فأما قوله إن أمير المؤمنين ع لم يطلبه ليقتله بل ليضع من قدره فهو بخلاف ما صرح به ع من أنه إن تمكن ليضربن عنقه. و بعد فإن ولي الدم إذا عفا عنه على ما ادعوا لم يكن لأحد أن يستخف به و لا يضع من قدره كما ليس له أن يقتله. و أما قوله إن أمير المؤمنين ع لا يجوز أن يتوعده مع عفو الإمام عنه فإنما يكون صحيحا لو كان ذلك العفو مؤثرا و قد بينا أنه غير مؤثر. و أما قوله يجوز أن يكون ع رأى أن قتله أقوى في الاجتهاد و أقرب إلى التشدد في دين الله فلا شك أنه كذلك و هذا بناء منه على أن كل مجتهد مصيب و قد بينا أن الأمر بخلاف ذلك و إذا كان اجتهاد أمير المؤمنين ع يقتضي قتله فهو الذي لا يسوغ خلافه. الطعن الحادي عشر و هو إجمالي قالوا وجدنا أحوال الصحابة دالة على تصديقهم المطاعن فيه و براءتهم منه و الدليل على ذلك أنهم تركوه بعد قتله ثلاثة أيام لم يدفنوه و لا أنكروا على من أجلب عليه من أهل الأمصار بل أسلموه و لم يدفعوا عنه و لكنهم أعانوا عليه و لم يمنعوا من حصره و لا من منع الماء عنه و لا من قتله مع تمكنهم من خلاف ذلك و هذا من أقوى الدلائل على ما قلناه و لو لم يدل على أمره عندهم إلا ما روي عن علي ع أنه قال الله قتله و أنا معه و أنه كان في أصحابه ع من يصرح بأنه قتل شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 63عثمان و مع ذلك لا يقيدهم بل و لا ينكر عليهم و كان أهل الشام يصرحون بأن مع أمير المؤمنين قتلة عثمان و يجعلون ذلك من أوكد الشبه و لا ينكر ذلك عليهم مع أنا نعلم أن أمير المؤمنين ع لو أراد أن يتعاضد هو أصحابه على المنع عنه لما وقع في حقه ما وقع فصار كفه و كف غيره عن ذلك من أدل الدلائل على أنهم صدقوا عليه ما نسب إليه من الأحداث و أنهم لم يقبلوا منه ما جعله عذرا. و أجاب قاضي القضاة عن هذا فقال أما تركه بعد القتل ثلاثة أيام لم يدفن فليس بثابت و لو صح لكان طعنا على من لزمه القيام به و قد قال شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى(4/59)
إنه لا يمتنع أن يشتغلوا بإبرام البيعة لأمير المؤمنين ع خوفا على الإسلام من الفتنة فيؤخروا دفنه. قال و بعيد مع حضور قريش و قبائل العرب و سائر بني أمية و مواليهم أن يترك عثمان و لا يدفن هذه المدة و بعيد أن يكون أمير المؤمنين ع لا يتقدم بدفنه و لو مات في جواره يهودي أو نصراني و لم يكن له من يواريه ما تركه أمير المؤمنين ألا يدفن فكيف يجوز مثل ذلك في عثمان و قد روي أنه دفن في تلك الليلة و هذا هو الأولى. فأما التعلق بأن الصحابة لم تنكر على القوم و لا دفعت عنه فقد سبق القول في ذلك و الصحيح عن أمير المؤمنين ع أنه تبرأ من قتل عثمان و لعن قتلته في البر و البحر و السهل و الجبل و إنما كان يجري من جيشه هذا القول منه على جهة المجاز لأنا نعلم أن جميع من كان يقول نحن قتلناه لم يقتله لأن في الخبر أن العدد الكثير كانوا يصرحون بذلك و الذين دخلوا عليه و قتلوه اثنان أو ثلاثة و إنما كانوا يقصدون بهذا القول أي احسبوا أنا قتلناه فما لكم و ذلك أن الإمام هو الذي يقوم بأمر القود و ليس للخارج عليه أن يطالب بذلك و لم يكن لأمير المؤمنين ع أن يقتل قتلته لو عرفهم ببينة أو إقرار و ميزهم من غيرهم إلا عند مطالبة ولي الدم و الذين كانوا أولياء شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 64الدم لم يكونوا يطالبونه و لا كانت صفتهم صفة من يطالب لأنهم كانوا كلهم أو بعضهم يدعون أن عليا ع ليس بإمام و لا يحل لولي الدم مع هذا الاعتقاد أن يطالب بالقود فلذلكم يقتلهم ع هذا لو صح أنه كان يميزهم فكيف و ذلك غير صحيح.
