و الكفاف من الرزق قدر القوت و هو ما كف عن الناس أي أغنى. و البلاغ و البلغة من العيش ما يتبلغ به. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 153و اعلم أن هذا الفصل يشتمل على فصلين من كلام أمير المؤمنين ع أحدهما حمد الله و الثناء عليه إلى قوله و لا تفقد له نعمة و الفصل الثي ذكر الدنيا إلى آخر الكلام و أحدهما غير مختلط بالآخر و لا منسوق عليه و لكن الرضي رحمة الله تعالى يلتقط كلام أمير المؤمنين ع التقاطا و لا يقف مع الكلام المتوالي لأن غرضه ذكر فصاحته ع لا غير و لو أتى بخطبه كلها على وجهها لكانت أضعاف كتابه الذي جمعه
فصل بلاغي في الموازنة و السجع(4/134)


فأما الفصل الأول فمشتمل من علم البيان على باب كبير يعرف بالموازنة و ذلك غير مقنوط فإنه وازنه في الفقرة الثانية بقوله و لا مخلو أ لا ترى أن كل واحدة منهما على وزن مفعول ثم قال في الفقرة الثالثة و لا مأيوس فجاء بها على وزن مفعول أيضا و لم يمكنه في الفقرة الرابعة ما أمكنه في الأولى فقال و لا مستنكف فجاء به على وزن مستفعل و هو و إن كان خارجا عن الوزن فإنه غير خارج عن المفعولية لأن مستفعل مفعول في الحقيقة كقولك زيد مستحسن أ لا ترى أن مستحسنا من استحسنه فهو أيضا غير خارج عن المفعولية. ثم وازن ع بين قوله لا تبرح و قوله لا تفقد و بين رحمة و نعمة فأعطت هذه الموازنات الكلام من الطلاوة و الصنعة ما لا تجده عليه لو قال الحمد لله غير مخلو من نعمته و لا مبعد من رحمته لأن مبعد بوزن مفعل و هو غير مطابق و لا مماثل لمفعول بل هو بناء آخر. و كذلك لو قال لا تزول منه رحمة فإن تزول ليست في المماثلة و الموازنة شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 154لتفقد كتبرح أ لا ترى أنها معتلة و تلك صحيحة و كذلك لو قال لا تبرح منه رحمة و لا يفقد له أنعام فإن أنعاما ليس في وزن رحمة و الموازنة مطلوبة في الكلام الذي يقصد فيه الفصاحة لأجل الاعتدال الذي هو مطل الطبع في جميع الأشياء و الموازنة أعم من السجع لأن السجع تماثل أجزاء الفواصل لو أوردها على حرف واحد نحو القريب و الغريب و النسيب و ما أشبه ذلك و أما الموازنة فنحو القريب و الشديد و الجليل و ما كان على هذا الوزن و إن لم يكن الحرف الآخر بعينه واحدا و كل سجع موازنة و ليس كل موازنة سجعا و مثال الموازنة في الكتاب العزيز وَ آتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وَ هَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ و قوله تعالى لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ثم قال وَ يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ثم قال تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ثم قال نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا فهذه الموازنة. و مما جاء من المثال في الشعر(4/135)


قوله
بأشدهم بأسا على أعدائهم و أعزهم فقدا على الأصحاب
فقوله و أعزهم بإزاء أشدهم و قوله فقدا بإزاء بأسا. و الموازنة كثيرة في الكلام و هي في كتاب الله تعالى أكثر
نبذ من كلام الحكماء في مدح القناعة و ذم الطمع
فأما الفصل الثاني فيشتمل على التحذير من الدنيا و على الأمر بالقناعة و الرضا بالكفاف فأما التحذير من الدنيا فقد ذكرنا و نذكر منه ما يحضرنا و أما القناعة فقد ورد فيها شي ء كثير. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 1 قال رسول الله ص لأخوين من الأنصار لا تيئسا من روح الله ما تهزهزت رءوسكما فإن أحدكم يولد لا قشر عليه ثم يكسوه الله و يرزقه
و عنه ص و يعزى إلى أمير المؤمنين ع القناعة كنز لا ينفد
و ما يقال إنه من كلام لقمان الحكيم كفى بالقناعة عزا و بطيب النفس نعيما
و من كلام عيسى ع اتخذوا البيوت منازل و المساجد مساكن و كلوا من بقل البرية و اشربوا من الماء القراح و اخرجوا من الدنيا بسلام لعمري لقد انقطعتم إلى غير الله فما ضيعكم أ فتحافون الضيعة إذا انقطعتم إليه
و في بعض الكتب الإلهية القديمة
يقول الله تعالى يا ابن آدم أ تخاف أن أقتلك بطاعتي هزلا و أنت تتفتق بمعصيتي سمنا(4/136)


