حتى نزلوا شامكم و بلادكم و بيضتكم و إنما عامتهم بين قاتل و خاذل فاستعينوا بالله و اصبروا فلقد ابتليتم أيتها الأمة و لقد رأيت في منامي في ليلتي هذه لكانا و أهل العراق اعتورنا مصحفا نضربه بسيوفنا و نحن في ذلك جميعا ننادي ويحكم الله و مع أنا و الله لا نفارق العرصة حتى نموت فعليكم بتقوى الله و لتكن النيات لله فإني
سمعت عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله ص يقول إنما يبعث المقتتلون على النيات
أفرغ الله علينا و عليكم الصبر و أعز لنا و لكم النصر و كان لنا و لكم في كل أمر و أستغفر الله لي و لكم. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 193قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن ابن عامر عن صعصعة العبدي عن أبرهة بن الصباح قال قام يزيد بن أسد البجلي في أهل الشام يخطب الن بصفين و عليه قباء من خز و عمامة سوداء آخذا بقائم سيفه واضعا نصل السيف في الأرض متوكئا عليه قال صعصعة فذكر لي أبرهة أنه كان يومئذ من أجمل العرب و أكرمها و أبلغها فقال الحمد لله الواحد الفرد ذي الطول و الجلال العزيز الجبار الحكيم الغفار الكبير المتعال ذي العطاء و الفعال و السخاء و النوال و البهاء و الجمال و المن و الإفضال مالك اليوم الذي لا بيع فيه و لا خلال أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء و في كل حال من شدة أو رخاء أحمده على نعمه التؤام و آلائه العظام حمدا يستنير بالليل و النهار و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة النجاة في الحياة و عند الوفاة و فيها الخلاص يوم القصاص و أشهد أن محمدا عبده و رسوله النبي المصطفى و إمام الهدى ص ثم كان من قضاء الله أن جمعنا و أهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض و الله يعلم أني كنت كارها لذلك و لكنهم لم يبلعونا ريقنا و لم يتركونا نرتاد لأنفسنا و ننظر لمعادنا حتى نزلوا بين أظهرنا و في حريمنا و بيضتنا و قد علمنا أن في القوم أحلاما و طغاما و لسنا نأمن من طغامهم على ذرارينا و نسائنا و لقد كنا نحب ألا(6/150)


نقاتل أهل ديننا فأخرجونا حتى صارت الأمور إلى أن قاتلناهم غدا حمية فإنا لله و إنا إليه راجعون و الحمد لله رب العالمين. شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 194أما و الذي بعث محمدا بالرسالة لوددت أني مت منذ سنة و لكن الله إذا أراد أمرا لم يستطع العباد رده فنستعين بالله العظيم و أستغفر الله لي و لكم. قال نصر و حدثنا عمرو عن أبي روق الهمدا أن يزيد بن قيس الأرحبي حرض أهل العراق بصفين يومئذ فقال إن المسلم السليم من سلم دينه و رأيه و إن هؤلاء القوم و الله ما أن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه و لا على إحياء حق رأونا أمتناه و لا يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا فيها جبابرة و ملوكا و لو ظهروا عليكم لا أراهم الله ظهورا و لا سرورا إذا لوليكم مثل سعيد و الوليد و عبد الله بن عامر السفيه يحدث أحدهم في مجلسه بذيت و ذيت و يأخذ مال الله و يقول لا إثم علي فيه كأنما أعطي تراثه من أبيه كيف إنما هو مال الله أفاءه علينا بأسيافنا و رماحنا قاتلوا عباد الله القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله و لا تأخذكم فيهم لومة لائم إنهم أن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم و دنياكم و هم من قد عرفتم و جربتم و الله ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرا و أستغفر الله العظيم لي و لكم. قال نصر و ارتجز عمرو بن العاص و أرسل بها إلى علي شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 19لا تأمننا بعدها أبا حسن إنا نمر الأمر إمرار الرسن
و يروى
خذها إليك و اعلمن أبا حسن
لتصبحن مثلها أم لبن طاحنة تدقكم دق الحفن
قال فأجابه شاعر من شعراء أهل العراق(6/151)


ألا احذروا في حربكم أبا حسن ليثا أبا شبلين محذور فطن يدقكم دق المهاريس الطحن لتغبنن يا جاهلا أي غبن حتى تغض الكف أو تقرع سقال نصر فحدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي أن أول فارسين التقيا في هذا اليوم و هو اليوم السابع من صفر و كان من الأيام العظيمة في صفين ذا أهوال شديدة حجر الخير و حجر الشر أما حجر الخير فهو حجر بن عدي صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع و أما حجر الشر فابن عمه كلاهما من كندة و كان من أصحاب معاوية فأطعنا برمحيهما و خرج رجل من بني أسد يقال له خزيمة من عسكر معاوية فضرب حجر بن عدي ضربة برمحه فحمل أصحاب علي ع فقتلوا خزيمة الأسدي و نجا حجر الشر هاربا فالتحق بصف معاوية ثم برز حجر الشر شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 6ثانية فبرز إليه الحكم بن أزهر من أهل العراق فقتله حجر الشر فخرج إليه رفاعة بن ظالم الحميري من صف العراق فقتله و عاد إلى أصحابه يقول الحمد لله الذي قتل حجر الشر بالحكم بن أزهر. ثم إن عليا ع دعا أصحابه إلى أن يذهب واحد منهم بمصحف كان في يده إلى أهل الشام فقال من يذهب إليهم فيدعوهم إلى ما في هذا المصحف فسكت الناس و أقبل فتى اسمه سعيد فقال أنا صاحبه فأعاد القول ثانية فسكت الناس و تقدم الفتى فقال أنا صاحبه فسلمه إليه فقبضه بيده ثم أتاهم فأنشدهم الله و دعاهم إلى ما فيه فقتلوه فقال علي ع لعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي احمل عليهم الآن فحمل عليهم بمن معه من أهل الميمنة و عليه يومئذ سيفان و درعان فجعل يضرب بسيفه قدما و يقول(6/152)