فأما ما روي عنه من قوله ع قتله الله و أنا معه(4/60)
فإن صح فمعناه مستقيم يريد أن الله أماته و سيميتني و سائر العباد. ثم قال سائلا نفسه كيف يقول ذلك و عثمان مات مقتولا من جهة المكلفين و أجاب بأنه و إن قتل فالإماتة من قبل الله تعالى و يجوز أن يكون ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة لا محالة فإذا مات صحت الإماتة على طريق الحقيقة. اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام فقال أما تضعيفه أن يكون عثمان ترك بعد القتل ثلاثة أيام لم يدفن فليس بحجة لأن ذلك قد رواه جماعة الرواة و ليس يخالف في مثله أحد يعرف بالرواية و قد ذكر ذلك الواقدي و غيره و روى أن أهل المدينة منعوا الصلاة عليه حتى حمل بين المغرب و العتمة و لم يشهد جنازته غير مروان و ثلاثة من مواليه و لما أحسوا بذلك رموه بالحجارة و ذكروه بأسوإ الذكر و لم يقع التمكن من دفنه إلا بعد أن أنكر أمير المؤمنين ع المنع من دفنه و أمر أهله بتولي ذلك منه. فأما قوله إن ذلك إن صح كان طعنا على من لزمه القيام بأمره فليس الأمر على ما ظنه بل يكون طعنا على عثمان من حيث لا يجوز أن يمنع أهل المدينة و فيها وجوه الصحابة من دفنه و الصلاة عليه إلا لاعتقاد قبيح أو لأن أكثرهم و جمهورهم يعتقد ذلك و هذا طعن لا شبهة فيه و استبعاد صاحب المغني لذلك مع ظهور الرواية به شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 65لا يلتفت إليه فأما أمير المؤمنين ع و استبعاد صاحب المغني منه ألا يتقدم بدفنه فقد بينا أنه تقدم بذلك بعد مماكسة و مراوضة و أعجب من كل شي ء قول صاحب المغني إنهم أخروا دفنه تشاغلا بالبيعة لأمير المؤمنين عأي شغل في البيعة لأمير المؤمنين يمنع من دفنه و الدفن فرض على الكفاية لو قام به البعض و تشاغل الباقون بالبيعة لجاز و ليس الدفن و لا البيعة أيضا مفتقرة إلى تشاغل جميع أهل المدينة بها. فأما قوله إنه قد روي أن عثمان دفن تلك الليلة فما تعرف هذه الرواية و قد كان يجب أن يسندها و يعزوها إلى راويها أو الكتاب الذي أخذها منه فالذي(4/61)
ظهر في الرواية هو ما ذكرناه. فأما إحالته على ما تقدم في معنى الإنكار من الصحابة على القوم المجلبين على عثمان فقد سبق القول في ذلك. فأما روايته عن أمير المؤمنين ع تبرؤه من قتل عثمان و لعنه قتلته في البر و البحر و السهل و الجبل فلا شك في أنه ع كان بريئا من قتله
و قد روي عنه ع أنه قال و الله ما قتلت عثمان و لا مالأت في قتله
و الممالأة هي المعاونة و الموازرة و قد صدق ع في أنه ما قتل و لا وازر على القتل. فأما لعنه قتلته فضعيف في الرواية و إن كان قد روي فأظهر منه
ما رواه الواقدي عن الحكم بن الصلت عن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال رأيت عليا ع على منبر رسول الله ص حين قتل و هو يقول ما أحببت قتله و لا كرهته و لا أمرت به و لا نهيت عنه
و قد روى محمد بن سعد عن عفان بن جرير بن بشير عن أبي جلدة أنه سمع عليا شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 66ع يقول و هو يخطب فذكر عثمان و قال و الله الذي لا إله إلا هو ما قتلته و لا مالأت على قتله و لا ساءني و روى ابن بشير عن عبيدة السلماني قال سمعت عليا ع يقول من كان سائلي عن دم عثمان فإن الله قتله و أنا معه
و قد روي هذا اللفظ من طرق كثيرة.
