كتابا من علي ع
فيه من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المسلمين و المؤمنين و المارقين و النصارى و المرتدين سلام على من اتبع الهدى و آمن بالله و رسوله و كتابه و البعث بعد الموت وافيا بعهد الله و لم يكن من الخائنين أما بعد فإني أدعوكم إلى كتاب الله و سنة نبيه و أن أعمل فيكم بالحق و بما أمر الله تعالى في كتابه فمن رجع منكم إلى رحله و كف يده و اعتزل هذا المارق الهالك المحارب الذي حارب الله و رسوله و المسلمين و سعى في الأرض فسادا فله الأمان على ماله و دمه و من تابعه على حربنا و الخروج من طاعتنا استعنا بالله عليه و جعلناه بيننا و بينه و كفى بالله وليا و السلام(4/124)


قال فأخرج معقل راية أمان فنصبها و قال من أتاها من الناس فهو آمن إلا الخريت و أصحابه الذين نابذوا أول مرة فتفرق عن الخريت كل من كان معه من غير قومه و عبأ معقل بن قيس أصحابه ثم زحف بهم نحوه و قد حضر مع الخريت جميع شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 142قومه مسلمهم وصرانيهم و مانعي الصدقة منهم فجعل مسلميهم يمنة و النصارى و مانعي الصدقة يسرة و جعل يقول لقومه امنعوا اليوم حريمكم و قاتلوا عن نسائكم و أولادكم و الله لئن ظهروا عليكم ليقتلنكم و ليسلبنكم. فقال له رجل من قومه هذا و الله ما جرته علينا يدك و لسانك فقال لهم قاتلوا فقد سبق السيف العذل. قال و سار معقل بن قيس يحرض أصحابه فيما بين الميمنة و الميسرة و يقول أيها الناس ما تدرون ما سيق إليكم في هذا الموقف من الأجر العظيم إن الله ساقكم إلى قوم منعوا الصدقة و ارتدوا عن الإسلام و نكثوا البيعة ظلما و عدوانا إني شهيد لمن قتل منكم بالجنة و من عاش بأن الله يقر عينه بالفتح و الغنيمة ففعل ذلك حتى مر بالناس أجمعين ثم وقف في القلب برايته و بعث إلى يزيد بن المعقل الأزدي و هو في الميمنة أن احمل عليهم فحمل فثبتوا له فقاتل طويلا و قاتلوه ثم رجع حتى وقف موقفه الذي كان فيه من الميمنة ثم بعث إلى المنجاب بن راشد الضبي و هو في الميسرة أن احمل عليهم فحمل فثبتوا له فقاتل طويلا و قاتلوه ثم رجع حتى وقف موقفه الذي كان في الميسرة ثم بعث معقل إلى ميمنته و ميسرته إذا حملت فاحملوا جميعا ثم أجرى فرسه و ضربها و حمل أصحابه فصبروا لهم ساعة. ثم إن النعمان بن صهبان الراسبي بصر بالخريت فحمل عليه فصرعه عن فرسه ثم نزل إليه و قد جرحه فاختلفا بينهما ضربتين فقتله النعمان و قتل معه في المعركة سبعون و مائة و ذهب الباقون في الأرض يمينا و شمالا و بعث معقل الخيل إلى رحالهم فسبى من أدرك فيها رجالا و نساء و صبيانا ثم نظر فيهم فمن كان مسلما خلاه و أخذ شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 143بيعته(4/125)


و خلى سبيل عياله و من كان ارتد عن الإسلام عرض عليه الرجوع إلى الإسلام و إلا القتل فأسلموا فخلى سبيلهم و سبيل عيالاتهم إلا شيخا منهم نصرانيا يقال له الرماحس بن منصور فإنه قال و الله ما زلت يبا مذ عقلت إلا في خروجي من ديني دين الصدق إلى دينكم دين السوء لا و الله لا أدع ديني و لا أقرب دينكم ما حييت. فقدمه معقل فضرب عنقه و جمع الناس فقال أدوا ما عليكم في هذه السنين من الصدقة فأخذ من المسلمين عقالين و عمد إلى النصارى و عيالاتهم فاحتملهم معه و أقبل المسلمون الذين كانوا معهم يشيعونهم فأمر معقل بردهم فلما ذهبوا لينصرفوا تصايحوا و دعا الرجال و النساء بعضهم إلى بعض. قال فلقد رحمتهم رحمة ما رحمتها أحدا قبلهم و لا بعدهم و كتب معقل إلى علي ع أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين عن جنده و عن عدوه إنا دفعنا إلى عدونا بأسياف البحر فوجدنا بها قبائل ذات حد و عدد و قد جمعوا لنا فدعوناهم إلى الجماعة و الطاعة و إلى حكم الكتاب و السنة و قرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين ع و رفعنا لهم راية أمان فمالت إلينا طائفة منهم و ثبتت طائفة أخرى فقبلنا أمر التي أقبلت و صمدنا إلى التي أدبرت فضرب الله وجوههم و نصرنا عليهم فأما من كان مسلما فإنا مننا عليه و أخذنا بيعته لأمير المؤمنين و أخذنا منهم الصدقة التي كانت عليهم و أما من ارتد فعرضنا عليهم الرجوع إلى الإسلام و إلا قتلناهم فرجعوا إلى الإسلام غير رجل واحد فقتلناه و أما النصارى فإنا سبيناهم و أقبلنا بهم ليكونوا نكالا لمن بعدهم من أهل الذمة كي لا يمنعوا الجزية و لا يجترئوا على قتال أهل القبلة و هم للصغار و الذلة(4/126)


شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 144أهل رحمك الله يا أمير المؤمنين و عليك الصلاة و السلام و أوجب لك جنات النعيم و السلام. قال ثم أقبل بالأسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة الشيباني و هو عامل لعلي ع على أردشيرخرة و هم خمسمائة إنسان فبكى إليه النساء و الصبيان و تصا الرجال يا أبا الفضل يا حامل الثقل يا مؤي الضعيف و فكاك العصاة امنن علينا فاشترنا و أعتقنا فقال مصقلة أقسم بالله لأتصدقن عليهم إن الله يجزي المتصدقين فبلغ قوله معقل بن قيس فقال و الله لو أعلمه قالها توجعا لهم و إزراء علي لضربت عنقه و إن كان في ذلك فناء بني تميم و بكر بن وائل. ثم إن مصقلة بعث ذهل بن الحارث الذهلي إلى معقل فقال بعني نصارى ناجية فقال أبيعكهم بألف ألف درهم فأبى عليه فلم يزل يراوده حتى باعه إياهم بخمسمائة ألف درهم و دفعهم إليه و قال عجل بالمال إلى أمير المؤمنين ع فقال مصقلة أنا باعث الآن بصدر منه ثم أتبعك بصدر آخر ثم كذلك حتى لا يبقى منه شي ء و أقبل معقل إلى أمير المؤمنين ع فأخبره بما كان من الأمر فقال له أحسنت و أصبت و وفقت. و انتظر علي ع مصقلة أن يبعث بالمال فأبطأ به و بلغ عليا ع أن مصقلة خلى الأسارى و لم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشي ءقال ما أرى مصقلة إلا قد حمل حمالة و لا أراكم إلا سترونه عن قريب مبلدحا
ثم كتب إليه شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 145أما بعد فإن من أعظم الخيانة خيانة الأمة و أعظم الغش على أهل المصر غش الإمام و عندك من حق المسلمين خمسمائة ألف درهم فابعث بها إلى حين يأتيك رسولي و إلا فأقبل إلي حين تنظر في كتابي فإني قد تقدمت إلى رسولي ألا يدعك عة واحدة تقيم بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال و السلام(4/127)


و كان الرسول أبو جرة الحنفي فقال له أبو جرة إن تبعث بهذا المال و إلا فاشخص معي إلى أمير المؤمنين فلما قرأ كتابه أقبل حتى نزل البصرة و كان العمال يحملون المال من كور البصرة إلى ابن عباس فيكون ابن عباس هو الذي يبعث به إلى أمير المؤمنين ع ثم أقبل من البصرة حتى أتى عليا ع بالكوفة فأقره أياما لم يذكر له شيئا ثم سأله المال فأدى إليه مائتي ألف درهم و عجز عن الباقي. قال فروى ابن أبي سيف عن أبي الصلت عن ذهل بن الحارث قال دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاء فطعمنا منه ثم قال و الله إن أمير المؤمنين ع يسألني هذا المال و و الله ما أقدر عليه فقلت له لو شئت لم يمض عليك جمعة حتى تجمع هذا المال فقال ما كنت لأحملها قومي و لا أطلب فيها إلى أحد. ثم قال و الله لو أن ابن هند مطالبي بها أو ابن عفان لتركها لي أ لم تر إلى عثمان كيف أعطى الأشعث مائة ألف درهم من خراج آذربيجان في كل سنة فقلت إن هذا لا يرى ذلك الرأي و ما هو بتارك لك شيئا فسكت ساعة و سكت عنه فما مكث ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية. فبلغ ذلك عليا ع فقال ما له ترحه الله فعل فعل السيد و فر فرار العبد و خان خيانة الفاجر أما إنه لو أقام فعجز ما زدنا على حبسه فإن وجدنا له شيئا أخذناه شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 146و إن لم نجد له مالا تركناه ثم سار علي ع إلى داره فهدمها. و كان أخوه نعيم بن هبيرة الشيباني شيعة لعلي ع مناصحا فكتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب يقال له حلوان أما بعد فإني كلمت معاوية فيك فوعدك الكرامة مناك الإمارة فأقبل ساعة تلقى رسولي و السلام. فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرح به إلى علي ع فأخذ كتابه فقرأه ثم قدمه فقطع يده فمات و كتب نعيم إلى أخيه مصقلة شعرا لم يرده عليه(4/128)

143 / 150
ع
En
A+
A-