قال نصر و قام عدي بن حاتم الطائي إلى علي ع فقال يا أمير المؤمنين إن عندي رجلا لا يوازى به رجل و هو يريد أن يزور ابن عمه حابس بن سعد الطائي بالشام فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره و يكسر أهل الشام فقال علي شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 111ع نعم فأمره ع بذلك و كان اسم الرجل خفاف بن عبد الله. فقدم على ابن عمه حابس بن سعد بالشام و حابس سيد طي ء بها فحدث خفاف حابسا أنه شهد عثمان بالمدينة و سار مع علي إلى الكوفة و كان لخفاف لسان و هيئة و شعر فغدا حابس بخفاف إلى معاوية فقال إن هذا ابن عم لي قدم الكوفة مع عليو شهد عثمان بالمدينة و هو ثقة فقال له معاوية هات حدثنا عن عثمان فقال نعم حصره المكشوح و حكم فيه حكيم و وليه عمار و تجرد في أمره ثلاثة نفر عدي بن حاتم و الأشتر النخعي و عمرو بن الحمق و جد في أمره رجلان و طلحة و الزبير و أبرأ الناس منه علي قال ثم مه قال ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش حتى ضاعت النعل و سقط الرداء و وطئ الشيخ و لم يذكر عثمان و لم يذكر له ثم تهيأ للمسير و خف معه المهاجرون و الأنصار و كره القتال معه ثلاثة نفر سعد بن مالك و عبد الله بن عمر و محمد بن مسلمة فلم يستكره أحدا و استغنى بمن خف معه عمن ثقل ثم سار حتى أتى جبل طي ء فأتته منا جماعة كان ضاربا بهم الناس حتى إذا كان ببعض الطريق أتاه مسير طلحة و الزبير و عائشة إلى البصرة فسرح رجالا إلى الكوفة يدعونهم فأجابوا دعوته فسار إلى البصرة فإذا هي في كفه ثم قدم الكوفة فحمل إليه الصبي و دبت إلي العجوز و خرجت إليه العروس فرحا به و شوقا إليه و تركته و ليس له همة إلا الشام. فذعر معاوية من قوله و قال حابس أيها الأمير لقد أسمعني شعرا غير به حالي في عثمان و عظم به عليا عندي. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 112فقال معاوية أسمعنيه يا خفاف فأنشده شعرا أولهقلت و الليل ساقط الأكناف و لجنبي عن الفراش تجاف(4/99)


يذكر فيه حال عثمان و قتله و فيه إطالة عدلنا عن ذكره... و من جملته
قد مضى ما مضى و مر به الدهر كما مر ذاهب الأسلاف إنني و الذي يحج له الناس على لحق البطون عجاف تتبارى مثل القسي من النبع بشعث مثل السهام نحاف أرهب اليوم إن أتاكم علي صيحة مثل صيحة الأحقاف إنه الليث غاديا و شجاع مطرق نافث بسم زعاف واضع السيف فوق عاتقه اليفري به شئون القحاف سوم الخيل ثم قال لقوم بايعوه إلى الطعان خفاف استعدوا لحرب طاغية الشام فلبوه كاليدين اللطاف ثم قالوا أنت الجناح لك الريش القدامى و نحن منه الخوافي فانظر اليوم قبل بادرة القوم بسلم تهم أم بخقال فانكسر معاوية و قال يا حابس إني لأظن هذا عينا لعلي أخرجه عنك لئلا يفسد علينا أهل الشام. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 113قال نصر و حدثنا عطية بن غني عن زياد بن رستم قال كتب معاوية إلى عبد الله بن عمر خاصة و إلى سعد بن أبي وقاص و إلى محمد بن مسلمة دون كتا إلى أهل المدينة فكان كتابه إلى عبد الله بن عمر أما بعد فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلي أن يجتمع عليه الناس بعد قتل عثمان منك ثم ذكرت خذلك إياه و طعنك على أنصاره فتغيرت لك و قد هون ذلك علي خلافك على علي و محا عنك بعض ما كان منك فأعنا رحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم فإني لست أريد الإمارة عليك و لكني أريدها لك فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين. فأجابه عبد الله بن عمر أما بعد فإن الرأي الذي أطمعك في هو الذي صيرك إلى ما صيرك إليه اترك عليا في المهاجرين و الأنصار و طلحة و الزبير و عائشة أم المؤمنين و أتبعك و أما زعمك أني طعنت على علي فلعمري ما أنا كعلي في الإيمان و الهجرة و مكانه من رسول الله ص و نكايته في المشركين و لكني عهد إلي في هذا الأمر عهد ففزعت فيه إلى الوقوف و قلت إن كان هذا هدى ففضل تركته و إن كان ضلالا فشر نجوت منه فأغن عنا نفسك و السلام. شرح نهج بلاغة ج : 3 ص : 114قال و كان كتاب معاوية إلى سعد أما(4/100)