و قد روى شعبة عن أبي حمزة الضبعي قال قلت لابن عباس إن أبي أخبرني أنه سمع عليا يقول ألا من كان سائلي على دم عثمان فإن الله قتله و أنا معه فقال صدق أبوك هل تدري ما معنى قوله إنما عنى الله قتله و أنا مع الله(4/62)
قال فإن قيل كيف يصح الجمع بين معاني هذه الأخبار. قلنا لا تنافي بينها لأنه ع تبرأ من مباشرة قتله و المؤازرة عليه ثم قال ما أمرت بذلك و لا نهيت عنه يريد أن قاتليه لم يرجعوا إلي و لم يكن مني قول في ذلك بأمر و لا نهى فأما قوله الله قتله و أنا معه فيجوز أن يكون المراد به الله حكم بقتله و أوجبه و أنا كذلك لأن من المعلوم أن الله تعالى لم يقتله على الحقيقة فإضافة القتل إليه لا تكون إلا بمعنى الحكم و الرضا و ليس يمتنع أن يكون مما حكم الله تعالى به ما لم يتوله بنفسه و لا آزر عليه و لا شايع فيه. فإن قال قائل هذا ينافي ما روي عنه من قوله ما أحببت قتله و لا كرهته و كيف يكون من حكم الله و حكمه أن يقتل و هو لا يحب قتله. قلنا يجوز أن يريد بقوله ما أحببت قتله و لا كرهته أن ذلك لم يكن مني على سبيل التفصيل و لا خطر لي ببال و إن كان على سبيل الجملة يحب قتل من غلب المسلمين شرح هج البلاغة ج : 3 ص : 67على أمورهم و طالبوه بأن يعتزل لأنه مستول عليهم بغير حق فامتنع من ذلك و يكون فائدة هذا الكلام التبرؤ من مباشرة قتله و الأمر به على سبيل التفصيل أو النهي عنه و يجوز أن يريد أنني ما أحببت قتله إن كانوا تعمدوا القتل و لم يقع على سبيل المانعة و هو غير مقصود و يريد بقوله ما كرهته أني لم أكرهه على كل حال و من كل وجه. فأما لعنه قتلته فقد بينا أنه ليس بظاهر ظهور ما ذكرناه و إن صح فهو مشروط بوقوع القتل على الوجه المحظور من تعمد له و قصد إليه و غير ذلك على أن المتولي للقتل على ما صحت به الرواية كنانة بن بشير التجيبي و سودان بن حمران المرادي و ما منهما من كان غرضه صحيحا في القتل و لا له أن يقدم عليه فهو ملعون به فأما محمد بن أبي بكر فما تولى قتله و إنما روي أنه لما جثا بين يديه قابضا على لحيته قال له يا ابن أخي دع لحيتي فإن أباك لو كان حيا لم يقعد مني هذا المقعد فقال محمد أن أبي لو كان حيا ثم يراك تفعل ما تفعل(4/63)