و لما مرض ابن مسعود مرضه الذي مات فيه أتاه عثمان عائدا فقال ما تشتكي فقال ذنوبي قال فما تشتهي قال رحمة بي قال أ لا أدعو لك طبيبا قال شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 43الطبيب أمرضني قال أ فلا آمر لك بعطائك قال منعتنيه و أنا محتاج إليه و تعطينيه و أنا مستغن عنه ل يكون لولدك قال رزقهم على الله تعالى قال استغفر لي يا أبا عبد الرحمن قال أسأل الله أن يأخذ لي منك حقي. قال و صاحب المغني قد حكى بعض هذا الخبر في آخر الفصل الذي حكاه من كلامه و قال هذا يوجب ذم ابن مسعود من حيث لم يقبل العذر و هذا منه طريف لأن مذهبه لا يقتضي قبول كل عذر ظاهر و إنما يجب قبول العذر الصادق الذي يغلب في الظن أن الباطن فيه كالظاهر فمن أين لصاحب المغني أن اعتذار عثمان إلى ابن مسعود كان مستوفيا للشرائط التي يجب معها القبول و إذا جاز ما ذكرناه لم يكن على ابن مسعود لوم في الامتناع من قبول عذره. فأما قوله إن عثمان لم يضربه و إنما ضربه بعض مواليه لما سمع وقيعته فيه فالأمر بخلاف ذلك و كل من قرأ الأخبار علم أن عثمان أمر بإخراجه عن المسجد على أعنف الوجوه و بأمره جرى ما جرى عليه و لو لم يكن بأمره و رضاه لوجب أن ينكر على مولاه كسر ضلعه و يعتذر إلى من عاتبه على فعله بابن مسعود بأن يقول إني لم آمر بذلك و لا رضيته من فاعله و قد أنكرت عليه فعله. و في علمنا بأن ذلك لم يكن دليل على ما قلنا و قد روى الواقدي بإسناده و غيره أن ابن مسعود لما استقدم المدينة دخلها ليلة جمعة فلما علم عثمان بدخوله قال أيها الناس إنه قد طرقكم الليلة دويبة من تمشي على طعامه يقي ء و يسلح فقال ابن مسعود لست كذلك و لكنني صاحب رسول الله ص يوم بدر و صاحبه يوم أحد و صاحبه يوم بيعة الرضوان و صاحبه يوم الخندق و صاحبه يوم حنين قال و صاحت عائشة يا عثمان أ تقول هذا لصاحب رسول الله ص فقال عثمان اسكتي ثمقال لعبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى بن قصي(4/39)
أخرجه إخراجا عنيفا فأخذه شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 44ابن زمعة فاحتمله حتى جاء به باب مسجد فضرب به الأرض فكسر ضلعا من أضلاعه فقال ابن مسعود قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان و في رواية أخرى أن ا زمعة الذي فعل به ما فعل كان مولى لعثمان أسود مسدما طوالا و في رواية أخرى أن فاعل ذلك يحموم مولى عثمان و في رواية أنه لما احتمله ليخرجه من المسجد ناداه عبد الله أنشدك الله ألا تخرجني من مسجد خليلي ص. قال الراوي فكأني أنظر إلى حموشة ساقي عبد الله بن مسعود و رجلاه تختلفان على عنق مولى عثمان حتى أخرج من المسجد و هو الذي يقول فيه رسول الله ص لساقا ابن أم عبد أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد. و قد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي أن عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطا في دفنه أبا ذر و هذه قصة أخرى و ذلك أن أبا ذر رحمه الله تعالى لما حضرته الوفاة بالربذة و ليس معه إلا امرأته و غلامه عهد إليهما أن غسلاني ثم كفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم قولوا لهم هذا أبو ذر صاحب رسول الله ص فأعينونا على دفنه فلما مات فعلوا ذلك و أقبل ابن مسعود في ركب من العراق معتمرين فلم يرعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق قد كادت الإبل تطؤها فقام إليهم العبد فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله ص فأعينونا على دفنه فانهل ابن مسعود باكيا و قال صدق رسول الله ص قال له تمشي وحدك و تموت وحدك و تبعث وحدك ثم نزل هو و أصحابه فواروه قال فأما قوله إن ذلك ليس بأن يكون طعنا في عثمان بأولى من أن يكون طعنا في ابن مسعود فواضح البطلان و إنما كان طعنا في عثمان دون ابن مسعود لأنه لا خلاف(4/40)
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 45بين الأمة في طهارة ابن مسعود و فضله و إيمانه و مدح رسول الله ص و ثنائه عليه و أنه مات على الجملة المحمودة منه و في جميع هذا خلاف بين المسلمين في عثمان. فأما قوله إن ابن مسعود كره جمع عثمان الناس على قراءة زيد و إحراقه المصاحفلا شك أن عبد الله كره ذلك كما كرهه جماعة من أصحاب رسول الله ص و تكلموا فيه و قد ذكر الرواة كلام كل واحد منهم في ذلك مفصلا و ما كره عبد الله من ذلك إلا مكروها و هو الذي
يقول رسول الله ص في حقه من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد
و روي عن ابن عباس رحمه الله تعالى أنه قال قراءة ابن أم عبد هي القراءة الأخيرة
إن رسول الله ص كان يعرض عليه القرآن في كل سنة من شهر رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه دفعتين فشهد عبد الله ما نسخ منه و ما صح فهي القراءة الأخيرة.
