لأنكره عليك ثم وجأه بجماعة قداح كانت في يده فحزت في جلده و لم تقطع و بادره من ذكرناه في قتله بما كان فيه قتله. فأما تأويله قول أمير المؤمنين ع قتله الله و أنا معه على أن المراد به الله أماته و سيميتني فبعيد من الصواب لأن لفظة أنا لا تكون كناية عن المفعول و إنما تكون كناية عن الفاعل و لو أراد ما ذكره لكان يقول و إياي معه و ليس له أن يقول إننا نجعل قوله و أنا معه مبتدأ محذوف الخبر و يكون تقدير الكلام و أنا معه مقتول و ذلك لأن هذا ترك للظاهر و إحالة على ما ليس فيه و الكلام إذا أمكن حمله على معنى يستقل ظاهره به من غير تقدير و حذف كان أولى مما يتعلق بمحذوف على أنهم إذا جعلوه مبتدأ و قدروا خبرا لم يكونوا بأن يقدروا ما يوافق مذهبهم بأولى من تقدير خلافه و يجعل بدلا من لفظة المقتول المحذوفة لفظة معين أو ظهير.(4/64)


شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 68و إذا تكافأ القولان في التقدير و تعارضا سقطا و وجب الرجوع إلى ظاهر الخبر على أن عثمان مضى مقتولا فكيف يقال إن الله تعالى أماته و القتل كاف في انتفاء الحياة و ليس يحتاج معه إلى ناف للحياة يسمى موتا. و قول صاحب المغني يجوز أن ين ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة ليس بشي ء لأن المروي أنه ضرب على رأسه بعمود عظيم من حديد و أن أحد قتلته قال جلست على صدره فوجأته تسع طعنات علمت أنه مات في ثلاث و وجأته الست الأخر لما كان في نفسي عليه من الحنق. و بعد فإذا كان جائزا فمن أين علمه أير المؤمنين ع حتى يقول إن الله أماته و إن الحياة لم تنتف بما فعله القاتلون و إنما انتفت بشي ء زاد على فعلهم من قبل الله تعالى مما لا يعلمه على سبيل التفصيل إلا علام الغيوب سبحانه. و الجواب عن هذه المطاعن على وجهين إجمالا و تفصيلا أما الوجه الإجمالي فهو أنا لا ننكر أن عثمان أحدث أحداثا أنكرها كثير من المسلمين و لكنا ندعي مع ذلك أنها لم تبلغ درجة الفسق و لا أحبطت ثوابه و أنها من الصغائر التي وقعت مكفرة و ذلك لأنا قد علمنا أنه مغفور له و أنه من أهل الجنة لثلاثة أوجه. أحدها أنه من أهل بدر
و قد قال رسول الله ص إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم
و لا يقال إن عثمان لم يشهد بدرا لأنا نقول صدقتم أنه لم يشهدها و لكنه تخلف على رقية ابنة رسول الله ص شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 69بالمدينة لمرضها و ضرب له رسول الله ص بسهمه و أجره باتفاق سائر الناس. و ثانيها أنه من أهل بيعة الرضوان الذين قال الله تعالى فيهلَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ و لا يقال إنه لم يشهد البيعة تحت الشجرة لأنا نقول صدقتم أنه لم يشهدها و لكنه كان رسول الله ص أرسله إلى أهل مكة و لأجله كانت بيعة الرضوان حيث أرجف بأن قريشا قتلت عثمان(4/65)


فقال رسول الله ص إن كانوا قتلوه لأضرمنها عليهم نارا ثم جلس تحت الشجرة و بايع الناس على الموت ثم قال إن كان عثمان حيا فأنا أبايع عنه فصفح بشماله على يمينه و قال شمالي خير من يمين عثمان
روى ذلك جميع أرباب أهل السيرة متفقا عليه. و ثالثها أنه من جملة العشرة الذين تظاهرت الأخبار بأنهم من أهل الجنة. و إذا كانت الوجوه الثلاثة دالة على أنه مغفور له و أن الله تعالى قد رضي عنه و هو من أهل الجنة بطل أن يكون فاسقا لأن الفاسق يخرج عندنا من الإيمان و يحبط ثوابه و يحكم له بالنار و لا يغفر له و لا يرضى عنه و لا يرى الجنة و لا يدخلها فاقتضت هذه الوجوه الصحيحة الثابتة أن يحكم بأن كل ما وقع منه فهو من باب الصغائر المكفرة توفيقا بين هذه الوجوه و بين روايات الأحداث المذكورة. و أما الوجه التفصيلي فهو مذكور في كتب أصحابنا المطولة في الإمامة فليطلب من مظانه فإنهم قد استقصوا في الجواب عن هذه المطاعن استقصاء لا مزيد عليه
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 70بيعة جرير بن عبد الله البجلي لعليفأما خبر جرير بن عبد الله البجلي و بعث أمير المؤمنين ع إياه إلى معاوية فنحن نذكره نقلا من كتاب صفين لنصر بن مزاحم بن بشار المنقري و نذكر حال أمير المؤمنين ع منذ قدم الكوفة بعد وقعة الجمل و مراسلته معاوية و غيره و مراسلة معاوية له و لغيره و ما كان من ذلك في مبدأ حالتهما إلى أن سار علي ع إلى صفين.(4/66)


