فكتب نسخة واحدة و أخرجها إلى العمال من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من العمال أما بعد فإن رجالا لنا عندهم تبعة خرجوا هرابا نظنهم خرجوا نحو بلاد البصرة فاسأل عنهم أهل بلادك و اجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك ثم اكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم و السلام
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 131فخرج زياد بن خصفة حتى أتى داره و جمع أصحابه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا معشر بكر بن وائل إن أمير المؤمنين ندبني لأمر من أموره مهم له و أمرني بالانكماش فيه بالعشيرة حتى آتي أمره و أنتم شيعته و أنصاره و أوثق حي من أحياء الب في نفسه فانتدبوا معي الساعة و عجلوا فو الله ما كان إلا ساعة حتى اجتمع إليه مائة و ثلاثون رجلا فقال اكتفينا لا نريد أكثر من هؤلاء فخرج حتى قطع الجسر ثم أتى دير أبي موسى فنزله فأقام به بقية يومه ذلك ينتظر أمر أمير المؤمنين ع. قال إبراهيم بن هلال فحدثني محمد بن عبد الله عن ابن أبي سيف عن أبي الصلت التيمي عن أبي سعيد عن عبد الله بن وأل التيمي قال إني لعند أمير المؤمنين إذا فيج قد جاءه يسعى بكتاب من قرظة بن كعب بن عمرو الأنصاري و كان أحد عماله فيه لعبد الله علي أمير المؤمنين من قرظة بن كعب سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإني أخبر أمير المؤمنين أن خيلا مرت من قبل الكوفة متوجهة نحو نفر و أن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد أسلم و صلى يقال له زاذان فروخ أقبل من عند أخوال له فلقوه فقالوا له أ مسلم أنت أم كافر قال بل مسلم قالوا فما تقول في علي قال أقول فيه خيرا أقول إنه أمير المؤمنين ع و سيد البشر و وصي رسول الله ص فقالوا كفرت يا عدو الله ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه بأسيافهم و أخذوا معه رجلا من أهل الذمة يهوديا فقالوا له ما دينك قال يهودي فقالوا شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 132خلوا سبيل هذا لسبيل لكم عليه فأقبل إلينا ذلك الذمي فأخبرنا(4/114)
الخبر و قد سألت عنهم فلم يخبرني أحد عنهم بشي ء فليكتب إلي أمير المؤمنين فيهم برأي أنته إليه إن شاء الله. فكتب إليه أمير المؤمنين ع أما بعد فقد فهمت ما ذكرت من أمر العصابة التي مرت بعملك فقتلت البر المسلم و أمن عندهم المخالف المشرك و أن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا كالذين حسبوا ألا تكون فتنة فعموا و صموا فأسمع بهم و أبصر يوم تخبر أعمالهم فالزم عملك و أقبل على خراجك فإنك كما ذكرت في طاعتك و نصيحتك و السلام
قال فكتب علي ع إلى زياد بن خصفة مع عبد الله بن وأل التيمي كتابا نسخته أما بعد فقد كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري و ذلك أني لم أكن علمت أين توجه القوم و قد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية من قرى السواد فاتبع آثارهم و سل عنهم فإنهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مسلما مصليا فإذا أنت لحقت بهم فارددهم إلي فإن أبوا فناجزهم و استعن بالله عليهم فإنهم قد فارقوا الحق و سفكوا الدم الحرام و أخافوا السبيل و السلام(4/115)
قال عبد الله بن وأل فأخذت الكتاب منه ع و أنا يومئذ شاب فمضيت به غير بعيد ثم رجعت إليه فقلت يا أمير المؤمنين أ لا أمضي مع زياد بن خصفة إلى عدوك إذا دفعت إليه كتابك فقال يا ابن أخي افعل فو الله إني لأرجو أن تكون من أعواني على الحق و أنصاري على القوم الظالمين قال فو الله ما أحب أن لي بمقالته شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 133تلك حمر النعم فقلت له يا أمير المؤمنين أنا و الله كذلك من أولئك أنا و الله حيث تحب. ثم مضيت إلى زياد بالكتاب و أنا على فرس رائع كريم و على السلاح فقال لي زياد يا ابن أخي و الله ما لي عنك من غ و إني أحب أن تكون معي في وجهي هذا فقلت إني قد استأذنت أمير المؤمنين في ذلك فأذن لي فسر بذلك ثم خرجنا حتى أتينا الموضع الذي كانوا فيه فسألنا عنهم فقيل أخذوا نحو المدائن فلحقناهم و هم نزول بالمدائن و قد أقاموا بها يوما و ليلة و قد استراحوا و علفوا خيولهم فهم جامون مريحون و أتيناهم و قد تقطعنا و لغبنا و نصنا فلما رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها فجئنا حتى انتهينا إليهم فنادى الخريت بن راشد يا عميان القلوب و الأبصار أ مع الله و كتابه أنتم أم مع القوم الظالمين فقال له زياد بن خصفة بل مع الله و كتابه و سنة رسوله و مع من الله و رسوله و كتابه آثر عنده من الدنيا ثوابا و لو أنها منذ يوم خلقت إلى يوم تفنى لآثر الله عليها أيها العمي الأبصار الصم الأسماع. فقال الخريت فأخبرونا ما تريدون فقال له زياد و كان مجربا رفيقا قد ترى ما بنا من النصب و اللغوب و الذي جئنا له لا يصلح فيه الكلام علانية على رءوس أصحابك و لكن تنزلون و ننزل ثم نخلو جميعا فنتذاكر أمرنا و ننظر فيه فإن رأيت فيما جئنا له حظا لنفسك قبلته و إن رأيت فيما أسمع منك أمرا أرجو فيه العافية لنا و لك لم أرده عليك. فقال الخريت انزل فنزل فأقبل إلينا زياد فقال انزلوا على هذا الماء فأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فنزلنا به فما هو إلا(4/116)
