شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 209إنه لهذا الذي تراني قائما على رأسه قال و من أنت حياك الله قلت أنا عبد الرحمن بن مخنف فقال الشريف الكريم حياك الله و مرحبا بك يا ابن عم أ فلا تدفعه إلي فأنا عمه سفيان بن عوف بن المغفل فقلت مرحبا بك أما الآن فنحن أحق به منك و نا بدافعيه إليك و أما ما عدا ذلك فلعمري أنت عمه و وارثه. قال نصر حدثنا عمرو قال حدثنا الحارث بن حصين عن أشياخ الأزد أن مخنف بن سليم خطب لما ندبت أزد العراق إلى قتال أزد الشام فقال الحمد لله و الصلاة على محمد رسوله ثم قال إن من الخطب الجليل و البلاء العظيم إنا صرفنا إلى قومنا و صرفوا إلينا و الله ما هي إلا أيدينا نقطعها بأيدينا و ما هي إلا أجنحتنا نحذفها بأسيافنا فإن نحن لم نفعل لم نناصح صاحبنا و لم نواس جماعتنا و إن نحن فعلنا فعزنا آلمنا و نارنا أخمدنا. و قال جندب بن زهير الأزدي و الله لو كنا آباؤهم ولدناهم أو كانوا آباؤنا ولدونا ثم خرجوا عن جماعتنا و طعنوا على إمامنا و وازروا الظالمين الحاكمين بغير الحق على أهل ملتنا و ديننا ما افترقنا بعد إن اجتمعنا حتى يرجعوا عما هم عليه و يدخلوا فيما ندعوهم إليه أو تكثر القتلى بيننا و بينهم. فقال مخنف أعزبك الله في التيه و الله ما علمتك صغيرا و لا إلا كبيرا مشئوما و الله ما ميلنا في الرأي بين أمرين قط أيهما نأتي و أيهما ندع في جاهلية و لا إسلام شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 210إلا اخترت أعسرهما و أنكدهما اللهم أن تعافينا أحب إلي من أن تبتلينا اللهم أعط كل رجل منا ما سألك. فدم جندب بن زهير فبارز أزديا من أزد الشام فقتله الشامي. قال نصر و حدثنا عمرو عن الحارث بن حصين عن أشياخ الحي أن عتبة بن جويرة قال يوم صفين لأهله و أصحابه ألا إن مرعى الدنيا قد أصبح هشيما و أصبح شجرها حصيدا و جديدها سملا و حلوها مرا ألا و إني أنبئكم نبأ امرئ صادق أني قد سئمت الدنيا و عزفت نفسي عنها و لقد كنت أتمنى الشهادة و(6/165)


أتعرض لها في كل حين فأبى الله إلا أن يبلغني هذا اليوم إلا و إني متعرض ساعتي هذه لها و قد طمعت ألا أحرمها فما تنظرون عباد الله من جهاد أعداء الله أخوف الموت القادم عليكم الذاهب بنفوسكم أو من ضربة كف أو جبين بالسيف أ تستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه الله و مرافقة النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين في دار القرار ما هذا بالرأي السديد. ثم قال يا إخوتاه إني قد بعت هذه الدار بالدار التي أمامها و هذا وجهي إليها لا يبرح الله وجوهكم و لا يقطع أرحامكم. فتبعه أخواه عبد الله و عوف فقالا لا نطلب ورق العيش دونك قبح الله الدنيا بعدك اللهم إنا نحتسب أنفسنا عندك. فاستقدموا جميعا و قاتلوا حتى قتلوا. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 211قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثني رجل من آل الصلت بن خارجة أن تميما لما ذهبت لتهزذلك اليوم ناداهم مالك بن حري النهشلي ضاع الضراب اليوم و الذي إنا له عبد يا بني تميم فقالوا أ لا ترى الناس قد انهزموا فقال ويحكم أ فرارا و اعتذارا ثم نادى بالأحساب فجعل يكررها فقال له قوم منهم أ تنادي بنداء الجاهلية إن هذا لا يحل فقال الفرار ويلكم أقبح إن لم تقاتلوا على الدين و اليقين فقاتلوا على الأحساب ثم جعل يقاتل و يرتجز فيقول
إن تميما أخلفت عنك ابن مر و قد أراهم و هم الحي الصبرفإن يفروا أو يخيموا لا أفر
فقتل مالك ذلك اليوم أخوه نهشل بن حري التميمي يرثيه(6/166)


