فناقله و وثب على فرس العباس و قصد اللخميين فما شكا أنه هو فقالا إذن لك صاحبك فحرج أن يقول نعم فقال إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير فبرز إليه أحدهما فكأنما اختطفه ثم برز له الآخر فألحقه بالأول ثم أقبل و هو يقول الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ثم قال يا عباس خذ سلاحك و هات سلاحي فإن عاد لك أحد فعد إلي. قال فنمي الخبر إلى معاوية فقال قبح الله اللجاج إنه لقعود ما ركبته قط إلا خذلت. فقال عمرو بن العاص المخذول و الله اللخميان لا أنت فقال اسكت أيها الرجل و ليست هذه من ساعاتك قال و إن لم يكن فرحم الله اللخميين و ما أراه يفعل قال فإن ذاك و الله أخسر لصفقتك و أضيق لحجزتك. قال قد علمت ذاك و لو لا مصر لركبت المنجاة منها قال هي أعمتك و لولاها ألقيت بصيرا. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 222قالصر بن مزاحم و حدثنا عمرو قال حدثني فضيل بن خديج قال خرج رجل من أهل الشام يدعو إلى المبارزة فخرج إليه عبد الرحمن بن محرز الكندي ثم الطمحي فتجاولا ساعة ثم إن عبد الرحمن حمل على الشامي فطعنه في نقرة نحره فصرعه ثم نزل إليه فسلبه درعه و سلاحه فإذا هو عبد أسود فقال إنا لله أخطرت نفسي بعبد أسود قال و خرج رجل من عك فسأل البراز فخرج إليه قيس بن فهران الكندي فما ألبثه أن طعنه فقتله و قال
لقد علمت عك بصفين أننا إذا ما تلاقى الخيل نطعنها شزراو نحمل رايات القتال بحقها فنوردها بيضا و نصدرها حمرا(6/175)


قال و حمل عبد الله بن الطفيل البكائي على صفوف أهل الشام فلما انصرف حمل عليه رجل من بني تميم يقال له قيس بن فهد الحنظلي اليربوعي فوضع الرمح بين كتفي عبد الله فاعترضه يزيد بن معاوية البكائي ابن عم عبد الله بن الطفيل فوضع الرمح بين كتفي التميمي و قال و الله لئن طعنته لأطعننك فقال عليك عهد الله لئن رفعت السنان عن ظهر صاحبك لترفعنه عن ظهري قال نعم لك العهد و الميثاق بذلك فرفع السنان عن ظهر عبد الله فرفع يزيد السنان عن التميمي فوقف التميمي و قال ليزيد ممن أنت قال من بني عامر قال جعلني الله فداكم أينما لقيناكم كراما أما و الله إني لآخر أحد عشر رجلا من بني تميم قتلتموهم اليوم. قال نصر فبعد ذلك بدهر عتب يزيد على عبد الله بن الطفيل فأذكره ما صنع معه يوم صفين فقال شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 22أ لم ترني حاميت عنك مناصحا بصفين إذ خلاك كل حميم و نهنهت عنك الحنظلي و قد أتى على سابح ذي ميعة و هزيمقال نصر و خرج ابن مقيدة الحمار الأسدي و كان ذا بأس و شجاعة و هو من فرسان الشام فطلب البراز فقام المقطع العامري و كان شيخا كبيرا فقال علي ع له اقعد فقال يا أمير المؤمنين لا تردني إما أن يقتلني فأتعجل الجنة و أستريح من الحياة الدنيا في الكبر و الهرم أو أقتله فأريحك منه. و قال له ع ما اسمك فقال المقطع قال ما معنى ذلك قال كنت أدعى هشيما فأصابتني جراحة منكرة فدعيت المقطع منها فقال له ع اخرج إليه و أقدم عليه اللهم انصر المقطع على ابن مقيدة الحمار فحمل على ابن مقيدة الحمار فأدهشه لشدة الحملة فهرب و هو يتبعه حتى مر بمضرب معاوية حيث يراه و المقطع على أثره فجاوزا معاوية بكثير فلما رجع المقطع و رجع ابن مقيدة الحمار ناداه معاوية لقد شمص بك العراقي قال أما إنه قد فعل أيها الأمير ثم عاد المقطع فوقف في موقفه. قال نصر فلما كان عام الجماعة و بايع الناس معاوية سأل عن المقطع العامري حتى أدخل عليه و هو شيخ كبير فلما(6/176)


