شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 48قال قاضي القضاة و قد أجاب شيخنا أبو علي رحمه الله تعالى عن ذلك فقال إن ضرب عمار غير ثابت و لو ثبت أنه ضربه للقول العظيم الذي كان يقوله لم يجب أن يكون طعنا عليه لأن لمام تأديب من يستحق التأديب و مما يبعد صحة ذلك أن عمارا لا يجوز أن يكفره و لما يقع منه ما يستوجب به الكفر لأن الذي يكفر به الكافر معلوم و لأنه لو كان قد وقع ذلك لكان غيره من الصحابة أولى بذلك و لوجب أن يجتمعوا على خلعه و لوجب أن يكون قتله مباحا لهم بل كان يجب أن يقيموا إماما ليقتله على ما قدمناه و ليس لأحد أن يقول إنما كفره عمار من حيث وثب على الخلافة و لم يكن لها أهلا لأنا قد بينا القول في ذلك و لأنه كان منصوبا لأبي بكر و عمر ما تقدم و قد بينا أن صحة إمامتهما تقتضي صحة إمامة عثمان.
و قد روي أن عمارا نازع الحسن بن علي ع في أمر عثمان فقال عمار قتل عثمان كافرا و قال الحسن ع قتل مؤمنا و تعلق بعضهما ببعض فصارا إلى أمير المؤمنين ع فقال ما ذا تريد من ابن أخيك فقال إني قلت كذا و قال كذا فقال له أمير المؤمنين ع أ تكفر برب كان يؤمن به عثمان فسكت عمار(4/44)


و قد ذكر الشيخ أبو الحسين الخياط أن عثمان لما نقم عليه ضربه عمارا احتج لنفسه فقال جاءني سعد و عمار فأرسلا إلي أن ائتنا فإنا نريد أن نذاكرك أشياء فعلتها فأرسلت إليهما أني مشغول فانصرفا فموعدكما يوم كذا فانصرف سعد و أبى عمار أن ينصرف فأعدت الرسول إليه فأبى أن ينصرف فتناوله بغير أمري و و الله ما أمرت به و لا رضيت و ها أنا فليقتص مني. قال و هذا من أنصف قول و أعدله. اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام فقال أما الدفع لضرب عمار فهو شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 49كالإنكار لطلوع الشمس ظهورا و انتشارا و كل من قرألأخبار و تصفح السير يعلم من هذا الأمر ما لا تثنيه عنه مكابرة و لا مدافعة و هذا الفعل أعني ضرب عمار لم تختلف الرواة فيه و إنما اختلفوا في سببه فروى عباس بن هشام الكلبي عن أبي مخنف في إسناده أنه كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي و جوهر فأخذ منه عثمان ما حلي به بعض أهله فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك و كلموه فيه بكل كلام شديد حتى أغضبوه فخطب فقال لنأخذن حاجتنا من هذا الفي ء و إن رغمت به أنوف أقوام فقال له علي ع إذن تمنع من ذلك و يحال بينك و بينه فقال عمار أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك فقال عثمان أ علي ا ابن ياسر تجترئ خذوه فأخذ و دخل عثمان فدعا به فضربه حتى غشي عليه ثم أخرج فحمل حتى أتي به منزل أم سلمة رضي الله تعالى عنها فلم يصل الظهر و العصر و المغرب فلما أفاق توضأ و صلى و قال الحمد لله ليس هذا أول يوم أوذينا في الله تعالى فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي و كان عمار حليفا لبني مخزوم يا عثمان أما علي فاتقيته و أما نحن فاجترأت علينا و ضربت أخانا حتى أشفيت به على التلف أما و الله لئن مات لأقتلن به رجلا من بني أمية عظيم الشأن فقال عثمان و إنك لهاهنا يا ابن القسرية قال فإنهما قسريتان و كانت أم هشام و جدته قسريتين من بجيلة فشتمه عثمان و أمر به فأخرج فأتي به أم سلمة(4/45)


رضي الله تعالى عنها فإذا هي قد غضبت لعمار و بلغ عائشة رضي الله تعالى عنها ما صنع بعمار فغضبت أيضا و أخرجت شعرا من شعر رسول الله ص و نعلا من نعاله و ثوبا من ثيابه و قالت ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم و هذا شعره و ثوبه و نعله لم يبل بعد.
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 50و روى آخرون أن السبب في ذلك أن عثمان مر بقبر جديد فسأل عنه فقيل عبد الله بن مسعود فغضب على عمار لكتمانه إياه موته إذ كان المتولي للصلاة عليه و القيام بشأنه فعندها وطئ عثمان عمارا حتى أصابه الفتق. و روى آخرون أن المقداد و عمارو طلحة و الزبير و عدة من أصحاب رسول الله ص كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان و خوفوه به و أعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع فأخذ عمار الكتاب فأتاه به فقرأ منه صدرا ثم قال له أ علي تقدم من بينهم فقال لأني أنصحهم لك قال كذبت يا ابن سمية فقال أنا و الله ابن سمية و ابن ياسر فأمر عثمان غلمانا له فمدوا بيديه و رجليه ثم ضربه عثمان برجليه و هي في الخفين على مذاكيره فأصابه الفتق و كان ضعيفا كبيرا فغشي عليه. قال فضرب عمار على ما ترى غير مختلف فيه بين الرواة و إنما اختلفوا في سببه و الخبر الذي رواه صاحب المغني و حكاه عن أبي الحسين الخياط ما نعرفه و كتب السيرة المعلومة خالية منه و من نظيره و قد كان يجب أن يضيفه إلى الموضع الذي أخذ منه فإن قوله و قول من أسند إليه ليس بحجة و لو كان صحيحا لكان يجب أن يقول بدل قوله ها أنا فليقتص مني إذا كان ما أمر بذلك و لا رضي عنه و إنما ضربه الغلام الجاني فليقتص منه فإنه أولى و أعدل. و بعد فلا تنافي بين الروايتين لو كان ما رواه معروفا لأنه يجوز أن يكون غلامه ضربه في حال و ضربه هو في حال أخرى و الروايات إذا لم تتعارض لم يجز إسقاط شي ء منها. فأما قوله إن عمارا لا يجوز أن يكفره و لم يقع منه ما وجب الكفر فإن تكفير عمار و غير عمار له معروف و قد جاءت به الروايات و قد روي من طرق(4/46)