أن نزلنا فتفرقنا فتحلقنا عشرة و تسعة و ثمانية و سبعة تضع كل حلقة طعامها بين أيديها لتأكل ثم تقوم إلى الماء فتشرب. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 134و قال لنا زياد علقوا على خيولكم فعلقنا عليها مليها و وقف زياد في خمسة فوارس أحدهم عبد الله بن وأل بيننا و بين القوم و انطلق القوم فتنحوا فنزلوا و أقبل إلينا زياد فلما رأى تفرقنا و تحلقنا قال سبحان الله أنتم أصحاب حرب و الله لو أن هؤلاء جاءوكم الساعة على هذه الحالة ما أرادوا من غرتكم أفضل من أعمالكم التي أنتم عليها عجلوا قوموا إلى خيولكم فأسرعنا فمنا من يتوضأ و منا من يشرب و منا من يسقي فرسه حتى إذا فرغنا من ذلك أتينا زيادا و إن في يده لعرقا ينهسه فنهس منه نهستين أو ثلاثة ثم أتى بإداوة فيها ماء فشرب ثم ألقى العرق من يده و قال يا هؤلاء إنا قد لقينا العدو و إن القوم لفي عدتكم و لقد حزرتهم فما أظن أحد الفريقين يزيد على الآخر خمسة نفر فإني أرى أمركم و أمرهم سيصير إلى القتال فإن كان ذلك فلا تكونوا أعجز الفريقين. ثم قال ليأخذ كل رجل منكم بعنان فرسه فإذا دنوت منهم و كلمت صاحبهم فإن تابعني على ما أريد و إلا فإذا دعوتكم فاستووا على متون خيلكم ثم أقبلوا معا غير متفرقين ثم استقدم أمامنا و أنا معه فسمعت رجلا من القوم يقول جاءكم القوم و هم كالون معيون و أنتم جامون مريحون فتركتموهم حتى نزلوا فأكلوا و شربوا و أراحوا دوابهم هذا و الله سوء الرأي. قال و دعا زياد صاحبهم الخريت فقال له اعتزل ننظر في أمرنا فأقبل إليه في خمسة نفر فقلت لزياد أدعو لك ثلاثة نفر من أصحابنا حتى نلقاهم في عددهم فقال ادع من أحببت فدعوت له ثلاثة فكنا خمسة و هم خمسة. فقال له زياد ما الذي نقمت على أمير المؤمنين و علينا حتى فارقتنا فقال لم أرض(4/117)
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 135صاحبكم إماما و لم أرض بسيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل و أكون مع من يدعو إلى الشورى بين الناس فإذا اجتمع الناس على رجل هو لجميع الأمة رضا كنت مع الناس. فقال زياد ويحك و هل يجتمع الناس على رجل يداني عليا عالما بالله و بكتابه و سنةسوله مع قرابته و سابقته في الإسلام فقال الخريت هو ما أقول لك فقال ففيم قتلتم الرجل المسلم فقال الخريت ما أنا قتلته قتلته طائفة من أصحابي قال فادفعهم إلينا قال ما إلي ذلك من سبيل قال أو هكذا أنت فاعل قال هو ما تسمع. قال فدعونا أصحابنا و دعا الخريت أصحابه ثم اقتتلنا فو الله ما رأيت قتالا مثله منذ خلقني الله لقد تطاعنا بالرماح حتى لم يبق في أيدينا رمح ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت و عقرت عامه خيلنا و خيلهم و كثرت الجراح فيما بيننا و بينهم و قتل منا رجلان مولى لزياد كانت معه رأيته يدعى سويدا و رجل من الأبناء يدعى واقد بن بكر و صرع منهم خمسة نفر و حال الليل بيننا و بينهم و قد و الله كرهونا و كرهناهم و هرونا و هررناهم و قد جرح زياد و جرحت ثم إنا بتنا في جانب و تنحوا فمكثوا ساعة من الليل ثم مضوا فذهبوا و أصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا فو الله ما كرهنا ذلك فمضينا حتى أتينا البصرة و بلغنا أنهم أتوا الأهواز فنزلوا في جانب منها و تلاحق بهم ناس من أصحابهم نحو مائتين كانوا معهم بالكوفة لم يكن لهم من القوة ما ينهضون به معهم حين نهضوا فاتبعوهم من بعد لحوقهم بالأهواز فأقاموا معهم. قال و كتب زياد بن خصفة إلى علي ع أما بعد فإنا لقينا عدو الله الناجي و أصحابه بالمدائن فدعوناهم إلى الهدى و الحق و كلمة شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 136السواء فتولوا عن الحق و أخذتهم العزة بالإثم و زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فقصدونا و صمدنا صمدهم فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهر إلى أن دلكالشمس و استشهد منا رجلان صالحان و أصيب منهم خمسة نفر و خلوا لنا(4/118)