قال فيه أمير المؤمنين ع كان الأشتر لي كما كنت لرسول الله ص
قال نصر و روى الشعبي عن صعصعة قال و قد كان الأشعث بن قيس بدر منه قول ليلة الهرير نقله الناقلون إلى معاوية فاغتنمه و بنى عليه تدبيره و ذلك أن الأشعث خطب أصحابه من كندة تلك الليلة فقال الحمد لله أحمده و أستعينه و أومن به و أتوكل عليه و أستنصره و أستغفره و أستجيره و أستهديه و أستشيره و أستشهد به فإن من هداه الله فلا مضل له و من يضلل الله فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله ص. ثم قال قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي و ما قد فني فيه من العرب فو الله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط ألا فليبلغ الشاهد الغائب إنا نحن إن تواقفنا غدا إنه لفناء العرب و ضيعة الحرمات أما و الله ما أقول هذه المقالة جزعا من الحرب و لكني رجل مسن أخاف على النساء و الذراري غدا إذا فنينا اللهم إنك تعلم أني قد نظرت لقومي و لأهل ديني فلم آل و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب و الرأي يخطئ و يصيب شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 215و إذا قضى الله أمرا أمضاه على ما أحب العباد أو كرهوا أقول قولي هذا و أستغفر الله العظيم لي و لكم. قال الشعبي قال صعة فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث فقال أصاب و رب الكعبة لئن نحن التقينا غدا لتميلن على ذراري أهل الشام و نسائهم و لتميلن فارس على ذراري أهل العراق و نسائهم إنما يبصر هذا ذوو الأحلام و النهى ثم قال لأصحابه اربطوا المصاحف على أطراف القنا. فثار أهل الشام في سواد الليل ينادون عن قول معاوية و أمره يا أهل العراق من لذرارينا إن قتلتمونا و من لذراريكم إذا قتلناكم الله الله في البقية و أصبحوا و قد رفعوا المصاحف على رءوس الرماح و قد قلدوها الخيل و الناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه و مصحف دمشق الأعظم يحمله(3/191)
عشرة رجال على رءوس الرماح و هم ينادون كتاب الله بيننا و بينكم. و أقبل أبو الأعور السلمي على برذون أبيض و قد وضع المصحف على رأسه ينادي يا أهل العراق كتاب الله بيننا و بينكم. قال فجاء عدي بن حاتم الطائي فقال يا أمير المؤمنين إنه لم يصب منا عصبة إلا و قد أصيب منهم مثلها و كل مقروح و لكنا أمثل بقية منهم و قد جزع القوم و ليس بعد الجزع إلا ما نحب فناجزهم. و قام الأشتر فقال يا أمير المؤمنين إن معاوية لا خلف له من رجاله و لكن شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 216بحمد الله لك الخلف و لو كان له مثل رجالك لم يكن له مثل صب و لا نصرك فاقرع الحديد بالحديد و استعن بالله الحميد. ثم قام عمرو بن الحمق فقال يا أمير المؤمنين إنا و الله ما أجبناك و لا نصرناك على الباطل و لا أجبنا إلا الله و لا طلبنا إلا الحق و لو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا إليه لاستشرى فيه اللجاج و طالت فيه النجوى و قد بلغ الحق مقطعه و ليس لنا معك رأي. فقام الأشعث بن قيس مغضبا فقال يا أمير المؤمنين إنا لك اليوم على ما كنا عليه أمس و ليس آخر أمرنا كأوله و ما من القوم أحد أحنى على أهل العراق و لا أوتر لأهل الشام مني فأجب القوم إلى كتاب الله عز و جل فإنك أحق به منهم و قد أحب الناس البقاء و كرهوا القتال. فقال علي ع هذا أمر ينظر فيه. فتنادى الناس من كل جانب الموادعة.
