علي ع و الله لأنا من ثبات رأس الرجل أشد تعجبا من الضربة و إن كان إليها ينتهي وصف الواصفين. و جاء أبو أيوب فوقف بين يدي علي ع فقال له أنت و الله كما قال الشاعر
و علمنا الضرب آباؤنا و نحن نعلم أيضا بنينا
قال نصر فلما انقضى هذا اليوم بما فيه أصبحوا في اليوم الثامن من صفين و الفيلقان متقابلان فخرج رجل من أهل الشام فسأل المبارزة فخرج إليه رجل من أهل العراق شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 215فاقتتلا بين الصفين قتالا شديدا ثم إن العراقي اعتنقه فوقعا جميعا و غار الفان ثم إن العراقي قهره فجلس على صدره و كشف المغفر عنه يريد ذبحه فإذا هو أخوه لأبيه و أمه فصاح به أصحاب علي ع ويحك أجهز عليه قال إنه أخي قالوا فاتركه قال لا و الله حتى يأذن أمير المؤمنين فأخبر علي ع بذلك فأرسل إليه أن دعه فتركه فقام فعاد إلى صف معاوية. قال نصر و حدثنا محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال كان فارس معاوية الذي يعده لكل مبارز و لكل عظيم حريث مولاه و كان يلبس سلاح معاوية متشبها به فإذا قاتل قال الناس ذاك معاوية و إن معاوية دعاه فقال له يا حريث اتق عليا و ضع رمحك حيث شئت فأتاه عمرو بن العاص فقال يا حريث إنك و الله لو كنت قرشيا لأحب لك معاوية أن تقتل عليا و لكن كره أن يكون لك حظها فإن رأيت فرصة فاقتحم قال و خرج علي ع في هذا اليوم أمام الخيل فحمل عليه حريث.
قال نصر فحدثني عمرو بن شمر عن جابر قال برز حريث مولى معاوية هذا اليوم و كان شديدا أيدا ذا بأس لا يرام فصاح يا علي هل لك في المبارزة فأقدم أبا حسن إن شئت فأقبل علي ع و هو يقول
أنا علي و ابن عبد المطلب نحن لعمر الله أولى بالكتب
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 216منا النبي المصطفى غير كذب أهل اللواء و المقام و الحجب نحن نصرناه على كل العثم خالطه فما أمهله أن ضربه ضربة واحدة فقطعه نصفين(6/170)
قال نصر فحدثنا محمد بن عبيد الله قال حدثني الجرجاني قال جزع معاوية على حريث جزعا شديدا و عاتب عمرا في إغرائه إياه بعلي ع و قال في ذلك شعرا
حريث أ لم تعلم و جهلك ضائر بأن عليا للفوارس قاهرو أن عليا لم يبارزه فارس من الناس إلا أقصدته الأظافرأمرتك أمرا حازما فعصيتني فجدك إذ لم تقبل النصح عاثرو دلاك عمرو و الحوادث جمة غرورا و ما جرت عليك المقادرو ظن حريث أن عمرا نصيحه و قد يهلك الإنسان من لا يحاذر
قال نصر فلما قتل حريث برز عمرو بن الحصين السكسكي فنادى يا أبا حسن هلم إلى المبارزة فأومأ ع إلى سعيد بن قيس الهمداني فبارزه فضربه بالسيف فقتله. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 21 و قال نصر و كان لهمدان بلاء عظيم في نصره علي ع في صفين و من الشعر الذي لا يشك أن قائله علي ع لكثرة الرواة له(6/171)
دعوت فلباني من القوم عصبة فوارس من همدان غير لئام فوارس من همدان ليسوا بعزل غداة الوغى من شاكر و شبام بكل رديني و عضب تخاله إذا اختلف الأقوام شعل ضرام لهمدان أخلاق كرام تزينهم و بأس إذا لاقوا و حد خصام و جد و صدق في الحروب و نجدة و قول إذا قالوا بغير متى تأتهم في دارهم تستضيفهم تبت ناعما في خدمة و طعام جزى الله همدان الجنان فإنها سمام العدا في كل يوم زحام فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلا قال نصر فحدثني عمرو بن شمر قال ثم قام علي ع بين الصفين و نادى يا معاوية يكررها فقال معاوية سلوه ما شأنه قال أحب أن يظهر لي فأكلمه كلمة واحدة فبرز معاوية و معه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو و قال لمعاوية ويحك علام يقتل الناس بيني و بينك و يضرب بعضهم بعضا ابرز إلي فأينا قتل صاحبه فالأمر له فالتفت معاوية إلى عمرو فقال ما ترى يا أبا عبد الله قال قد أنصفك الرجل و اعلم أنك إن نكلت عنه لم يزل سبه عليك و على عقبك ما بقي على ظهر الأرض عربي فقال معاوية يا ابن العاص ليس مثلي يخدع عن نفسه و الله ما بارز ابن أبي طالب شجاع قط إلا و سقي الأرض من دمه ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 218آخر الصفوف و عمرو معه فلما رأى علي ع ذلك ضحك و عاد إلى موقفه. قال نصر و في حديث الجرجاني أن معاوية قال لعمرو ويحك ما أحمقك تدعوني إلى مبارزته و دي عك و جذام و الأشعرون. قال نصر قال و حقدها معاوية على عمرو باطنا و قال له ظاهرا ما أظنك قلت ما قلته يا أبا عبد الله إلا مازحا فلما جلس معاوية مجلسه أقبل عمرو يمشي حتى جلس إلى جانبه فقال معاوية(6/172)
