قال فرجع الرجل و هو يسترجع و زحف الناس بعضهم إلى بعض فارتموا بالنبل و الحجارة حتى فنيت ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت و اندقت ثم مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيوف و عمد الحديد فلم يسمع السامعون إلا وقع الحديد بعضه على بعض لهو أشد هولا في صدور الرجال من الصواعق و من جبال تهامة يدك بعضها بعضا و انكسفت الشمس بالنقع و ثار القتام و القسطل و ضلت الألوية و الرايات و أخذ الأشتر يسير فيما بين الميمنة و الميسرة فيأمر كل قبيلة أو كتيبة من القراء بالإقدام على التي تليها فاجتلدوا بالسيوف و عمد الحديد من صلاة الغداة من اليوم المذكور إلى نصف الليل لم يصلوا لله صلاة فلم يزل الأشتر يفعل ذلك حتى أصبح و المعركة خلف ظهره و افترقوا عن سبعين ألف قتيل في ذلك اليوم و تلك الليلة و هي ليلة الهرير المشهورة و كان الأشتر في ميمنة الناس و ابن عباس في الميسرة و علي ع في القلب و الناس يقتتلون. ثم استمر القتال من نصف الليل الثاني إلى ارتفاع الضحى و الأشتر يقول لأصحابه شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 209و هو يزحف بهم نحو أهل الشام ازحفوا قيد رمحي هذا و يلقي رمحه فإذا فعلوا ذلك قال ازحفوا قاب هذا القوس فإذا فعلوا ذلك سألهم مثل ذلك حتى مل أكثر الناس منلإقدام فلما رأى ذلك قال أعيذكم بالله أن ترضعوا الغنم سائر اليوم ثم دعا بفرسه و ركز رايته و كانت مع حيان بن هوذة النخعي و سار بين الكتائب و هو يقول أ لا من يشتري نفسه لله و يقاتل مع الأشتر حتى يظهر أو يلحق بالله فلا يزال الرجل من الناس يخرج إليه فيقاتل معه. قال نصر و حدثني عمرو قال حدثني أبو ضرار قال حدثني عمار بن ربيعة قال مر بي الأشتر فأقبلت معه حتى رجع إلى المكان الذي كان به فقام في أصحابه فقال شدوا فدا لكم عمي و خالي شدة ترضون بها الله و تعرزون بها الدين إذا أنا حملت فاحملوا ثم نزل و ضرب وجه دابته و قال لصاحب رايته أقدم فتقدم بها ثم شد على القوم و شد معه أصحابه فضرب(3/186)


أهل الشام حتى انتهى بهم إلى معسكرهم فقاتلوا عند المعسكر قتالا شديدا و قتل صاحب رايتهم و أخذ علي ع لما رأى الظفر قد جاء من قبله يمده بالرجال.
و روى نصر عن رجاله قال لما بلغ القوم إلى ما بلغوا إليه قام علي ع خطيبا فحمد الله و أثنى عليه و قال شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 210أيها الناس قد بلغ بكم الأمر و بعدوكم ما قد رأيتم و لم يبق منهم إلا آخر نفس و إن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها و قد صبر م القوم على غير دين حتى بلغنا منهم ما بلغنا و أنا غاد عليهم بالغداة أحاكمهم إلى الله
قال فبلغ ذلك معاوية فدعا عمرو بن العاص و قال يا عمرو إنما هي الليلة حتى يغدو علي علينا بالفيصل فما ترى. قال إن رجالك لا يقومون لرجاله و لست مثله هو يقاتلك على أمر و أنت تقاتله على غيره أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء و أهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم و أهل الشام لا يخافون عليا إن ظفر بهم و لكن ألق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا و إن ردوه اختلفوا ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك و بينهم فإنك بالغ به حاجتك في القوم و إني لم أزل أؤخر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه. فعرف معاوية ذلك و قال له صدقت.(3/187)


قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر بن عمير الأنصاري قال و الله لكأني أسمع عليا يوم الهرير و ذلك بعد ما طحنت رحى مذحج فيما بينها و بين عك و لخم و جذام و الأشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي حتى استقلت الشمس و قام قائم الظهر و علي ع يقول لأصحابه حتى متى نخلي بين هذين الحيين قد فنيا و أنتم وقوف تنظرون أ ما تخافون مقت الله ثم انفتل إلى القبلة و رفع شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 211يديه إلى الله عز و جل و نادى يا الله يا رحمان يا رحيم يا واحد يا أحد يا صمد يا الله يا إله محمد اللهم إليك نقلت الأقدام و أفضت القلوو رفعت الأيدي و مدت الأعناق و شخصت الأبصار و طلبت الحوائج اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا و كثرة عدونا و تشتت أهوائنا ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين سيروا على بركة الله ثم نادى لا إله إلا الله و الله أكبر كلمة التقوى
قال فلا و الذي بعث محمدا بالحق نبيا ما سمعنا رئيس قوم منذ خلق الله السموات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنيا
فيقول معذرة إلى الله و إليكم من هذا لقد هممت أن أفلقه و لكن يحجزني عنه أني سمعت رسول الله ص يقول لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي و أنا أقاتل به دونه ص(3/188)


