مُؤْمِنِينَ و لقد قاتلتهم مع النبي ص و الله ما هم في هذه بأزكى و لا أتقى و لا أبر انهضوا إلى عدو الله و عدوكم. قال نصر و حدثنا عمر بن سعد قال حدثني عبد الرحمن عأبي عمرو عن أبيه أن عليا ع خطب في ليلة هذا اليوم فقال معاشر المسلمين استشعروا الخشية و تجلببوا السكينة و عضوا على النواجذ فإنه أنبى للسيوف عن الهام... الفصل بطوله إلى آخره و هو المذكور في الكتاب.
و روى نصر أيضا بالإسناد المذكور أن عليا ع خطب ذلك اليوم و قال أيها الناس إن الله تعالى ذكره قد دلكم على تجارة تنجيكم من العذاب و تشفي بكم على الخير إيمان بالله و رسوله و جهاد في سبيله و جعل ثوابه مغفرة الذنوب و مساكن طيبة في جنات عدن و رضوان من الله أكبر و أخبركم بالذي يحب فقال إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص و قدموا الدارع و أخروا الحاسر و عضوا على الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام و أربط للجأش و أسكن للقلوب و أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل و أولى بالوقار و التووا في أطراف الرماح فإنه أمور للأسنة و رايتكم فلا تميلوها و لا تزيلوها و لا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم المانعي الذمار و الصبر عند نزول الحقائق أهل الحفاظ شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 188الذين يحفون برايتكم و ينفونها يضربون خلفها و أمامها و لا تضيعوها أجزاء كل امرئ وقذ قرنه و واسى أخاه بنفسه و لم يكل قرنه إلى أخيه فيجمع عليه قرنه و قرن أخيه فيكسب بذلك من الإثم و يأتي به دناءة أنى هذا و كيف يكون هكذا هذا يقاتل اثنين و هذا ممسك يده قد خلى قرنه إلى أخيه هاربا منه أو قائما ينظر إليه من يفعل هذا يمقته الله فلا تعرضوا لمقت الله فإنما مردكم إلى الله قال الله تعالى لقوم عابهم لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا(6/145)
قَلِيلًا و ايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة استعينوا بالصدق و الصبر فإنه بعد الصبر ينزل النصر
قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن مالك بن قدامة الأرحبي قال قام سعيد بن قيس يخطب أصحابه بقناصرين فقال الحمد لله الذي هدانا لدينه و أورثنا كتابه و امتن علينا بنبيه فجعله رحمة للعالمين و سيدا للمرسلين و قائدا للمؤمنين و خاتما للنبيين و حجة الله العظيم على الماضين و الغابرين ثم كان فيما قضى الله و قدره و له الحمد على ما أحببنا و كرهنا أن ضمنا و عدونا بقناصرين فلا يجمل بنا اليوم الحياص و ليس هذا بأوان انصراف و لات حين مناص و قد خصنا الله منه برحمة لا نستطيع أداء شكرها و لا نقدر قدرها إن أصحاب محمد المصطفين الأخيار معنا شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 189و في حيز فو الله الذي هو بالعباد بصير أن لو كان قائدنا رجلا مجدعا إلا أن معنا من البدريين سبعين رجلا لكان ينبغي لنا أن تحسن بصائرنا و تطيب أنفسنا فكيف و إنما رئيسنا ابن عم نبينا بدري صدق صلى صغيرا و جا مع نبيكم كثيرا و معاوية طليق من وثاق الإسار و ابن طليق ألا إنه أغوى جفاة فأوردهم النار و أوردهم العار و الله محل بهم الذل و الصغار ألا إنكم ستلقون عدوكم غدا فعليكم بتقوى الله من الجد و الحزم و الصدق و الصبر فإن الله مع الصابرين ألا إنكم تفوزون بقتلهم و يشقون بقتلكم و الله لا يقتل رجل منكم رجلا منهم إلا أدخل الله القاتل جنات عدن و أدخل المقتول نارا تلظى لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ عصمنا الله و إياكم بما عصم به أولياءه و جعلنا و إياكم ممن أطاعه و اتقاه و أستغفر الله العظيم لي و لكم و للمؤمنين. ثم قال الشعبي و لقد صدق فعله ما قال في خطبته. قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر و زيد بن الحسن قالا طلب معاوية إلى عمرو بن العاص أن يسوي صفوف أهل الشام فقال له عمرو على أن لي حكمي(6/146)