يا عمرو إنك قد قشرت لي العصا برضاك لي وسط العجاج برازي يا عمرو إنك قد أشرت بظنة حسب المبارز خطفة من بازي و لقد ظننتك قلت مزحة مازح و الهزل يحمله مقال الهازي فإذا الذي منتك نفسك حاكيا قتلي جزاك بما نويت الجازي و لقد كشفت قناعها مذمومة و لقد لبست بها ثياخازي
فقال عمرو أيها الرجل أ تجبن عن خصمك و تتهم نصيحك و قال مجيبا له
معاوي إن نكلت عن البراز و خفت فإنها أم المخازي معاوي ما اجترمت إليك ذنبا و لا أنا في الذي حدثت خازي شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 219و ما ذنبي بأن نادى علي و كبش القوم يدعى للبرازو لو بارزته بارزت ليثا حديد الناب يخطف كل بازي و تزعم أنني أضمرت غشا جزاني بالذي أضمرت جاو روى ابن قتيبة في كتابه المسمى عيون الأخبار قال قال أبو الأغر التميمي بينا أنا واقف بصفين مر بي العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب مكفرا بالسلاح و عيناه تبصان من تحت المغفر كأنهما عينا أرقم و بيده صفيحة يمانية يقلبها و هو على فرس له صعب فبينا هو يمغثه و يلين من عريكته هتف به هاتف من أهل الشام يعرف بعرار بن أدهم يا عباس هلم إلى البراز قال العباس فالنزول إذا فإنه إياس من القفول فنزل الشامي و هو يقول
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا أو تنزلون فإنا معشر نزل
و ثنى العباس رجله و هو يقول
و يصد عنك مخيلة الرجل العريض موضحة عن العظم بحسام سيفك أو لسانك و الكلم الأصيل كأرغب الكلمثم عصب فضلات درعه في حجزته و دفع فرسه إلى غلام له أسود يقال له أسلم شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 220كأني و الله أنظر إلى فلافل شعره ثم دلف كل واحد منهما إلى صاحبه فذكرت قول أبي ذؤيبفتنازلا و تواقفت خيلاهما و كلاهما بطل اللقاء مخدع(6/173)
و كفت الناس أعنة خيولهم ينظرون ما يكون من الرجلين فتكافحا بسيفيهما مليا من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لأمته إلى أن لحظ العباس وهنا في درع الشامي فأهوى إليه بيده فهتكه إلى ثندوته ثم عاد لمجاولته و قد أصحر له مفتق الدرع فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح صدره فخر الشامي لوجهه و كبر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض من تحتهم و سما العباس في الناس فإذا قائل يقول من ورائي قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ فالتفت فإذا أمير المؤمنين فقال لي يا أبا الأغر من المنازل لعدونا قلت هذا ابن أخيكم هذا العباس بن ربيعة فقال و إنه لهو يا عباس أ لم أنهك و ابن عباس أن تخلا بمراكزكما و أن تباشرا حربا قال إن ذلك كان قال فما عدا مما بدا قال يا أمير المؤمنين أ فأدعى إلى البراز فلا أجيب قال نعم طاعة إمامك أولى من إجابة عدوك ثم تغيظ و استطار حتى قلت الساعة الساعة ثم سكن و تطامن
و رفع يديه مبتهلا فقال اللهم اشكر للعباس مقامه و اغفر ذنبه إني قد غفرت له فاغفر له
قال و لهف معاوية على عرار و قال متى ينتطح فحل لمثله أ يطل دمه لاها الله إذا ألا رجل يشري نفسه لله يطلب بدم عرار فانتدب له رجلان من لخم شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 221فقال لهما اذهبا فأيكما قتل العباس برازا فله كذا فأتياه فدعواه للبراز فقال إن لي سيدا أريد أؤامره فأتى عليا ع فأخبره الخبر
فقال ع و الله لود معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في بطنه إطفاء لنور الله و يأبى الله إلا أن يتم نوره و لو كره المشركون أما و الله ليملكنهم منا رجال و رجال يسومونهم الخسف حتى يحتفروا الآبار و يتكففوا الناس و يتوكلوا على المساحي ثم قال يا عباس ناقلني سلاحك بسلاحي(6/174)