحتها قال لأن ذا الكلاع كان يحجر على معاوية في أشياء كان يأمر بها. قال نصر فلما قتل ذو الكلاع اشتدت الحرب و شدت عك و لخم و جذام و الأشعريون من أهل الشام على مذحج من أهل العراق جعلهم معاوية بإزائهم و نادى منادي عك شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 23ويل لأم مذحج من عك لنتركن أمهم تبكي نقتلهم بالطعن ثم الصك بكل قرن باسل مصك فلا رجال كرجال عفنادى منادي مذحج يا لمذحج خدموا أي اضربوا السوق مواضع الخدمة و هي الخلاخيل فاعترضت مذحج سوق القوم فكان فيه بوار عامتهم و نادى منادي جذام حين طحنت رحى القوم و خاضت الخيل و الرجال في الدماء. الله الله في جذام أ لا تذكرون الأرحام أفنيتم لخما الكرام و الأشعرين و آل ذي حمام أين النهى و الأحلام هذي النساء تبكي الأعلام. و نادى منادي عك يا عك أين المفر اليوم تعلم ما الخبر لأنكم قوم صبر كونوا كمجتمع المدر لا تشمتن بكم مضر حتى يحول ذا الخبر. و نادى منادي الأشعريين يا مذحج من للنساء غدا إذا أفناكم الردى الله الله في الحرمات أ ما تذكرون نساءكم و البنات أ ما تذكرون فارس و الروم و الأتراك لقد أذن الله فيكم بالهلاك. قال و القوم ينحر بعضهم بعضا و يتكادمون بالأفواه. قال نصر و حدثني عمرو بن الزبير لقد سمعت الحضين بن المنذر يقول أعطاني شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 240علي ع ذلك يوم راية ربيعة و قال باسم الله سر يا حضين و اعلم أنه لا تخفق على رأسك راية مثلها أبدا هذه راية رسول الله ص قال فجاء أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي إلى الحضين و قال هل لك أن تعطيني الراية أحملها لك فيكون لك ذكرها و يكون لي أجرها فقال الحضين و ما غناي يا عم عن أجرها مع ذكرها قال إنه لا غنى بك عن ذلك و لكن أعرها عمك ساعة فما أسرع ما ترجع إليك قال الحضين(6/190)
فقلت إنه قد استقتل و إنه يريد أن يموت مجاهدا فقلت له خذها فأخذها ثم قال لأصحابه إن عمل الجنة كره كله و ثقيل و إن عمل النار خف كله و خبيث إن الجنة لا يدخلها إلا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله و أمره و ليس شي ء مما افترض الله على العباد أشد من الجهاد هو أفضل الأعمال ثوابا عند الله فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا ويحكم أ ما تشتاقون إلى الجنة أ ما تحبون أن يغفر الله لكم فشد و شدوا معه فقاتلوا قتالا شديدا فقت أبو عرفاء رحمه الله تعالى و شدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها و قال مجزاة بن ثور
أضربهم و لا أرى معاوية الأبرج العين العظيم الحاويه هوت به في النار أم هاويه جاوره فيها كلاب عاويه أغوى طغاما لا هدته هاديقال نصر و كان حريث بن جابر يومئذ نازلا بين الصفين في قبة له حمراء يسقي أهل العراق اللبن و الماء و السويق و يطعمهم اللحم و الثريد فمن شاء أكل و من شاء شرب ففي ذلك يقول شاعرهم
فلو كان بالدهنا حريث بن جابر لأصبح بحرا بالمفازة جاريا(6/191)
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 241قلت هذا حريث بن جابر هو الذي كتب معاوية إلى زياد في أمره بعد عام الجماعة و حريث عامل لزياد على همدان أما بعد فاعزل حريث بن جابر عن عمله فما ذكرت مواقفه بصفين إلا كانت حزازة في صدري فكتب إليه زياد خفض عليك يا أمير المؤمنين فإحريثا قد بلغ من الشرف مبلغا لا تزيده الولاية و لا ينقصه العزل. قال نصر فاضطرب الناس يومئذ بالسيوف حتى تقطعت و تكسرت و صارت كالمناجل و تطاعنوا بالرماح حتى تقصفت و تناثرت أسنتها ثم جثوا على الركب فتحاثوا بالتراب يحثو بعضهم التراب في وجه بعض ثم تعانقوا و تكادموا بالأفواه ثم تراموا بالصخر و الحجارة ثم تحاجزوا فكان الرجل من أهل العراق يمر على أهل الشام فيقول كيف آخذ إلى رايات بني فلان فيقولون هاهنا لا هداك الله و يمر الرجل من أهل الشام على أهل العراق فيقول كيف آخذ إلى راية بني فلان فيقولون هاهنا لا حفظك الله و لا عافاك. قال نصر و قال معاوية لعمرو بن العاص أ ما ترى يا أبا عبد الله إلى ما قد دفعنا كيف ترى أهل العراق غدا صانعين إنا لبمعرض خطر عظيم فقال له إن أصبحت غدا ربيعة و هم متعطفون حول علي ع تعطف الإبل حول فحلها لقيت منهم جلادا صادقا و بأسا شديدا و كانت التي لا يتعزى لها فقال معاوية أ يجوز أنك تخوفنا يا أبا عبد الله قال إنك سألتني فأجبتك فلما أصبحوا في اليوم العاشر أصبحوا و ربيعة محدقة بعلي ع إحداق بياض العين بسوادها. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 242قال نصر فحدثني عمرو قال لما أصبح علي ع هذا اليوم جاء فوقف بين رات ربيعة فقال عتاب بن لقيط البكري من بني قيس بن ثعلبة يا معشر ربيعة حاموا عن علي منذ اليوم فإن أصيب فيكم افتضحتم أ لا ترونه قائما تحت راياتكم و قال لهم شقيق بن ثور يا معشر ربيعة ليس لكم عذر عند العرب إن وصل إلى علي و فيكم رجل حي فامنعوه اليوم و اصدقوا عدوكم اللقاء فإنه حمد الحياة تكسبونه فتعاهدت ربيعة و تحالفت بالأيمان(6/192)