رآه قال آه لو لا أنك على مثل هذه الحال لما أفلت مني قال نشدتك الله إلا قتلتني و أرحتني من بؤس الحياة و أدنيتني إلى لقاء الله قال إني لا أقتلك و إن بي إليك لحاجة قال ما هي قال أحب أن تؤاخيني قال أنا و إياكم افترقنا في الله فلا نجتمع حتى يحكم الله بيننا في الآخرة. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 224قال فزوجني ابنتك قال قد منعتك ما هو أهون علي من ذلك قال فاقبل مني صلة قال لا حاجة لي فيما قبلك. قال فخرج من عنده و لم يقبل منه شيئا. قال نصر ثم التقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا واربت طيئ مع أمير المؤمنين ع حربا عظيما و تداعت و ارتجزت فقتل منها أبطال كثيرون و فقئت عين بشر بن العوس الطائي و كان من رجال طيئ و فرسانها فكان يذكر بعد ذلك أيام صفين فيقول وددت أني كنت قتلت يومئذ و وددت أن عيني هذه الصحيحة فقئت أيضا و قال
ألا ليت عيني هذه مثل هذه و لم امش بين الناس إلا بقائدو يا ليت رجلي ثم طنت بنصفها و يا ليت كفي ثم طاحت بساعدي و يا ليتني لم أبق بعد مطرف و سعد و بعد المستنير بن خالدفوارس لم تغد الحواضن مثلهم إذا هي أبدت عن خدام الخرائدقال نصر و أبلت محارب يومئذ مع أمير المؤمنين ع بلاء حسنا و كان عنتر بن عبيد بن خالد بن المحاربي أشجع الناس يومئذ فلما رأى أصحابه متفرقين ناداهم يا معشر قيس أ طاعة الشيطان أبر عندكم من طاعة الرحمن ألا إن الفرار فيه معصية الله و سخطه و إن الصبر فيه طاعة و رضوانه أ فتختارون سخط الله على رضوانه و معصيته على طاعته ألا إنما الراحة بعد الموت لمن مات محتسبا لنفسه ثم يرتجز فيقول
لا وألت نفس امرئ ولى الدبر أنا الذي لا أنثني و لا أفر(6/177)


شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 225و لا يرى مع المعازيل الغدو قاتل حتى ارتث. قال نصر و قاتلت النخع مع علي ع ذلك اليوم قتالا شديدا و قطعت رجل علقمة بن قيس النخعي و قتل أخوه أبي بن قيس فكان علقمة يقول بعد ما أحب أن رجلي أصح ما كانت لما أرجو بها من حسن الثواب و كان يقول لقد كنت أحب أن أبصر أخي في نومي فرأيته فقلت له يا أخي ما الذي قدمتم عليه فقال لي التقينا نحن و أهل الشام بين يدي الله سبحانه فاحتججنا عنده فحججناهم فما سررت بشي ء منذ عقلت سروري بتلك الرؤيا. قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن سويد بن حبة البصري عن الحضين بن المنذر الرقاشي قال إن ناسا أتوا عليا ع قبل الوقعة في هذا اليوم فقالوا له إنا لا نرى خالد بن المعمر السدوسي إلا قد كاتب معاوية و قد خشينا أن يلتحق به و يبايعه فبعث إليه علي ع و إلى رجال من أشراف ربيعة فجمعهم فحمد الله و أثنى عليه و قال يا معشر ربيعة أنتم أنصاري و مجيبو دعوتي و من أوثق أحياء العرب في نفسي و قد بلغني أن معاوية قد كاتب صاحبكم هذا و هو خالد بن المعمر و قد أتيت به و جمعتكم لأشهدكم عليه و تسمعوا مني و منه ثم أقبل عليه فقال يا خالد بن المعمر إن كان ما بلغني عنك حقا فإني أشهد من حضرني من المسلمين أنك آمن حتى تلحق بالعراق أو بالحجاز أو بأرض لا سلطان لمعاوية فيها و إن كنت مكذوبا عليك فأبر صدورنا بإيمان نطمئن إليها فحلف له شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 226خالد بالله ما فعل و قال رجال منا كثير الله يا أمير المؤمنين لو نعلم أنه فعل لقتلناه(6/178)


و قال شقيق بن ثور السدوسي ما وفق الله خالد بن المعمر حين ينصر معاوية و أهل الشام على علي و أهل العراق و ربيعة فقال له زياد بن خصفة يا أمير المؤمنين استوثق من ابن المعمر بالأيمان لا يغدر بك فاستوثق منه ثم انصرفوا. فلما تصاف الناس في هذا اليوم و حمل بعضهم على بعض تضعضعت ميمنة أهل العراق فجاءنا علي ع و معه بنوه حتى انتهى إلينا فنادى بصوت عال جهير لمن هذه الرايات فقلنا رايات ربيعة فقال بل هي رايات الله عصم الله أهلها و صبرهم و ثبت أقدامهم ثم قال لي و أنا حامل راية ربيعة يومئذ يا فتى أ لا تدني رايتك هذه ذراعا فقلت بلى و الله و عشرة أذرع ثم ملت بها هكذا فأدنيتها فقال لي حسبك مكانك. قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثني يزيد بن أبي الصلت التيمي قال سمعت أشياخ الحي من بني تيم بن ثعلبة يقولون كانت راية ربيعة كلها كوفيتها و بصريتها مع خالد بن المعمر السدوسي من ربيعة البصرة ثم نافسه في الراية شقيق بن ثور من بكر بن وائل من أهل الكوفة فاصطلحا على أن يوليا الراية لحضين بن المنذر الرقاشي و هو من أهل البصرة أيضا و قالوا هذا فتى له حسب تعطيه الراية إلى أن نرى رأينا و كان الحضين يومئذ شابا حدث السن.(6/179)

106 / 148
ع
En
A+
A-