قال فكنا نأخذه فنقومه ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصف فلا و الله ما ليث بأشد نكاية منه في عدوه ع. قال نصر فحدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال سمعت تميم بن حذيم يقول لما أصبحنا من ليلة الهرير نظرنا فإذا أشباه الرايات أمام أهل الشام في وسط الفيلق شرح هج البلاغة ج : 2 ص : 212حيال موقف علي و معاوية فلما أسفرنا إذا هي المصاحف قد ربطت في أطراف الرماح و هي عظام مصاحف العسكر و قد شدوا ثلاثة أرماح جميعا و ربطوا عليها مصحف المسجد الأعظم يمسكه عشرة رهط. قال نصر و قال أبو جعفر و أبو الطفيل استقبلوا عليا بمائة محف و وضعوا في كل مجنبة مائتي مصحف فكان جميعها خمسمائة مصحف. قال أبو جعفر ثم قام الطفيل بن أدهم حيال علي ع و قام أبو شريح الجذامي حيال الميمنة و قام ورقاء بن المعمر حيال الميسرة ثم نادوا يا معشر العرب الله الله في النساء و البنات و الأبناء من الروم و الأتراك و أهل فارس غدا إذا فنيتم الله الله في دينكم هذا كتاب الله بيننا و بينكم.
فقال علي ع اللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون فاحكم بيننا و بينهم إنك أنت الحكم الحق المبين
فاختلف أصحاب علي ع في الرأي فطائفة قالت القتال و طائفة قالت المحاكمة إلى الكتاب و لا يحل لنا الحرب و قد دعينا إلى حكم الكتاب فعند ذلك بطلت الحرب و وضعت أوزارها.(3/189)


قال نصر و حدثنا عمرو بن شمر عن جابر قال حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين قال لما كان اليوم الأعظم قال أصحاب معاوية و الله لا نبرح اليوم العرصة حتى نموت أو يفتح لنا و قال أصحاب علي ع لا نبرح اليوم العرصة حتى نموت أو يفتح لنا فبادروا القتال غدوة في يوم من أيام الشعرى طويل شديد شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 213الحر فتراموا حتى فنيت النبال و تطاعنوا حتى تقصفت الرماح ثم نزل القوم عن خيولهم و مشى بعضهم إلى بعض بالسيوف حتى كسرت جفونها و قام الفرسان في الركب ثم اضطربوا بالسيوف و بعمد الحديد فلم يسمع السامعون إلاغمغم القوم و صليل الحديد في الهام و تكادم الأفواه و كسفت الشمس و ثار القتام و ضلت الألوية و الرايات و مرت مواقيت أربع صلوات ما يسجد فيهن لله إلا تكبيرا و نادت المشيخة في تلك الغمرات يا معشر العرب الله الله في الحرمات من النساء و البنات قال جابر فبكى أبو جعفر و هو يحدثنا بهذا الحديث
قال نصر و أقبل الأشتر على فرس كميت محذوف و قد وضع مغفره على قربوس السرج و هو ينادي اصبروا يا معشر المؤمنين فقد حمي الوطيس و رجعت الشمس من الكسوف و اشتد القتال و أخذت السباع بعضها بعضا فهم كما قال الشاعر
مضت و استأخر القرعاء عنها و خلي بينهم إلا الوريع
قال يقول واحد لصاحبه في تلك الحال أي رجل هذا لو كانت له نية فيقول له صاحبه و أي نية أعظم من هذه ثكلتك أمك و هبلتك إن رجلا كما ترى قد سبح في الدم و ما أضجرته الحرب و قد غلت هام الكماة من الحر و بلغت القلوب الحناجر و هو كما تراه جزعا يقول هذه المقالة اللهم لا تبقنا بعد هذا. قلت لله أم قامت عن الأشتر لو أن إنسانا يقسم أن الله تعالى ما خلق في العرب شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 214و لا في العجم أشجع منه إلا أستاذه ع لما خشيت عليه الإثم و لله در القائل و قد سئل عن الأشتر ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام و هزم مه أهل العراق. و بحق ما(3/190)

97 / 150
ع
En
A+
A-