أن قتل الله ابن أبي طالب و استوثقت لك البلاد فقال أ ليس حكمك في مصر قال و هل مصر تكون عوضا عن الجنة و قتل ابن أبي طالب ثمنا لعذاب النار الذي لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ فقال معاوية إن لك حكمك أبا عبد الله إن قتل ابن أبي طالب رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك فقام عمرو شرح نهج البلاغة ج : 5 ص :90فقال معاشر أهل الشام سووا صفوفكم قص الشارب و أعيرونا جماجمكم ساعة فقد بلغ الحق مقطعه فلم يبق إلا ظالم أو مظلوم. قال نصر و أقبل أبو الهيثم بن التيهان و كان من أصحاب رسول الله ص بدريا نقيبا عقبيا يسوي صفوف أهل العراق و يقول يا معشر أهل العراق إنه ليس بينكم و بين الفتح في العاجل و الجنة في الآجل إلا ساعة من النهار فأرسوا أقدامكم و سووا صفوفكم و أعيروا ربكم جماجمكم استعينوا بالله إلهكم و جاهدوا عدو الله و عدوكم و اقتلوهم قتلهم الله و أبادهم و اصبروا فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين.(6/147)
قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الفضل بن أدهم عن أبيه أن الأشتر قام يخطب الناس بقناصرين و هو يومئذ على فرس أدهم مثل حلك الغراب فقال الحمد لله الذي خلق السموات العلى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء حمدا كثيرا بكرة و أصيلا من هداه الله فقد اهتدى و من يضلل فقد غوى أرسل محمدا بالصواب و الهدى فأظهره على الدين كله و لو كره المشركون صلى الله عليه و سلم ثم قد كان مما قضى الله سبحانه و قدر أن ساقتنا المقادير إلى أهل هذه البلدة من الأرض فلفت بيننا و بين عدو الله و عدونا فنحن بحمد الله و نعمه و منه و فضله قريرة أعيننا طيبة أنفسنا نرجو بقتالهم حسن الثواب و الأمن من العقاب معنا ابن عم نبينا و سيف من سيوف الله علي بن أبي طالب صلى مع رسول الله لم يسبقه إلى الصلاة شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 191ذكر حتى كان شيخا لم تكن له صبوة و لا نبوة و لا هفوة و لا سقطة فقيه في دين الله تعالى عالم بحدود الله ذو رأي أصيل و صبر جميل و عفاف قديم فاتقوا الله و عليكم بالحزم و الجد و اعلموا أنكم على الحق و أن القوم علالباطل إنما تقاتلون معاوية و أنتم مع البدريين قريب من مائة بدري سوى من حولكم من أصحاب محمد أكثر ما معكم رايات قد كانت مع رسول الله و مع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله فما يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب أنتم على إحدى الحسنيين إما الفتح و إما الشهادة عصمنا الله و إياكم بما عصم به من أطاعه و اتقاه و ألهمنا و إياكم طاعته و تقواه و أستغفر الله لي و لكم(6/148)
قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان عن زامل بن عمرو الجذامي قال طلب معاوية إلى ذي الكلاع أن يخطب الناس و يحرضهم على قتال علي ع و من معه من أهل العراق فعقد فرسه و كان من أعظم أصحاب معاوية خطرا و خطب الناس فقال الحمد لله حمدا كثيرا ناميا واضحا منيرا بكرة و أصيلا أحمده و أستعينه و أومن به و أتوكل عليه و كفى بالله وكيلا و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالفرقان إماما و بالهدى و دين الحق حين ظهرت المعاصي و درست الطاعة و امتلأت الأرض جورا و ضلالة و اضطرمت الدنيا نيرانا و فتنة و ورك عدو الله إبليس على أن يكون قد عبد في أكنافها و استولى على جميع أهلها فكان محمد ص هو الذي أطفأ الله به نيرانها و نزع به أوتادها و أوهن به شرح نهج البلاغة ج : 5 ص : 192قوى إبليس و آيسه مما كان قد طمع فيه من ظفره بهم أظهره على الدين كله و لو كره المشركون ثم كان من قضاء الله أن ضم بيننا و بين أهل ديننا بصفين و إنا لنعلم أن فيهم قوما قد كانت لهم مع رسول الله ص سابقة ذات شأن و خطر عظيم و لكني ضربت الأمر ظهرا و بطنا فلم أر يسعني أن يهدر دم عثمان صهر نبينا ص الذي جهز جيش العسرة و ألحق في مصلى رسول الله ص بيتا و بنى سقاية بايع له نبي الله بيده اليمنى على اليسرى و اختصه بكريمتيه أم كلثوم و رقية فإن كان قد أذنب ذنبا فقد أذنب من هو خير منه قال الله سبحانه لنبيه لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و قتل موسى نفسا ثم استغفر الله فغفر له و قد أذنب نوح ثم استغفر الله فغفر له و قد أذنب أبوكم آدم ثم استغفر الله فغفر له و لم يعر أحدكم من الذنوب و إنا لنعلم أنه قد كانت لابن أبي طالب سابقة حسنة مع رسول الله ص فإن لم يكن مالأ على قتل عثمان فلقد خذله و إنه لأخوه في دينه و ابن عمه و سلفه و ابن عمته ثم قد أقبلوا من عراقهم(6/149)