هذا و لا تعدون الربذة فخرج إليها. و روى الواقدي عن مالك بن أبي الرجال عن موسى بن ميسرة أن أبا الأسود الدؤلي قال كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه فنزلت الربذة فقلت له أ لا تخبرني أ خرجت من المدينة طائعا أم أخرجت مكرها فقال كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم فأخرجت إلى مدينة الرسول ع فقلت أصحابي و دار هجرتي فأخرجت منها إلى ما ترى
ثم قال بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول الله ص فضربني برجله و قال لا أراك نائما في المسجد فقلت بأبي أنت شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 58و أمي غلبتني عيني فنمت فيه فقال كيف تصنع إذا أخرجوك منه فقلت إذن ألحق بالشام فإنها أرض مقدسة و أرض بقية الإام و أرض الجهاد فقال فكيف تصنع إذا أخرجت منها فقلت أرجع إلى المسجد قال فكيف تصنع إذا أخرجوك منه قلت آخذ سيفي فأضرب به فقال ص أ لا أدلك على خير من ذلك انسق معهم حيث ساقوك و تسمع و تطيع فسمعت و أطعت و أنا أسمع و أطيع و الله ليلقين الله عثمان و هو آثم في جنبي. و كان يقول بالربذة ما ترك الحق لي صديقا و كان يقول فيها ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا. و الأخبار في هذا الباب أكثر من أن تحصر و أوسع من أن نذكرها و ما يحمل نفسه على ادعاء أن أبا ذر خرج مختارا إلى الربذة إلا مكابر و لسنا ننكر أن يكون ما أورده صاحب كتاب المغني من أنه خرج مختارا قد روي إلا أنه من الشاذ النادر و بإزاء هذه الرواية الفذة كل الروايات التي تتضمن خلافها و من تصفح الأخبار علم أنها غير متكافئة على ما ظن صاحب المغني و كيف يجوز خروجه عن اختيار و إنما أشخص من الشام على الوجه الذي أشخص عليه من خشونة المركب و قبح السير به للموجدة عليه ثم لما قدم منع الناس من كلامه و أغلظ له في القول و كل هذا لا يشبه أن يكون خروجه إلى الربذة باختياره و كيف يظن عاقل أن أبا ذر يختار الربذة منزلا مع جدبها و قحطها و بعدها عن الخيرات و لم تكن بمنزل مثله.(4/54)
فأما قوله إنه أشفق عليه من أن يناله بعض أهل المدينة بمكروه من حيث كان يغلظ لهم القول فليس بشي ء لأنه لم يكن في أهل المدينة إلا من كان راضيا بقوله عاتبا بمثل عتبة إلا أنهم كانوا بين مجاهر بما في نفسه و مخف ما عنده و ما في أهل المدينة إلا شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 59من رثى لأبي مما حدث عليه و من استفظعه و من رجع إلى كتب السيرة عرف ما ذكرناه. فأما قوله أن عمر أخرج من المدينة نصر بن حجاج فيا بعد ما بين الأمرين و ما كنا نظن أن أحدا يسوي بين أبي ذر و هو وجه الصحابة و عينهم و من أجمع المسلمون على توقيره و تعظيمه و أن رسول الله ص مدحه من صدق اللهجة بما لم يمدح به أحدا و بين نصر بن الحجاج الحدث الذي كان خاف عمر من افتتان النساء بشبابه و لا حظ له في فضل و لا دين على أن عمر قد ذم بإخراجه نصر بن الحجاج من غير ذنب كان منه فإذا كان من أخرج نصر بن حجاج مذموما فكيف من أخرج أبا ذر. فأما قوله إن الله تعالى و الرسول قد ندبا إلى خفض الجناح و لين القول للمؤمن و الكافر فهو كما قال إلا أن هذا أدب كان ينبغي أن يتأدب به عثمان في أبي ذر و لا يقابله بالتكذيب و قد قطع رسول الله ص على صدقه و لا يسمعه مكروه الكلام فإنما نصح له و أهدى إليه عيوبه و عاتبه على ما لو نزع عنه لكان خيرا له في الدنيا و الآخرة. الطعن العاشر تعطيله الحد الواجب على عبيد الله بن عمر بن الخطاب فإنه قتل الهرمزان مسلما فلم يقده به و قد كان أمير المؤمنين ع يطلبه لذلك. قال قاضي القضاة في الجواب عن ذلك أن شيخنا أبا علي رحمه الله تعالى قال إنه لم يكن للهرمزان ولى يطلب بدمه و الإمام ولي من لا ولي له و للولي أن يعفو كما له أن يقتل و قد روي أنه سأل المسلمين أن يعفوا عنه فأجابوا عنه إلى ذلك. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 60قال و إنما أراد عثمان بالعفو عنه ما يعود إلى عز الدين لأنه خاف أن يبلغ العدو قت فيقال قتلوا إمامهم و قتلوا ولده و لا يعرفون(4/55)