قال أبو وائل ذهبت أنا و صاحب لي إلى سلمان الفارسي فجلسنا عنده فقال لو لا أن رسول الله ص نهى عن التكلف لتكلفت لكم ثم جاء بخبز و ملح ساذج لا أبزار عليه فقال صاحبي لو كان لنا في ملحنا هذا سعتر فبعث سلمان بمطهرته فرهنها على سعتر فلما أكلنا قال صاحبي الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان لو قنعت بما رزقك لم تكن مطهرتي مرهونة. عباد بن منصور لقد كان بالبصرة من هو أفقه من عمرو بن عبيد و أفصح و لكنه كان أصبرهم عن الدينار و الدرهم فساد أهل البصرة. قال خالد بن صفوان لعمرو بن عبيد لم لا تأخذ مني فقال لا يأخذ أحد من أحد إلا ذل له و أنا أكره أن أذل لغير الله. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 156كان معاش عمرو بن عبيد من دار ورثها كان يأخذ أجرتها في كل شهر دينارا واحدا فيتبلغ به. الخليل بن أحمد كان الناس يكتسبون الرغائب بعلمه و هو بين أخصاص البصرة لا يلتفت إلى الدنيا و لا يطها. وهب بن منبه أرملت مرة حتى كدت أقنط فأتاني آت في المنام و معه شبه لوزة فقال افضض ففضضتها فإذا حريرة فيها ثلاثة أسطر لا ينبغي لمن عقل عن الله أمره و عرف لله عدله أن يستبطئ الله في رزقه فقنعت و صبرت ثم أعطاني الله فأكثر.
قيل للحسن ع إن أبا ذر كان يقول الفقر أحب إلي من الغنى و السقم أحب إلي من الصحة فقال رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول من اتكل إلى حسن الاختيار من الله لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله له لعمري يا ابن آدم الطير لا تأكل رغدا و لا تخبأ لغد و أنت تأكل رغدا و تخبأ لغد فالطير أحسن ظنا منك بالله عز و جل(4/137)


حبس عمر بن عبد العزيز الغذاء عن مسلمة حتى برح به الجوع ثم دعا بسويق فسقاه فلما فرغ منه لم يقدر على الأكل فقال يا مسلمة إذا كفاك من الدنيا ما رأيت فعلام التهافت في النار. عبد الواحد بن زيد ما أحسب شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا و القناعة و لا أعلم درجة أرفع من الرضا و هو رأس المحبة. قال ابن شبرمة في محمد بن واسع لو أن إنسانا اكتفى بالتراب لاكتفى به.
يقال من جملة ما أوحى الله تعالى إلى موسى ع قل لعبادي المتسخطين لرزقي إياكم أن أغضب فأبسط عليكم الدنيا
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 157كان لبعض الملوك نديم فسكر ففاتته الصلاة فجاءت جارية له بجمرة نار فوضعتها على رجله فانتبه مذعورا فقالت إنك لم تصبر على نار الدنيا فكيف تصبر على نار الآخرة فترك الدنيا و انقطع إلى العبادة و قعد يبيع البقل فدخل عليه الفضيل و ابعيينة فإذا تحت رأسه لبنة و ليس تحت جنبه حصير فقالا له إنا روينا أنه لم يدع أحد شيئا لله إلا عوضه خيرا منه فما عوضك قال القناعة و الرضا بما أنا فيه. أصابت داود الطائي ضائقة شديدة فجاء حماد بن أبي حنيفة بأربعمائة درهم من تركة أبيه فقال داود هي لعمري من مال رجل ما أقدم عليه أحدا في زهده و ورعه و طيب كسبه و لو كنت قابلا من أحد شيئا لقبلتها إعظاما للميت و إيجابا للحي و لكني أحب أن أعيش في عز القناعة. سفيان الثوري ما أكلت طعام أحد قط إلا هنت عليه. مسعر بن كدام من صبر على الخل و البقل لم يستعبد. فضيل أصل الزهد الرضا بما رزقك الله أ لا تراه كيف يصنع بعبده ما تصنع الوالدة الشفيقة بولدها تطعمه مرة خبيصا و مرة صبرا تريد بذلك ما هو أصلح له.
المسيح ع أنا الذي كببت الدنيا على وجهها و قدرتها بقدرها ليس لي ولد يموت و لا بيت يخرب وسادي الحجر و فراشي المدر و سراجي القمر
أمير المؤمنين ع أكل تمر دقل ثم شرب عليه ماء و مسح بطنه
و قال من أدخلته بطنه النار فأبعده الله ثم أنشد(4/138)

145 / 150
ع
En
A+
A-