قال نصر حدثني محمد بن عبيد الله عن الجرجاني قال لما قدم علي ع الكوفة بعد انقضاء أمر الجمل كاتب العمال فكتب إلى جرير بن عبد الله البجلي مع زحر بن قيس الجعفي و كان جرير عاملا لعثمان على ثغر همذان أما بعد ف إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ و إني أخبرك عن نبإ من سرنا إليه من جموع طلحة و الزبير عند نكثهم بيعتي و ما صنعوا بعاملي عثمان بن حنيف إني نهضت من المدينة بالمهاجرين و الأنصار حتى إذا كنت بالعذيب بعثت إلى أهل الكوفة الحسن بن علي و عبد الله بن عباس و عمار بن ياسر و قيس بن عبادة فاستنفرتهم فأجابوا فسرت بهم حتى نزلت بظهر البصرة فأعذرت في شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 71الدعاء و أقلت العثرة و ناشدتهم عهد بيعتهم فأبوا إلا قتالي فتعنت الله عليهم فقتل من قتل و ولوا مدبرين إلى مصرهم و سألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء فقبلت العافية و رفعت السيف و استعملت عليهم عبد الله بن العباس و سرت إلى الكوفة و قد بعثت إليك زحر بن قيس فاسأله عما بدا لك و السلام
قال فلما قرأ جرير الكتاب قام فقال أيها الناس هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع و هو المأمون على الدين و الدنيا و قد كان من أمره و أمر عدوه ما نحمد الله عليه و قد بايعه الناس الأولون من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان و لو جعل هذا الأمر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها ألا و إن البقاء في الجماعة و الفناء في الفرقة و إن عليا حاملكم على الحق ما استقمتم فإن ملتم أقام ميلكم فقال الناس سمعا و طاعة رضينا رضينا. فكتب جرير إلى علي ع جواب كتابه بالطاعة. قال نصر و كان مع علي رجل من طيئ ابن أخت لجرير فحمل زحر بن قيس شعرا له إلى خاله جرير و هو(4/67)


جرير بن عبد الله لا تردد الهدى و بايع عليا إنني لك ناصح فإن عليا خير من وطي ء الحصى سوى أحمد و الموت غاد و رائح و دع عنك قول الناكثين فإنما أولاك أبا عمرو كلاب نوابح و بايع إذا بايعته بنصيحة و لا يك منها من ضميرك قادح فإنك إن تطلب بها الدين تعطه و إن الدنيا فإنك رابح
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 72و إن قلت عثمان بن عفان حقه علي عظيم و الشكور مناصح فحق علي إذ وليك كحقه و شكرك ما أوليت في الناس صالح و إن قلت لا أرضى عليا إمامنا فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح أبى الله إلا أنه خير دهره و أفضل من ضمت عليه الأقال نصر ثم إن جريرا قام في أهل همذان خطيبا فقال الحمد لله الذي اختار لنفسه الحمد و تولاه دون خلقه لا شريك له في الحمد و لا نظير له في المجد و لا إله إلا الله وحده الدائم القائم إله السماء و الأرض و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالنور الواضح و الحق الناطق داعيا إلى الخير و قائدا إلى الهدى ثم قال أيها الناس إن عليا قد كتب إليكم كتابا لا يقال بعده إلا رجيع من القول و لكن لا بد من رد الكلام إن الناس بايعوا عليا بالمدينة عن غير محاباة له ببيعتهم لعلمه بكتاب الله و سنن الحق و إن طلحة و الزبير نقضا بيعته على غير محاباة حدثت و ألبا عليه الناس ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب و أخرجا أم المؤمنين فلقيهما فأعذر في الدعاء و أحسن في البقية و حمل الناس على ما يعرفون فهذا عيان ما غاب عنكم و إن سألتم الزيادة زدناكم و لا قوة إلا بالله ثم قال(4/68)

131 / 150
ع
En
A+
A-