تطاول هذا الليل ما كاد ينجلي كليل التمام ما يريد انصراماو بت بذكرى مالك بكآبة أؤرق من بعد العشاء نياماأبى جزعي في مالك غير ذكره فلا تعذليني إن جزعت أمامافأبكي أخي ما دام صوت حمامة يؤرق من وادي البطاح حماماو أبعث أنواحا عليه بسحرة و تذرف عيناي الدموع سجاماو أدعو سراة الحي تبكي لمالك و أبعث نوحا يلتدمن قيامايقلن ثوى رب السماحة و الحجا و ذو عزة يأبى بها أن يضاماو فارس خيل لا تنازل خيله إذا اضطرمت نار العدو ضراماو أحيا عن الفحشاء من ذات كلة يرى ما يهاب الصالحون حراما
شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 212و أجرأ من ليث بخفان مخدر و أمضي إذا رام الرجال صدامو قال أيضا يرثيه
بكى الفتى الأبيض البهلول سنته عند النداء فلا نكسا و لا ورعابكى على مالك الأضياف إذ نزلوا حين الشتاء و عز الرسل فانقطعاو لم يجد لقراهم غير مربعة من العشار تزجي تحتها ربعاأهوى لها السيف صلتا و هي راتعة فأوهن السيف عظم الساق فانجذعافجاءهم بعد رفد الناس أطيبها و أشبعت منهم من نام و اضطجعايا فارس الروع يوم الروع قد علموا و صاحب العزم لا نكسا و لا طبعاو مدرك التبل في الأعداء يطلبه و إن طلبت بتبل عنده منعاقالوا أخوك أتى الناعي بمصرعه فانشق قلبي غدة القول فانصدعاثم ارعوى القلب شيئا بعد طربته و النفس تعلم أن قد أثبتت وجعا(6/167)


قال نصر و حدثنا عمرو قال حدثني يونس بن أبي إسحاق قال قال لنا أدهم شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 213بن محرز الباهلي و نحن معه بأذرح هل رأى أحد منكم شمر بن ذي الجوشن فقال عبد الله بن كبار النهدي و سعيد بن حازم البلوي نحن رأيناه قال فهل رأيتما ضربة بوجهه قالا ن قال أنا و الله ضربته تلك الضربة بصفين. قال نصر و حدثنا عمرو قال قد كان خرج أدهم بن محرز من أصحاب معاوية إلى شمر بن ذي الجوشن في هذا اليوم فاختلفا ضربتين فضربه أدهم على جبينه فأسرع فيه السيف حتى خالط العظم و ضربه شمر فلم يصنع شيئا فرجع إلى عسكره فشرب ماء و أخذ رمحا ثم أقبل و هو يقول(6/168)


إني زعيم لأخي باهله بطعنة إن لم أمت عاجله و ضربة تحت الوغى فاصله شبيهة بالقتل أو قاتلهثم حمل على أدهم و هو يعرف وجهه و أدهم ثابت له لم ينصرف فطعنه فوقع عن فرسه و حال أصحابه دونه فانصرف شمر و قال هذه بتلك. قال نصر و خرج سويد بن قيس بن يزيد الأرحبي من عسكر معاوية يسأل المبارزة فخرج إليه من عسكر العراق أبو العمرطة قيس بن عمرو بن عمير بن يزيد و هو ابن عم سويد و كان كل منهما لا يعرف صاحبه فلما تقاربا تعارفا و تواقفا و تساءلا و دعا كل واحد منهما صاحبه إلى دينه فقال أبو العمرطة أما أنا فو الله الذي لا إله إلا هو لئن استطعت لأضربن بسيفي هذه القبة البيضاء يعني القبة التي كان فيها معاوية ثم انصرف كل واحد منهما إلى أصحابه. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 214قال نصر ثم خرج رجل من عسكر الشام من أزد شنوءه يسأل المبارزة فخرج إليه رجل من أهل العراق فقتله الأزدي فخرج إليه الأشتر فما ألبثه أن قتله فقال قائل كان هذا ريحا فصارت إعصارا. قال نصر و قال رجل من أصحاب علي أما و الله لأحملن على معاوية حتى أقتله فركب فرسا ثم ضربه حتى قام على سنابكه ثم دفعه فلم ينهنهه شي ء عن الوقوف على رأس معاوية فهرب معاوية و دخل خباء فنزل الرجل عن فرسه و دخل عليه فخرج معاوية من جانب الخباء الآخر فخرج الرجل في أثره فاستصرخ معاوية بالناس فأاطوا به و حالوا بينهما فقال معاوية ويحكم إن السيوف لم يؤذن لها في هذا و لو لا ذلك لم يصل إليكم فعليكم بالحجارة فرضخوه بالحجارة حتى همد فعاد معاوية إلى مجلسه قال نصر و حمل رجل من أصحاب علي ع يدعى أبا أيوب و ليس بأبي أيوب الأنصاري على صف أهل الشام ثم رجع فوافق رجلا من أهل الشام صادرا قد حمل على صف أهل العراق ثم رجع فاختلفا ضربتين فنفحه أبو أيوب بالسيف فأبان عنقه فثبت رأسه على جسده كما هو و كذب الناس أن يكون هو ضربه فأرابهم ذلك حتى إذا أدخلته فرسه في صف أهل الشام ندر رأسه و وقع ميتا فقال(6/169)

104 / 148
ع
En
A+
A-