قال نصر ثم تكلم رؤساء القبائل فكل قال ما يراه و يهواه إما من الحرب أو من السلم فقام كردوس بن هانئ البكري فقال أيها الناس إنا و الله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه و لا تبرأنا من علي منذ توليناه و إن قتلانا لشهداء و إن أحياءنا لأبرار و إن عليا لعلى بينة من ربه و ما أحدث إلا الإنصاف فمن سلم له نجا و من خالفه هلك ثم قام شقيق بن ثور البكري فقال أيها الناس إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله فردوه علينا فقاتلناهم عليه و إنهم قد دعونا اليوم إليه فإن رددناه عليهم حل لهم منا ما حل لنا منهم و لسنا نخاف أن يحيف الله علينا و رسوله ألا إن عليا ليس بالراجع الناكس و لا الشاك الواقف و هو اليوم على ما كان عليه أمس و قد أكلتنا هذه الحرب و لا نرى البقاء إلا في الموادعة. قال نصر ثم إن أهل الشام لما أبطأ عنهم علم حال أهل العراق هل أجابوا إلى الموادعة أم لا جزعوا فقالوا يا معاوية ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه فأعدها جذعة فإنك قد غمرت بدعائك القوم و أطمعتهم فيك. فدعا معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص فأمره أن يكلم أهل العراق و يستعلم له ما عندهم فأقبل حتى إذا كان بين الصفين نادى يا أهل العراق أنا عبد الله بن شرح نهجلبلاغة ج : 2 ص : 221عمرو بن العاص إنه قد كانت بيننا و بينكم أمور للدين أو الدنيا فإن تكن للدين فقد و الله أعذرنا و أعذرتم و إن تكن للدنيا فقد و الله أسرفنا و أسرفتم و قد دعوناكم إلى أمر لو دعوتمونا إليه لأجبناكم فإن يجمعنا و إياكم الرضا فذاك من الله فاغتنموا هذه الفرصة عسى أن يعيش فيها المحترف و ينسى فيها القتيل فإن بقاء المهلك بعد الهالك قليل. فأجابه سعد بن قيس الهمداني فقال أما بعد يا أهل الشام إنه قد كانت بيننا و بينكم أمور حامينا فيها على الدين و الدنيا و سميتموها غدرا و سرفا و قد دعوتمونا اليوم إلى ما قاتلناكم عليه أمس و لم يكن ليرجع أهل العراق إلى عراقهم و أهل(3/196)
الشام إلى شامهم بأمر أجمل من أن يحكم فيه بما أنزل الله سبحانه فالأمر في أيدينا دونكم و إلا فنحن نحن و أنتم أنتم. فقام الناس إلى علي ع فقالوا له أجب القوم إلى المحاكمة قال و نادى إنسان من أهل الشام في جوف الليل بشعر سمعه الناس و هو
رءوس العراق أجيبوا الدعاء فقد بلغت غاية الشده و قد أودت الحرب بالعالمين و أهل الحفائظ و النجده فلسنا و لستم من المشركين و لا المجمعين على الرده و لكن أناس لقوا مثلهم لنا عدة و لكم ع شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 222فقاتل كل على وجهه يقحمه الجد و الحده فإن تقبلوها ففيها البقاء و أمن الفريقين و البلده و إن تدفعوها ففيها الفناء و كل بلاء إلى مده فحتى متى مخض هذا السقاء و لا بد أن تخرج الزبده ثلاثة رهط هم أهلها و إن يسكتوا تخمد الوقدهن قيس و كبش العراق و ذاك المسود من كنده
قال فأما المسود من كندة و هو الأشعث فإنه لم يرض بالسكوت بل كان من أعظم الناس قولا في إطفاء الحرب و الركون إلى الموادعة و أما كبش العراق و هو الأشتر فلم يكن يرى إلا الحرب و لكنه سكت على مضض و أما سعيد بن قيس فكان تارة هكذا و تارة هكذا. و ذكر ابن ديزيل الهمداني في كتاب صفين قال خرج عبد الرحمن بن خالد بن الوليد و معه لواء معاوية فارتجز فخرج إليه جارية بن قدامة السعدي فارتجز أيضا مجيبا له ثم اطعنا فلم يصنعا شيئا و انصرف كل واحد منهما عن صاحبه فقال عمرو بن العاص لعبد الرحمن اقحم يا ابن سيف الله فتقدم عبد الرحمن بلوائه و تقدم أصحابه فأقبل علي ع على الأشتر فقال له قد بلغ لواء معاوية حيث شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 223ترى فدونك القوم فأخذ الأشتر لواء علي ع و قالإني أنا الأشتر معروف الشتر إني أنا الأفعى العراقي الذكرلست ربيعيا و لست من مضر لكنني من مذحج الشم الغرر(3/197)
فضارب القوم حتى ردهم فانتدب له همام بن قبيصة الطائي و كان مع معاوية فشد عليه في مذحج فانتصر عدي بن حاتم الطائي للأشتر فحمل عليه في طي ء فاشتد القتال جدا فدعا علي ببغلة رسول الله ص فركبها ثم تعصب بعمامة رسول الله و نادى أيها الناس من يشري نفسه لله إن هذا يوم له ما بعده فانتدب معه ما بين عشرة آلاف إلى اثني عشر ألفا فتقدمهم علي ع و قال
دبوا دبيب النمل لا تفوتوا و أصبحوا أمركم أو بيتواحتى تنالوا الثأر أو تموتوا