لم يبق غير الصبر و التوكل و الترس و الرمح و سيف مقصل ثم التمشي في الرعيل الأول مشى الجمال في حياض المنهلفلم يزل يحمل حتى انتهى إلى معاوية و الذين بايعوه إلى الموت فأمرهم أن يصمدوا لعبد الله بن بديل و بعث إلى حبيب بن مسلمة الفهري و هو في الميسرة أن يحمل عليه بجميع من معه و اختلط الناس و اضطرم الفيلقان ميمنة أهل العراق و ميسرة أهل الشام و أقبل عبد الله بن بديل يضرب الناس بسيفه قدما حتى أزال معاوية عن موقفه و جعل ينادي يا ثارات عثمان و إنما يعني أخا له قد قتل و ظن معاوية و أصحابه أنه يعني عثمان بن عفان و تراجع معاوية عن مكانه القهقرى كثيرا و أشفق على نفسه و أرسل إلى حبيب بن مسلمة مرة ثانية و ثالثة يستنجده و يستصرخه و يحمل حبيب حملة شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 197شديدة بميسرة معاوية على ميمنة العراق فكشفها حتى لم يبق مع ابن بديل إلا نحو مائة إنسان من القراء فاستند بعضهم إلى بعض يحمون أنفسهم و لجج ابن بديل في الناس و صمم على قتل معاوية و جعل يطلب موقفه و يصمد نحوه ى انتهى إليه و مع معاوية عبد الله بن عامر واقفا فنادى معاوية في الناس ويلكم الصخر و الحجارة إذا عجزتم عن السلاح فرضخه الناس بالصخر و الحجارة حتى أثخنوه فسقط فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه. و جاء معاوية و عبد الله بن عامر حتى وقفا عليه فأما عبد الله بن عامر فألقى عمامته على وجهه و ترحم عليه و كان له أخا صديقا من قبل فقال معاوية اكشف عن وجهه فقال لا و الله لا يمثل به و في روح فقال معاوية اكشف عن وجهه فإنا لا نمثل به قد وهبناه لك فكشف ابن عامر عن وجهه فقال معاوية هذا كبش القوم و رب الكعبة اللهم أظفرني بالأشتر النخعي و الأشعث الكندي و الله ما مثل هذا إلا كما قال الشاعر(6/153)


أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها و إن شمرت عن ساقها الحرب شمراو يحمي إذا ما الموت كان لقاؤه قدى الشبر يحمي الأنف أن يتأخراكليث هزبر كان يحمي ذماره رمته المنايا قصدها فتقطرا
ثم قال إن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلا عن رجالها لفعلت. قال نصر فحدثنا عمرو عن أبي روق قال استعلى أهل الشام عند قتل ابن بديل على أهل العراق يومئذ و انكشف أهل العراق من قبل الميمنة و أجفلوا إجفالا شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 198شديدا فأمر علي ع سهبن حنيف فاستقدم من كان معه ليرفد الميمنة و يعضدها فاستقبلهم جموع أهل الشام في خيل عظيمة فحملت عليهم فألحقتهم بالميمنة و كانت ميمنة أهل العراق متصلة بموقف علي ع في القلب في أهل اليمن فلما انكشفوا انتهت الهزيمة إلى علي ع فانصرف يمشي نحو الميسرة فانكشف مضر عن الميسرة أيضا فلم يبق مع علي ع من أهل العراق إلا ربيعة وحدها في الميسرة. قال نصر فحدثنا عمرو قال حدثنا مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال لقد مر علي ع يومئذ و معه بنوه نحو الميسرة و معه ربيعة وحدها و إني لأرى النبل يمر بين عاتقه و منكبيه و ما من بنيه إلا من يقيه بنفسه فيكره علي ع ذلك فيتقدم عليه و يحول بينه و بين أهل الشام و يأخذه بيده إذا فعل ذلك فيلقيه من ورائه و يبصر به أحمر مولى بني أمية و كان شجاعا و قال علي ع و رب الكعبة قتلني الله إن لم أقتلك فأقبل نحوه فخرج إليه كيسان مولى علي ع فاختلفا ضربتين فقتله أحمر و خالط عليا ليضربه بالسيف و ينتهزه علي فتقع يده في جيب درعه فجذبه عن فرسه فحمله على عاتقه فو الله لكأني أنظر إلى رجلي أحمر تختلفان على عنق علي ثم ضرب به الأرض فكسر منكبه و عضديه و شد ابنا علي حسين و محمد فضرباه بأسيافهما حتى برد فكأني أنظر إلى علي قائما و شبلاه يضربان الرجل حتى إذا أتيا عليه أقبلا على أبيهما و الحسن قائم معه فقال له علي يا بني ما منعك أن تفعل كما فعل أخواك فقال كفياني يا أمير(6/154)

101 / 148
ع
En
A+
A-