بعد فإن أحق الناس بنصر عثمان أهل الشورى من قريش الذين أثبتوا حقه و اختاروه على غيره و قد نصره طلحة و الزبير و هما شريكان في الأمر و نظيراك في الإسلام و خفت لذلك أم المؤمنين فلا تكرهن ما رضوا و لا تردن ما قبلوا فإنا نردها شورى بين المسلمين. فأجابه سعد أما بعد فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة من قريش فلم يكن أحد منا أحق بها من صاحبه إلا بإجماعنا عليه إلا أن عليا كان فيه ما فينا و لم يكن فينا ما فيه و هذا أمر قد كرهت أوله و كرهت آخره فأما طلحة و الزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما و الله يغفر لأم المؤمنين ما أتت و السلام. قال و كان كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة أما بعد فإني لم أكتب إليك و أنا أرجو مبايعتك و لكني أردت أن أذكرك النعمة التي خرجت منها و الشك الذي صرت إليه إنك فارس الأنصار و عدة المهاجرين و قد ادعيت على رسول الله ص أمرا لم تستطع إلا أن تمضي عليه و هو أنه نهاك عن قتال أهل القبلة أ فلا نهيت أهل القبلة عن قتال بعضهم بعضا
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 115فقد كان عليك أن تكره لهم ما كره رسول الله ص أ لم تر عثمان و أهل الدار من أهل القبلة فأما قومك فقد عصوا الله و خذلوا عثمان و الله سائلهم و سائلك عما كان يوم القيامة و السلام. قال فكتب إليه محمد بن مسلمة أما بعد فقد اعتزل هذا أمر من ليس في يده من رسول الله ص مثل الذي في يده قد أخبرني رسول الله ص بالذي هو كائن قبل أن يكون فلما كان كسرت سيفي و جلست في بيتي و اتهمت الرأي على الدين إذ لم يصح لي معروف آمر به و لا منكر أنهي عنه و أما أنت فلعمري ما طلبت إلا الدنيا و لا اتبعت إلا الهوى و إن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا و السلام
مفارقة جرير بن عبد الله البجلي لعلي(4/101)