و روي عن الأعمش قال قال ابن مسعود لقد أخذت القرآن من في رسول الله ص سبعين سورة و إن زيد بن ثابت لغلام في الكتاب له ذؤابة(4/41)
فأما حكايته عن أبي الحسين الخياط أن ابن مسعود إنما عاب عثمان لعزله إياه فعبد الله عند كل من عرفه بخلاف هذه الصورة و إنه لم يكن ممن يخرج على عثمان و يطعن في إمامته بأمر يعود إلى منفعة الدنيا و إن كان عزله بما لا شبهة فيه في دين و لا أمانة عيبا لا شك فيه شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 46الطعن السابع أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة و أحرق المصاحف و أبطل ما لا شك أنه نزل من القرآن و أنه مأخوذ عن الرسول ص و لو كان ذلك مما يسوغ لسبق إليه رسول الله ص و لفعله أبو بكر و عمر. قال قاضي القضاة و جوابنا عن ذلك أن وجه في جمع القرآن على قراءة واحدة تحصين القرآن و ضبطه و قطع المنازعة و الاختلاف فيه و قولهم لو كان ذلك واجبا لفعله الرسول ص غير لازم لأن الإمام إذا فعله صار كأن الرسول ص فعله و لأن الأحوال في ذلك تختلف و قد روي أن عمر كان عزم على ذلك فمات دونه و ليس لأحد أن يقول إن إحراقه المصاحف استخفاف بالدين و ذلك لأنه إذا جاز من الرسول ص أن يخرب المسجد الذي بني ضرارا و كفرا فغير ممتنع إحراق المصاحف. اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام فقال إن اختلاف الناس في القراءة ليس بموجب لما صنعه لأنهم يروون
أن النبي ص قال نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف(4/42)
فهذا الاختلاف عندهم في القرآن مباح مسند عن الرسول ص فكيف يحظر عليهم عثمان من التوسع في الحروف ما هو مباح فلو كان في القراءة الواحدة تحصين القرآن كما ادعى لما أباح النبي ص في الأصل إلا القراءة الواحدة لأنه أعلم بوجوه المصالح من جميع أمته من حيث كان مؤيدا بالوحي موفقا في كل ما يأتي و يذر و ليس له أن يقول حدث من الاختلاف في أيام عثمان ما لم يكن في أيام الرسول ص و لا ما أباحه و ذلك لأن الأمر شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 47لو كان على هذا لوجب أن ينهى عن القراءة الحادثة و الأمر المبتدع و لا يحمله ما أحدث من القراءعلى تحريم المتقدم بلا شبهة. و قوله إن الإمام إذا فعل ذلك فكأن الرسول ص فعله تعلل بالباطل و كيف يكون كما ادعى و هذا الاختلاف بعينه قد كان موجودا في أيام الرسول ص فلو كان سبب الانتشار الزيادة في القرآن و في قطعه تحصين له لكان ع بالنهي عن هذا الاختلاف أولى من غيره اللهم إلا أن يقال حدث اختلاف لم يكن فقد قلنا فيه ما كفى. و أما قوله إن عمر قد كان عزم على ذلك فمات دونه فما سمعناه إلا منه و لو فعل ذلك أي فاعل كان لكان منكرا. فأما الاعتذار عن كون إحراق المصاحف لا يكون استخفافا بالدين بحمله إياه على تخريب مسجد الضرار فبين الأمرين بون بعيد لأن البنيان إنما يكون مسجدا و بيتا لله تعالى بنية الباني و قصده و لو لا ذلك لم يكن بعض البنيان بأن يكون مسجدا أولى من بعض و لما كان قصد الباني لذلك الموضع غير القربة و العبادة بل خلافها و ضدها من الفساد و المكيدة لم يكن في الحقيقة مسجدا و إن سمي بذلك مجازا على ظاهر الأمر فهدمه لا حرج فيه و ليس كذلك ما بين الدفتين لأنه كلام الله تعالى الموقر المعظم الذي يجب صيانته عن البذلة و الاستخفاف فأي نسبة بين الأمرين. الطعن الثامن أنه أقدم عمار بن ياسر بالضرب حتى حدث به فتق و لهذا صار أحد من ظاهر المتظلمين من أهل الأمصار على قتله و كان يقول قتلناه كافرا.(4/43)