العظيمة منها تبايع سبعة آلاف على ألا ينظر رجل منهم خلفه حتى يردوا سرادق معاوية فقاتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا لم يكن قبله مثله و أقبلوا نحو سرادق معاوية فلما نظر إليهم قد أقبلوا قال
إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت كتائب منها كالجبال تجالد
ثم قال لعمرو يا عمرو ما ترى قال أرى ألا تحنث أخوالي اليوم فقام معاوية و خلى لهم سرادقه و رحله و خرج فارا عنه لائذا ببعض مضارب العسكر في أخريات الناس فدخله و انتهبت ربيعة سرادقه و رحله و بعث إلى خالد بن المعمر إنك قد ظفرت و لك إمرة خراسان أن لم تتم فقطع خالد القتال و لم يتمه و قال لربيعة قد برت أيمانكم فحسبكم فلما كان عام الجماعة و بايع الناس معاوية أمره معاوية على خراسان و بعثه إليها فمات قبل أن يبلغها. قال نصر في حديث عمرو بن سعد أن عليا ع صلى بهم هذا اليوم صلاة الغداة ثم زحف بهم فلما أبصروه قد خرج استقبلوه بزحوفهم فاقتتلوا قتالا شديدا ثم إن خيل أهل الشام حملت على خيل أهل العراق فاقتطعوا من أصحاب علي ع ألف رجل أو أكثر فأحاطوا بهم و حالوا بينهم و بين أصحابهم فلم يروهم فنادى شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 243علي ع يومئذ أ لا رجل يشري نفسه لله و يبيع دنياه بآخرتهأتاه رجل من جعف يقال له عبد العزيز بن الحارث على فرس أدهم كأنه غراب مقنع في الحديد لا يرى منه إلا عيناه فقال يا أمير المؤمنين مرني بأمرك فو الله لا تأمرني بشي ء إلا صنعته فقال علي ع سمحت بأمر لا يطاق حفيظة و صدقا و إخوان الوفاء قليل جزاك إله الناس خيرا فإنه لعمرك فضل ما هناك جزيليا أبا الحارث شد الله ركنك احمل على أهل الشام حتى تأتي أصحابك فتقول لهم إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام و يقول لكم هللوا و كبروا من ناحيتكم و نهلل نحن و نكبر من هاهنا و احملوا من جانبكم و نحمل نحن من جانبنا على أهل الشام فضرب الجعفي فرسه حتى إذا أقامه على أطراف سنابكه حمل على أهل الشام المحيطين بأصحاب علي ع فطاعنهم(6/193)
ساعة و قاتلهم فأفرجوا له حتى خلص إلى أصحابه فلما رأوه استبشروا به و فرحوا و قالوا ما فعل أمير المؤمنين قال صالح يقرئكم السلام و يقول لكم هللوا و كبروا و احملوا حملة شديدة من جانبكم و نهلل نحن و نكبر و نحمل من جانبنا ففعلوا ما أمرهم به و هللوا و كبروا و هلل علي ع و كبر هو و أصحابه و حمل على أهل الشام و حملوا هم من وسط أهل الشام فانفرج القوم عنهم و خرجوا و ما أصيب منهم رجل واحد و لقد قتل من فرسان الشام يومئذ زهاء سبعمائة إنسان قال علي ع من أعظم الناس اليوم غناء فقالوا أنت يا أمير المؤمنين فقال كلا و لكنه الجعفي. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 244قال نصر و كان علي ع لا يعدل بربيعة أحدا من الناس فشق ذلك على مضر و أظهروا لهم القبيح و أبدوا ذات أنفسهم فقال الحضين بن المنذر الرقاشي شعرا أغضبهم به من جملته
أرى مضرا صارت ربيعة دونها شعار أمير المؤمنين و ذا الفضل فأبدوا لنا مما تجن صدورهم هو السوء و البغضاء و الحقد و الغل فأبلوا بلانا أو أقروا بفضلنا و لن تلحقونا الدهر ما حنت الإبفقام أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني و عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي و قبيصة بن جابر الأسدي و عبد الله بن الطفيل العامري في وجوه قبائلهم فأتوا عليا ع فتكلم أبو الطفيل فقال أنا و الله يا أمير المؤمنين ما نحسد قوما خصهم الله منك بخير و إن هذا الحي من ربيعة قد ظنوا أنهم أولى بك منا فاعفهم عن القتال أياما و اجعل لكل امرئ منا يوما يقاتل فيه فإنا إذا اجتمعنا اشتبه عليك بلاؤنا فقال علي ع نعم أعطيكم ما طلبتم و أمر ربيعة أن تكف عن القتال و كانت بإزاء اليمن من صفوف أهل الشام فغدا أبو الطفيل عامر بن واثلة في قومه من كنانة و هم جماعة عظيمة فتقدم أمام الخيل و يقول طاعنوا و ضاربوا ثم حمل و ارتجز فقال(6/194)