قد أتينا على ما أردنا ذكره من حال أمير المؤمنين ع مذ قدم من حرب البصرة إلى الكوفة و ما جرى بينه و بين معاوية من المراسلات و ما جرى بين معاوية و بين غيره من الصحابة من الاستنجاد و الاستصراخ و ما أجابوه به و نحن نذكر الآن ما جرى لجرير بن عبد الله عند عوده إلى أمير المؤمنين من تهمة الشيعة له بممالأة معاوية عليهم و مفارقته جنبة أمير المؤمنين. قال نصر بن مزاحم حدثنا صالح بن صدقة بإسناده قال قال لما رجع جرير شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 116إلى علي ع كثر قول الناس في التهمة لجرير في أمر معاوية فاجتمع جرير و الأشتر د علي ع فقال الأشتر أما و الله يا أمير المؤمنين أن لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا لك من هذا الذي أرخى خناقه و أقام عنده حتى لم يدع بابا يرجو فتحه إلا فتحه و لا بابا يخاف أمره إلا سده. فقال جرير لو كنت و الله أتيتهم لقتلوك و خوفه بعمرو و ذي الكلاع و حوشب و قال إنهم يزعمون أنك من قتلة عثمان. فقال الأشتر و الله لو أتيتهم يا جرير لم يعيني جوابها و لم يثقل علي محملها و لحملت معاوية على خطة أعجله فيها عن الفكر. قال فائتهم إذا قال الآن و قد أفسدتهم و وقع بينهم الشر. و روى نصر عن نمير بن وعلة عن الشعبي قال اجتمع جرير و الأشتر عند علي ع فقال الأشتر أ ليس قد نهيتك يا أمير المؤمنين أن تبعث جريرا و أخبرتك بعداوته و غشه و أقبل الأشتر يشتمه و يقول يا أخا بجيلة إن عثمان اشترى منك دينك بهمدان و الله ما أنت بأهل أن تترك تمشي فوق الأرض إنما أتيتهم لتتخذ عندهم يدا بمسيرك إليهم ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم و أنت و الله منهم و لا أرى سعيك إلا لهم لئن أطاعني فيك أمير المؤمنين ليحبسنك و أشباهك في حبس لا تخرجون منه حتى تستتم هذه الأمور و يهلك الله الظالمين. قال جرير وددت و الله أن لو كنت مكاني بعثت إذن و الله لم ترجع. شرحنهج البلاغة ج : 3 ص : 117قال فلما سمع جرير مثل ذلك من قوله فارق(4/102)


عليا ع فلحق بقرقيسياء و لحق به ناس من قسر من قومه فلم يشهد صفين من قسر غير تسعة عشر رجلا و لكن شهدها من أحمس سبعمائة رجل. قال نصر و قال الأشتر فيما كان من تخويف من جرير إياه بعمرو و حوشب و ذيالكلاع
لعمرك يا جرير لقول عمرو و صاحبه معاوي بالشام و ذي كلع و حوشب ذي ظليم أخف علي من ريش النعام إذا اجتمعوا علي فخل عنهم و عن باز مخالبه دوامي و لست بخائف ما خوفوني و كيف أخاف أحلام النيام و همهم الذي حاموا عليه من الدنيا و همي ما أمامي فإن أسلم أعمهم بحرب لهولها رأس الغلام و إن أهلك فقد قدمت أمرا أفوز بفلجه يوم الخصام و قد زادوا علي و أوعدوني و من ذا مات من خوف الكلانسب جرير بن عبد الله البجلي و بعض أخباره
و ذكر ابن قتيبة في المعارف أن جريرا قدم على رسول الله ص شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 118سنة عشر من الهجرة في شهر رمضان فبايعه و أسلمو كان جرير صبيح الوجه جميلا قال رسول الله ص كأن على وجهه مسحة ملك
و كان عمر يقول جرير يوسف هذه الأمة و كان طوالا يفتل في ذروة البعير من طوله و كانت نعله ذراعا و كان يخضب لحيته بالزعفران من الليل و يغسلها إذا أصبح فتخرج مثل لون التبر و اعتزل عليا ع و معاوية و أقام بالجزيرة و نواحيها حتى توفي بالشراة سنة أربع و خمسين في ولاية الضحاك بن قيس على الكوفة. فأما نسبه فقد ذكره ابن الكلبي في جمهرة الأنساب فقال هو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نضر بن ثعلب بن جشم بن عويف بن حرب بن علي بن مالك بن سعد بن بدير بن قسر و اسمه ملك بن عبقر بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن زيد بن كهلان. و يذكر أهل السير أن عليا ع هدم دار جرير و دور قوم ممن خرج معه حيث فارق عليا ع منهم أبو أراكة بن مالك بن عامر القسري كان ختنه على ابنته و موضع داره بالكوفة كان يعرف بدار أبي أراكة قديما و لعله اليوم نسي ذلك الاسم(4/103)

138 / 150
ع
En
A+
A-