الحال في ذلك فيكون فيه شماتة و قد قال الشيخ أبو الحسين الخياط أن عامة المهاجرين أجمعوا على أنه لا يقاد بالهرمزان و قالوا لعثمان هذا دم سفك في غير ولايتك و ليس له ولي يطلب به و أمره إلى الإمام فاقبل منه الدية فذلك صلاح للمسلمين
قال و لم يثبت أن أمير المؤمنين ع كان يطلبه ليقتله بالهرمزان لأنه لا يجوز قتل من عفا عنه ولي المقتول و إنما كان يطلبه ليضع من قدره و يصغر من شأنه. قال و يجوز أن يكون
ما روي عن علي ع من أنه قال لو كنت بدل عثمان لقتلته(4/56)
يعني أنه كان يرى ذلك أقوى في الاجتهاد و أقرب إلى التشدد في دين الله سبحانه. اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام قال أما قوله لم يكن للهرمزان ولي يطلب بدمه فالإمام يكون وليه و له أن يعفو عنه كما له أن يقتص فليس بمعتمد لأن الهرمزان رجل من أهل فارس و لم يكن له ولي حاضر يطالب بدمه و قد كان الواجب أن يبذل الإنصاف لأوليائه و يؤمنوا متى حضروا حتى أنه لو كان له ولي يريد المطالبة حضر و طالب ثم لو لم يكن له ولي لم يكن عثمان ولي دمه لأنه قتل في أيام عمر فصار عمر ولي دمه و قد أوصى عمر على ما جاءت به الروايات الظاهرة بقتل ابنه عبيد الله إن لم تقم البينة العادلة على الهرمزان و جفينة أنهما أمرا أبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بقتله و كانت وصيته بذلك إلى أهل الشورى فقال أيكم ولي هذا الأمر فليفعل كذا و كذا مما ذكرناه فلما مات عمر طلب المسلمون إلى عثمان إمضاء شرح نهج الاغة ج : 3 ص : 61الوصية في عبيد الله بن عمر فدافع عن ذلك و عللهم و لو كان هو ولي الدم على ما ذكروا لم يكن له أن يعفو و أن يبطل حدا من حدود الله تعالى و أي شماتة للعدو في إقامة حد من حدود الله تعالى و إنما الشماتة كلها من أعداء الإسلام في تعطيل الحدود و أي حرج في الجمع بين قتل الإمام و ابنه حتى يقال كره أن ينتشر الخبر بأن الإمام و ابنه قتلا و إنما قتل أحدهما ظلما و الآخر عدلا أو أحدهما بغير أمر الله و الآخر بأمره سبحانه.
و قد روى زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن أمير المؤمنين ع أتى عثمان بعد ما استخلف فكلمه في عبيد الله و لم يكلمه أحد غيره فقال اقتل هذا الفاسق الخبيث الذي قتل أميرا مسلما فقال عثمان قتلوا أباه بالأمس و أقتله اليوم و إنما هو رجل من أهل الأرض فلما أبى عليه مر عبيد الله على علي ع فقال له إيه يا فاسق أما و الله لئن ظفرت بك يوما من الدهر لأضربن عنقك فلذلك خرج مع معاوية عليه(4/57)
و روى القناد عن الحسن بن عيسى بن زيد عن أبيه أن المسلمين لما قال عثمان إني قد عفوت عن عبيد الله بن عمر قالوا ليس لك أن تعفو عنه قال بلى إنه ليس لجفينة و الهرمزان قرابة من أهل الإسلام و أنا ولي أمر المسلمين و أنا أولى بهما و قد عفوت فقال علي ع إنه ليس كما تقول إنما أنت في أمرهما بمنزلة أقصى المسلمين إنه قتلهما في إمرة غيرك و قد حكم الوالي الذي قتلا في إمارته بقتله و لو كان قتلهما في إمارتك لم يكن لك العفو عنه فاتق الله فإن الله سائلك عن هذا
فلما رأى عثمان أن المسلمين قد أبوا إلا قتل عبيد الله أمره فارتحل إلى الكوفة و أقطعه بها دارا و أرضا و هي التي يقال لها كويفة بن عمر فعظم ذلك عند المسلمين و أكبروه و كثر كلامهم فيه. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 6 و روي عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ع أنه قال ما أمسى عثمان يوم ولي حتى نقموا عليه في أمر عبيد الله بن عمر حيث لم يقتله بالهرمزان(4/58)