و روى محمد بن فضيل بن غزوان قال قيل لعلي ع كم تتصدق كم تخرج مالك أ لا تمسك قال إني و الله لو أعلم أن الله تعالى قبل مني فرضا واحدا لأمسكت و لكني و الله ما أدري أ قبل مني سبحانه شيئا أم لا
روى عنبسة العابد عن عبد الله بن الحسين بن الحسن قال أعتق علي ع في حياة رسول الله ص ألف مملوك مما مجلت يداه و عرق جبينه و لقد ولي الخلافة و أتته الأموال فما كان حلواه إلا التمر و لا ثيابه إلا الكرابيس
و روى العوام بن حوشب عن أبي صادق قال تزوج علي ع ليلى بنت مسعود النهشلية فضربت له في داره حجلة فجاء فهتكها و قال حسب أهل علي ما هم فيه
و روى حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد ع قال ابتاع علي ع في خلافته قميصا سملا بأربعة دراهم ثم دعا الخياط فمد كم القميص و أمره بقطع ما جاوز الأصابع
و إنما ذكرنا هذه الأخبار و الروايات و إن كانت خارجة عن مقصد الفصل لأن الحال اقتضى ذكرها من حيث أردنا أن نبين أن أمير المؤمنين ع لم يكن شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 203يذهب في خلافته مذهب الملوك الذين يصانعون بالأموال و يصرفونها في مصالح ملكهم و ملاذ أنفسهم أنه لم يكن من أهل الدنيا و إنما كان رجلا متألها صاحب حق لا يريد بالله و رسوله بدلا. و
روى علي بن محمد بن أبي يوسف المدائني أن طائفة من أصحاب علي ع مشوا إليه فقالوا يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال و فضل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش على الموالي و العجم و استمل من تخاف خلافه من الناس و فراره و إنما قالوا له ذلك لما كان معاوية يصنع في المال فقال لهم أ تأمرونني أن أطلب النصر بالجور لا و الله لا أفعل ما طلعت شمس و ما لاح في السماء نجم و الله لو كان المال لي لواسيت بينهم فكيف و إنما هي أموالهم ثم سكت طويلا واجما ثم قال الأمر أسرع من ذلك قالها ثلاثا(3/181)
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 35204- و من خطبة له ع بعد التحكيمالْحَمْدُ لِلَّهِ وَ إِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ وَ الْحَدَثِ الْجَلِيلِ وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَهٌ غَيْرُهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ ص أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ وَ تُعْقِبُ النَّدَامَةَ وَ قَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي وَ نَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ وَ الْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ وَ ضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ فَكُنْتُ أَنَا وَ إِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ
أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ
الخطب الفادح الثقيل و نخلت لكم أي أخلصته من نخلت الدقيق بالمنخل. و قوله الحمد لله و إن أتى الدهر أي أحمده على كل حال من السراء و الضراء. و قوله لو كان يطاع لقصير أمر فهو قصير صاحب جذيمة و حديثة مع جذيمة و مع الزباء مشهور فضرب المثل لكل ناصح يعصى بقصير. شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 205و قوله حتى ارتاب الناصح بنصحه و ضن الزند بقدحه يشير إلى نفسه يقول خالفتموني حتى ظننت أن النصح الذي نصحتكم به غير نصح و لإطباقكم و إجماعكم على خلافي و هذا حق لأن ذا الرأي الصواب إذا كثر مخالفوه يشك في نفسه. و أما ضن الزند بقدحه عناه أنه لم يقدح لي بعد ذلك رأي صالح لشدة ما لقيت منكم من الإباء و الخلاف و العصيان و هذا أيضا حق لأن المشير الناصح إذا اتهم و استغش عمي قلبه و فسد رأيه. و أخو هوازن صاحب الشعر هو دريد بن الصمة و الأبيات مذكورة في الحماسة و أولها(3/182)
نصحت لعارض و أصحاب عارض و رهط بني السوداء و القوم شهدي فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسردأمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدفلما عصوني كنت منهم و قد أرى غوايتهم و أنني غير مهتدو ما أنا إلا من غزية إن غوت غويت و إن ترشد زية أرشد
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 206و هذه الألفاظ من خطبة خطب بها ع بعد خديعة ابن العاص لأبي موسى و افتراقهما و قبل وقعة النهروانقصة التحكيم ثم ظهور أمر الخوارج(3/183)
و يجب أن نذكر في هذا الفصل أمر التحكيم كيف كان و ما الذي دعا إليه فنقول إن الذي دعا إليه طلب أهل الشام له و اعتصامهم به من سيوف أهل العراق فقد كانت أمارات القهر و الغلبة لاحت و دلائل النصر و الظفر وضحت فعدل أهل الشام عن القراع إلى الخداع و كان ذلك برأي عمرو بن العاص. و هذه الحال وقعت عقيب ليلة الهرير و هي الليلة العظيمة التي يضرب بها المثل. و نحن نذكر ما أورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين في هذا المعنى فهو ثقة ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى و لا إدغال و هو من رجال أصحاب الحديث قال نصر حدثنا عمرو بن شمر قال حدثني أبو ضرار قال حدثني عمار بن ربيعة قال غلس علي ع بالناس صلاة الغداة يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول سنة سبع و ثلاثين و قيل عاشر شهر صفر ثم زحف إلى أهل الشام بعسكر العراق و الناس على راياتهم و أعلامهم و زحف إليهم أهل الشام و قد كانت الحرب أكلت الفريقين و لكنها شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 207في أهل الشام أشد نكاية و أعظم وقعا فقد ملوا الحرب و كرهوا القتال و تضعضعت أركانهم. قال فخرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب عليه السلاح لا يرى منه إلا عيناه و بيده الرمح فجعل يضرب رءوس أهل العراق بالقناة و يقول سو صفوفكم رحمكم الله حتى إذا عدل الصفوف و الرايات استقبلهم بوجهه و ولى أهل الشام ظهره ثم حمد الله و أثنى عليه و قال الحمد لله الذي جعل فينا ابن عم نبيه أقدمهم هجرة و أولهم إسلاما سيف من سيوف الله على أعدائه فانظروا إذا حمي الوطيس و ثار القتام و تكسر المران و جالت الخيل بالأبطال فلا أسمع إلا غمغمة أو همهمة فاتبعوني و كونوا في أثري. ثم حمل على أهل الشام فكسر فيهم رمحه ثم رجع فإذا هو الأشتر.(3/184)
قال و خرج رجل من أهل الشام فنادى بين الصفين يا أبا الحسن يا علي ابرز إلي فخرج إليه علي ع حتى اختلفت أعناق دابتيهما بين الصفين فقال إن لك يا علي لقدما في الإسلام و الهجرة فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء و تأخر هذه الحروب حتى ترى رأيك قال و ما هو قال ترجع إلى شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 208عراقك فنخلي بينك و بين العراق و نرجع نحن إلى شامنا فتخلي بيننا و بين الشام فقال علي ع قد عرفت ما عرضت إن هذه لنصيحة و شفقة و لقد أهمني هذا الأمر و أسهرني و ضربت أنفه و عينه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما زل الله على محمد إن الله تعالى ذكره لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض و هم سكوت مذعنون لا يأمرون بمعروف و لا ينهون عن منكر فوجدت القتال أهون علي من معالجة في الأغلال في جهنم(3/185)