. و حمل و حمل الناس كلهم حملة واحدة فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية فدعا معاوية بفرسه ليفر عليه. و كان معاوية بعد ذلك يحدث فيقول لما وضعت رجلي في الركاب ذكرت قول عمرو بن الإطنابة
أبت لي عفتي و أبى بلائي و أخذي الحمد بالثمن الربيح(3/198)
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 224و إقدامي على المكروه نفسي و ضربي هامة البطل المشيح و قولي كلما جشأت و جاشت مكانك تحمدي أو تستريفأخرجت رجلي من الركاب و أقمت و نظرت إلى عمرو فقلت له اليوم صبر و غدا فخر فقال صدقت. قال إبراهيم بن ديزيل روى عبد الله بن أبي بكر عن عبد الرحمن بن حاطب عن معاوية قال أخذت بمعرفة فرسي و وضعت رجلي في الركاب للهرب حتى ذكرت شعر ابن الإطنابة فعدت إلى مقعدي فأصبت خير الدنيا و إني لراج أن أصيب خير الآخرة. قال إبراهيم بن ديزيل فكان ذلك يوم الهرير ثم رفعت المصاحف بعده. و روى إبراهيم عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط قال شهدنا صفين فمطرت السماء علينا دما عبيطا. و قال و في حديث الليث بن سعد أن كانوا ليأخذونه بالصحاف و الآنية و في حديث ابن لهيعة حتى إن الصحاف و الآنية لتمتلئ و نهريقها. قال إبراهيم و روى عبد الرحمن بن زياد عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عمن حدثه ممن حضر صفين أنهم مطروا دما عبيطا فتلقاه الناس بالقصاع و الآنية و ذلك في يوم الهرير و فزع أهل الشام و هموا أن يتفرقوا فقام عمرو بن العاص فيهم فقال أيها الناس إنما هذه آية من آيات الله فأصلح امرؤ ما بينه و بين الله ثم لا عليه أن ينتطح هذان الجبلان فأخذوا في القتال شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 225قال إبراهيم و روى أبو عبد الله المكي قال حدثنا سفيان بن عاصم بن كليب الحارثي عن أبيه قال أخبرني ابن عباس قال لقد حدثني معاوية أنه كان يومئذ قد قرب إليه فرسا له أنثى بعيدة البطن من الأرض ليهرب عليها حتى أتاه آت من أهل العراق فل له إني تركت أصحاب علي في مثل ليلة الصدر من منى فأقمت قال فقلنا له فأخبرنا من هو ذلك الرجل فأبى و قال لا أخبركم من هو. قال نصر و إبراهيم أيضا و كتب معاوية إلى علي ع أما بعد فإن هذا الأمر قد طال بيننا و بينك و كل واحد منا يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه و لن يعطي واحد منا(3/199)
الطاعة للآخر و قد قتل فيما بيننا بشر كثير و أنا أتخوف أن يكون ما بقي أشد مما مضى و إنا سوف نسأل عن ذلك الموطن و لا يحاسب به غيري و غيرك و قد دعوتك إلى أمر لنا و لك فيه حياة و عذر و براءة و صلاح للأمة و حقن للدماء و ألفة للدين و ذهاب للضغائن و الفتن أن نحكم بيني و بينكم حكمين مرضيين أحدهما من أصحابي و الآخر من أصحابك فيحكمان بيننا بما أنزل الله فهو خير لي و لك و أقطع لهذه الفتن فاتق الله فيما دعيت إليه و ارض بحكم القرآن إن كنت من أهله و السلام.
فكتب إليه علي ع من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد فإن أفضل ما شغل به المرء نفسه اتباع ما حسن به فعله و استوجب فضله و سلم من عيبه شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 226و إن البغي و الزور يزريان بالمرء في دينه و دنياه فاحذر الدنيا فإنه فرح في شي ء وصلت إليه منها و لقد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته و قد رام قوم أمرا بغير الحق و تأولوه على الله جل و عز فأكذبهم و متعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ فاحذر يوما يغتبط فيه من حمد عاقبة عمله و يندم فيه من أمكن الشيطان من قياده و لم يحاده و غره الدنيا و اطمأن إليها ثم إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن و لقد علمت أنك لست من أهل القرآن و لا حكمه تريد و الله المستعان فقد أجبنا القرآن إلى حكمه و لسنا إياك أجبنا و من لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالا بعيدا
فكتب معاوية إلى علي ع أما بعد عافانا الله و إياك فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا و ألفة بيننا و قد فعلت الذي فعلت و أنا أعرف حقي و لكني اشتريت بالعفو صلاح الأمة و لم أكثر فرحا بشي ء جاء و لا ذهب و إنما أدخلني في هذا الأمر القيام بالحق فيما بين الباغي المبغي عليه و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فدعوت إلى كتاب الله فيما بيننا و بينك فإنه لا يجمعنا و إياك إلا هو نحيي ما أحيا القرآن و نميت ما أمات القرآن و السلام.(3/200)