مختلفة و بأسانيد كثيرة أن عمارا كان يقول ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر و أنا الرابع و أنا شر شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 51الأربعة وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهفَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و أنا أشهد أنه قد حكم بغير ما أنزل الله. و روي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنه قيل له بأي شي ء كفرتم عثمان فقال بثلاث جعل المال دولة بين الأغنياء و جعل المهاجرين من أصحاب رسول الله ص بمنزلة من حارب الله و رسوله و عمل بغير كتا الله. و روي عن حذيفة أنه كان يقول ما في عثمان بحمد الله أشك لكني أشك في قاتله لا أدري أ كافر قتل كافرا أم مؤمن خاض إليه الفتنة حتى قتله و هو أفضل المؤمنين إيمانا فأما ما رواه من منازعة الحسن ع عمارا في ذلك و ترافعهما إلى أمير المؤمنين ع فهو أولا غير دافع لكون عمار مكفرا له بل شاهد بذلك من قوله ع ثم إن كان الخبر صحيحا فالوجه فيه أن عمارا كان يعلم من لحن كلام أمير المؤمنين ع و عدوله عن أن يقضي بينهما بصريح من القول أنه متمسك بالتقية فأمسك عمار متابعة لغرضه. فأما قوله لا يجوز أن يكفره من حيث وثب على الخلافة لأنه كان مصوبا لأبي بكر و عمر لما تقدم من كلامه في ذلك فإنا لا نسلم له أن عمارا كان مصوبا لهما و ما تقدم من كلامه قد تقدم كلامنا عليه. فأما قوله عن أبي علي أنه لو ثبت أنه ضربه للقول العظيم الذي كان يقوله فيه لم يكن طعنا لأن للإمام تأديب من يستحق ذلك فقد كان يجب أن يستوحش صاحب كتاب المغني أو من حكى كلامه من أبي علي و غيره من أن يعتذر من ضرب عمار و وقذه حتى لحقه من الغشي ما ترك له الصلاة و وطئه بالأقدام امتهانا و استخفافا بشي ء من العذر شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 52فلا عذر يسمع من إيقاع نهاية المكروه بم روي أن النبي ص قال فيه عمار جلده ما بين العين و الأنف و متى تنكأ الجلدة يدم الأنف
و روي أنه قال ع ما لهم و لعمار يدعوهم إلى الجنة و يدعونه إلى النار(4/47)


روى العوام بن حوشب عن سلمة بن كهيل عن علقمة عن خالد بن الوليد أن رسول الله ص قال من عادى عمارا عاداه الله و من أبغض عمارا أبغضه الله
و أي كلام غليظ سمعه عثمان من عمار يستحق به ذلك المكروه العظيم الذي يجاوز مقدار ما فرضه الله تعالى في الحدود و إنما كان عمار و غيره أثبتوا عليه أحداثه و معايبه أحيانا على ما يظهر من سيئ أفعاله و قد كان يجب عليه أحد أمرين إما أن ينزع عما يواقف عليه من تلك الأفعال أو يبين من عذره عنها و براءته منها ما يظهر و يشتهر فإن أقام مقيم بعد ذلك على توبيخه و تفسيقه زجره عن ذلك بوعظ أو غيره و لا يقدم على ما يفعله الجبابرة و الأكاسرة من شفاء الغيظ بغير ما أنزل الله تعالى و حكم به الطعن التاسع إقدامه علي أبي ذر مع تقدمه في الإسلام حتى سيره إلى الربذة و نفاه و قيل إنه ضربه. قال قاضي القضاة في الجواب عن ذلك أن شيخنا أبا علي رحمه الله تعالى قال إن الناس اختلفوا في أمر أبي ذر رحمه الله تعالى و روي أنه قيل لأبي ذر عثمان أنزلك الربذة فقال لا بل اخترت لنفسي ذلك. و روي أن معاوية كتب يشكوه و هو بالشام فكتب عثمان إليه أن صر إلى المدينة فلما صار إليها قال ما أخرجك إلى الشام قال(4/48)

127 / 150
ع
En
A+
A-