فقال علي ع أيها الناس إني أحق من أجاب إلى كتاب الله و لكن معاوية و عمرو بن العاص و ابن أبي معيط و ابن أبي سرح و ابن مسلمة ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن إني أعرف بهم منكم صحبتهم صغارا و رجالا فكانوا شر صغار و شر رجال ويحكم إنها كلمة حق يراد بها باطل إنهم ما رفعوها أنهم يعرفونها و يعملون بها و لكنها الخديعة و الوهن و المكيدة أعيروني سواعدكم و جماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه و لم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا(3/192)
فجاءه من أصحابه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكي السلاح سيوفهم على شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 217عواتقهم و قد اسودت جباههم من السجود يتقدمهم مسعر بن فدكي و زيد بن حصين و عصابة من القراء الذين صاروا خوارج من بعد فنادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين يا علي أ القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه و إلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان فو الله لنفعلنها إن لم تجبهم فقال لهم ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله و أول من أجاب إليه و ليس يحل لي و لا يسعني في ديني أن أدعى إلى كتاب الله فلا أقبله إني إنما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم و نقضوا عهده و نبذوا كتابه و لكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم و أنهم ليس العمل بالقرآن يريدون قالوا فابعث إلى الأشتر ليأتينك و قد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير أشرف على عسكر معاوية ليدخله. قال نصر فحدثني فضيل بن خديج عن رجل من النخع قال سأل مصعب إبراهيم بن الأشتر عن الحال كيف كانت فقال كنت عند علي ع حين بعث إلى الأشتر ليأتيه و قد كان الأشتر أشرف على معسكر معاوية ليدخله فأرسل إليه علي ع يزيد بن هانئ أن ائتني فأتاه فأبلغه فقال الأشتر ائته فقل له ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 218إني قد رجوت الفتح فلا تعجلني فرجع يزيد بن هانئ إلى علي ع فأخبره فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج و علت الأصوات من قبل الأشتر و ظهرت دلائل الفتح و النصر لأهل العراق و دلائل الخذلان و الإدبار على أهل الش فقال القوم لعلي و الله ما نراك أمرته إلا بالقتال قال أ رأيتموني ساررت رسولي إليه أ ليس إنما كلمته على رءوسكم علانية و أنتم تسمعون قالوا فابعث إليه فليأتك و إلا فو الله اعتزلناك فقال ويحك يا يزيد قل له أقبل إلي فإن الفتنة قد وقعت فأتاه فأخبره فقال الأشتر أ برفع هذه المصاحف قال نعم قال أما و الله لقد ظننت أنها حين رفعت(3/193)
ستوقع خلافا و فرقة إنها مشورة ابن النابغة ثم قال ليزيد بن هانئ ويحك أ لا ترى إلى الفتح أ لا ترى إلى ما يلقون أ لا ترى الذي يصنع الله لنا أ ينبغي أن ندع هذا و ننصرف عنه فقال له يزيد أ تحب أنك ظفرت هاهنا و أن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه و يسلم إلى عدوه قال سبحان الله لا و الله لا أحب ذلك قال فإنهم قد قالوا له و حلفوا عليه لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا عثمان أو لنسلمنك إلى عدوك. فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح يا أهل الذل و الوهن أ حين علوتم القوم و ظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها و قد و الله تركوا ما أمر الله به فيها و تركوا سنة من أنزلت عليه فلا تجيبوهم أمهلوني فواقا فإني شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 219قد أحسست بالفتح قالوا لا نمهلقال فأمهلوني عدوة الفرس فإني قد طمعت في النصر قالوا إذن ندخل معك في خطيئتك. قال فحدثوني عنكم و قد قتل أماثلكم و بقي أراذلكم متى كنتم محقين أ حين كنتم تقتلون أهل الشام فأنتم الآن حين أمسكتم عن قتالهم مبطلون أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقون فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم و أنهم خير منكم في النار قالوا دعنا منك يا أشتر قاتلناهم في الله و ندع قتالهم في الله إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا فقال خدعتم و الله فانخدعتم و دعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم يا أصحاب الجباه السود كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا و شوقا إلى لقاء الله فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ألا فقبحا يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم براءين بعدها عزا أبدا فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. فسبوه و سبهم و ضربوا بسياطهم وجه دابته و ضرب بسوطه وجوه دوابهم و صاح بهم علي ع فكفوا و قال الأشتر يا أمير المؤمنين احمل الصف على الصف تصرع القوم فتصايحوا أن أمير المؤمنين قد قبل الحكومة و رضي بحكم القرآن فقال الأشتر إن كان أمير المؤمنين قد قبل(3/194)
و رضي فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين فأقبل الناس يقولون قد رضي أمير المؤمنين قد قبل أمير المؤمنين و هو ساكت لا يبض بكلمة مطرق إلى الأرض. ثم قال فسكت الناس كلهم
فقال أيها الناس إن أمري لم يزل معكم على ما أحب إلى أن أخذت منكم الحرب و قد و الله أخذت منكم و تركت و أخذت من عدوكم فلم تترك و إنها فيهم أنكى و أنهك ألا إني كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 220مأمورا و كنت ناهيا فأصبحت منهيا ود أحببتم البقاء و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون ثم قعد(3/195)