قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر قال أقبل الحضين بن المنذر يومئذ و هو غلام يزحف براية ربيعة و كانت حمراء فأعجب عليا ع زحفه و ثباته فقال شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 227لمن راية حمراء يخفق ظلها إذا قيل قدمها حضين تقدماو يدنو بها في الصف حتى يزيرها حمام المنايا تقطر الموت و الدماتراه إذا ما كان يوم عظيمة أبى فيه إلا عزة و تكرماجزى الله قوما صابروا في لقائهم لدى الناس حرا ما أعف و أكرماو أحزم صبرا يوم يدعى إلى الوغى إذا كان أصوات الكمأة تغمغماربيعة أعني إنهم أهل نجدة و بأس إذا لاقوا خميسا عرمرماو قد صبرت عك و لحم و حمير لمذحج حتى لم يفارق دم دماو نادت جذام يا ل مذحج ويحكم جزى الله شرا أينا كان أظلماأ ما تتقون الله في حرماتكم و ما قرب الرحمن منها و عظماأذقنا ابن حرب طعننا و ضرابنا بأسيافنا حتى تولى و أحجماو فر ينادى الزبرقان و ظالما و نادى كلاعا و الكريب و أنعماو عمرا و سفيانا و جهما و مالكا و حوشب و الغاوي شريحا و أظلماو كرز بن تيهان و عمرو بن جحدر و صباحا القيني يدعو و أسلما(6/180)


. قلت هكذا روى نصر بن مزاحم و سائر الرواة رووا له ع الأبيات الستة الأولى و رووا باقي الأبيات من قوله و قد صبرت عك للحضين بن المنذر صاحب الراية. قال نصر و أقبل ذو الكلاع في حمير و من لف لفها و معهم عبيد الله بن عمر شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 228بن الخطاب فأربعة آلاف من قراء أهل الشام و ذو الكلاع في حمير في الميمنة و عبيد الله في القراء في الميسرة فحملوا على ربيعة و هم في ميسرة أهل العراق و فيهم عبيد الله بن العباس حملة شديدة فتضعضعت رايات ربيعة. ثم إن أهل الشام انصرفوا فلم يمكثوا إلا قليلا حتى كروا ثانية و عبيد الله بن عمر في أوائلهم يقول يا أهل الشام هذا الحي من العراق قتله عثمان بن عفان و أنصار علي بن أبي طالب و لئن هزمتم هذه القبيلة أدركتم ثأركم من عثمان و هلك علي و أهل العراق فشدوا على الناس شدة عظيمة فثبتت لهم ربيعة و صبرت صبرا حسنا إلا قليلا من الضعفاء. فأما أهل الرايات و ذوو البصائر منهم و الحفاظ فثبتوا و قاتلوا قتالا شديدا و أما خالد بن المعمر فإنه لما رأى بعض أصحابه قد انصرفوا انصرف معهم فلما رأى أهل الرايات ثابتين صابرين رجع إليهم و صاح بمن انهزم و أمرهم بالرجوع فكان من يتهمه من قومه يقول إنه فر فلما رآنا قد ثبتنا رجع إلينا و قال هو لما رأيت رجالا منا قد انهزموا رأيت أن أستقبلهم ثم أردهم إلى الحرب فجاء بأمر مشتبه. قال نصر و كان في جملة ربيعة من عنزة وحدها أربعة آلاف مجفف. قلت لا ريب عند علماء السيرة أن خالد بن المعمر كان له باطن سوء مع معاوية و أنه انهزم هذا اليوم ليكسر الميسرة على علي ع ذكر ذلك الكلبي و الواقدي و غيرهما و يدل على باطنه هذا أنه لما استظهرت ربيعة على معاوية و على صفوف أهل الشام في اليوم الثاني من هذا أرسل معاوية إلى خالد بن المعمر أن كف عني و لك إمارة خراسان(6/181)


شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 229ما بقيت فكف عنه فرجع بربيعة و قد شارفوا أخذه من مضربه و سيأتي ذكر ذلك. قال نصر فلما رجع خالد بن المعمر و استوت صفوف ربيعة كما كانت خطبهم فقال يا معشر ربيعة إن الله تعالى قد أتى بكل رجل منكم من منبته و مسقط رأسه فجمعكم في هذالمكان جمعا لم تجتمعوا مثله قط منذ أفرشكم الله الأرض و إنكم إن تمسكوا أيديكم و تنكلوا عن عدوكم و تحولوا عن مصافكم لا يرضى الرب فعلكم و لا تعدموا معيرا يقول فضحت ربيعة الذمار و خاموا عن القتال و أتيت من قبلهم العرب فإياكم أن يتشاءم بكم اليوم المسلمون و إنكم إن تمضوا مقدمين و تصبروا محتسبين فإن الإقدام منكم عادة و الصبر منكم سجية فاصبروا و نيتكم صادقة تؤجروا فإن ثواب من نوى ما عند الله شرف الدنيا و كرامة الآخرة و الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. فقام إليه رجل من ربيعة و قال قد ضاع و الله أمر ربيعة حين جعلت أمرها إليك تأمرنا ألا نحول و لا نزول حتى نقتل أنفسنا و نسفك دماءنا. فقام إليه رجال من قومه فتناولوه بقسيهم و لكزوه بأيديهم و قالوا لخالد بن المعمر أخرجوا هذا من بينكم فإن هذا أن بقي فيكم ضركم و إن خرج منكم لم ينقصكم عددا هذا الذي لا ينقص العدد و لا يملأ البلد ترحك الله من خطيب قوم لقد جنبك الخير قبح الله ما جئت به. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 230قال نصر و اشتد القتال بين ربيعة و حمير و عبيد الله بن عمر حتى كثرت القتلى و جعل عبيد الله يحمل و يقول أنا الطيب ابن الطيب فتقول له ربيعة بل أنت الخبيث ابن الطيب. ثم خرج و خمسمائة فارس أو أكثر من أصحاب علي ع على رءوسهم البيض و هم غائصون في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق و خرج إليهم من أهل الشام نحوهم في العدة فاقتتلوا بين الصفين و الناس وقوف تحت راياتهم فلم يرجع من هؤلاء و لا من هؤلاء مخبر لا عراقي و لا شامي قتلوا جميعا بين الصفين. قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن تميم قال نادى منادي(6/182)


أهل الشام ألا إن معنا الطيب ابن الطيب عبيد الله بن عمر فنادى منادي أهل العراق بل هو الخبيث ابن الطيب و نادى منادي أهل العراق ألا إن معنا الطيب ابن الطيب محمد بن أبي بكر فنادى منادي أهل الشام بل الخبيث ابن الطيب. قال نصر و كان بصفين تل تلقى عليه جماجم الرجال فكان يدعى تل الجماجم فقال عقبة بن مسلم الرقاشي من أهل الشام
و لم أر فرسانا أشد حفيظة و امنع منا يوم تل الجماجم غداة غدا أهل العراق كأنهم نعام تلافى في فجاج المخارم إذا قلت قد ولوا تثوب كتيبة ململمة في البيض شمط المقادم و قالوا لنا هذا علي فبايعوا فقلنا صه بل بالسيوف الصوا شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 231و قال شبث بن ربعي التميميوقفنا لديهم يوم صفين بالقنا لدن غدوة حتى هوت لغروب و ولى ابن حرب و الرماح تنوشه و قد أرضت الأسياف كل غضوب نجالدهم طورا و طورا نشلهم على كل محبوك السراة شبوب فلم أر فرسانا أشد حفيظة إذا غشي الآفاق رهج جنوب أكر و أحمى بالغطاريف و القنا و كل حديد الشفرتينب(6/183)


قال نصر ثم ذهب هذا اليوم بما فيه فأصبحوا في اليوم التاسع من صفر و قد خطب معاوية أهل الشام و حرضهم فقال إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون و حضركم ما حضركم فإذا نهدتم إليهم إن شاء الله فقدموا الدارع و أخروا الحاسر و صفوا الخيل و أجنبوها و كونوا كقص الشارب و أعيرونا جماجمكم ساعة فإنما هو ظالم أو مظلوم و قد بلغ الحق مقطعه. قال نصر و روى الشعبي قال قام معاوية فخطب الناس بصفين في هذا اليوم فقال الحمد لله الذي دنا في علوه و علا في دنوه و ظهر و بطن و ارتفع فوق كل ذي شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 232منظر هو الأول و الآخو الظاهر و الباطن يقضي فيفصل و يقدر فيغفر و يفعل ما يشاء إذا أراد أمرا أمضاه و إذا عزم على شي ء قضاه لا يؤامر أحدا فيما يملك و لا يسأل عما يفعل و هم يسألون و الحمد لله رب العالمين على ما أحببنا و كرهنا و قد كان فيما قضاه الله إن ساقتنا المقادير إلى هذه القعة من الأرض و لف بيننا و بين أهل العراق فنحن من الله بمنظر و قد قال الله سبحانه وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ. انظروا يا أهل الشام إنكم غدا تلقون أهل العراق فكونوا على إحدى ثلاث خصال إما أن تكونوا قوما طلبتم ما عند الله في قتال قوم بغوا عليكم فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بيضتكم و إما أن تكونوا قوما تطلبون بدم خليفتكم و صهر نبيكم و إما أن تكونوا قوما تذبون عن نسائكم و أبنائكم فعليكم بتقوى الله و الصبر الجميل أسأل الله لنا و لكم النصر و أن يفتح بيننا و بين قومنا بالحق و هو خير الفاتحين. فقام ذو الكلاع فقال يا معاوية إنا نحن الصبر الكرام لا ننثني عند الخصام بنو الملوك العظام ذوي النهى و الأحلام لا يقربون الآثام. فقال معاوية صدقت. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 233قال نصر و كانت التعبية في هذا اليوم كالتعبية في الذي قه و حمل عبيد الله بن عمر في قراء أهل الشام و معه ذو الكلاع في حمير(6/184)

107 / 148
ع
En
A+
A-