حالهم مشهورة في الخلاعة و المجانة و التجرم و التهتك و لم يختلف اثنان في أن الوليد بن عقبة لم يستأنف التظاهر بشرب الخمر و الاستخفاف بالدين على استقبال ولايته للكوفة بل هذه كانت سنته و العادة المعروفة منه و كيف يخفى على عثمان و هو قريبه و لصيقه و أخوه لأمه من حاله ما لا يخفى على الأجانب الأباعد و لهذا قال له سعد بن أبي وقاص في رواية الواقدي و قد دخل الكوفة يا أبا وهب أمير أم زائر قال بل أمير فقال سعد ما أدري أ حمقت بعدك أم كست بعدي قال ما حمقت بعدي و لا كست بعدك و لكن القوم ملكوا فاستأثروا فقال سعد ما أراك إلا صادقا. و في رواية أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي أن الوليد لما دخل الكوفة مر على مجلس عمرو بن زرارة النخعي فوقف فقال عمرو يا معشر بني أسد بئسما استقبلنا به أخوكم ابن عفان أ من عدله أن ينزع عنا ابن أبي وقاص الهين اللين السهل القريب و يبعث بدله أخاه الوليد الأحمق الماجن الفاجر قديما و حديثا و استعظم الناس مقدمه و عزل سعد به و قالوا أراد عثمان كرامة أخيه بهوان أمة محمد ص و هذا تحقيق ما ذكرناه من أن حاله كانت مشهورة قبل الولاية لا ريب فيها عند أحد فكيف شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 18يقال إنه كان مستورا حتى ظهر م ما ظهر و في الوليد نزل قوله تعالى أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ فالمؤمن هاهنا أمير المؤمنين ع و الفاسق الوليد على ما ذكره أهل التأويل و فيه نزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ و السبب في ذلك أنه كذب على بني المصطلق عند رسول الله ص و ادعى أنهم منعوه الصدقة و لو قصصنا مخازيه المتقدمة و مساويه لطال بها الشرح. و أما شربه الخمر بالكوفة و سكره حتى دخل عليه ]من دخل[ و أخذ خاتمه من إصبعه و هو لا يعلم فظاهر و قد سارت به(4/14)
الركبان و كذلك كلامه في الصلاة و التفاته إلى من يقتدي به فيها و هو سكران و قوله لهم أ أزيدكم فقالوا لا قد قضينا صلواتنا حتى قال الحطيئة في ذلك.
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 19نادى و قد نفدت صلاتهم أ أزيدكم ثملا و ما يدري ليزيدهم خيرا و لو قبلوا منه لقادهم على عشرفأبوا أبا وهب و لو فعلوا لقرنت بين الشفع و الوترحبسوا عنانك إذ جريت و لو خلوا عنانك لم تزل تجو قال فيه أيضا(4/15)
تكلم في الصلاة و زاد فيها علانية و جاهر بالنفاق و مج الخمر في سنن المصلى و نادى و الجميع إلى افتراق أزيدكم على أن تحمدوني فما لكم و ما لي من خلاو أما قوله إنه جلده الحد و عزله فبعد أي شي ء كان ذلك و لم يعزله إلا بعد أن دافع و مانع و احتج عنه و ناضل و لو لم يقهره أمير المؤمنين ع على رأيه لما عزله و لا أمكن من جلده و قد روى الواقدي أن عثمان لما جاءه الشهود يشهدون على الوليد بشرب الخمر أوعدهم و تهددم. قال الواقدي و يقال إنه ضرب بعض الشهود أيضا أسواطا فأتوا أمير المؤمنين ع فشكوا إليه فأتى عثمان فقال عطلت الحدود و ضربت قوما شهدوا على أخيك فقلبت الحكم و قد قال لك عمر لا تحمل بني أمية و آل أبي معيط على رقاب الناس قال فما ترى قال أرى أن تعزله و لا توليه شيئا من أمور المسلمين و أن تسأل عن الشهود فإن لم يكونوا أهل ظنة و لا عداوة أقمت على صاحبك الحد و تكلم في مثل ذلك طلحة و الزبير و عائشة و قالوا أقوالا شديدة و أخذته الألسن من كل جانب فحينئذ عزله و مكن من إقامة الحد عليه. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 20و قد روالواقدي أن الشهود لما شهدوا عليه في وجهه و أراد عثمان أن يحده ألبسه جبة خز و أدخله بيتا فجعل إذا بعث إليه رجلا من قريش ليضربه قال له الوليد أنشدك الله أن تقطع رحمي و تغضب أمير المؤمنين فلما رأى علي ع ذلك أخذ السوط و دخل عليه فجلده به فأي عذر لعثمان في عزله و جلده بعد هذه الممانعة الطويلة و المدافعة الشديدة. و قصة الوليد مع الساحر الذي كان يلعب بين يديه و يغر الناس بمكره و خديعته و أن جندب بن عبد الله الأزدي امتعض من ذلك و دخل عليه فقتله و قال له أحي نفسك إن كنت صادقا و أن الوليد أراد أن يقتل جندبا بالساحر حتى أنكر الأزد ذلك عليه فحبسه و طال حبسه حتى هرب من السجن معروفة مشهورة. فإن قيل فقد ولى رسول الله ص الوليد بن عقبة هذا صدقة بني المصطلق و ولاه عمر صدقة تغلب فكيف تدعون أن حاله في(4/16)
أنه لا يصلح للولاية ظاهرة. قلنا لا جرم إنه غر رسول الله ص و كذب على القوم حتى نزلت فيه الآية التي قدمنا ذكرها فعزله و ليس خطب ولاية الصدقة مثل خطب ولاية الكوفة. فأما عمر فإنه لما بلغه قوله
إذا ما شددت الرأس مني بمشوذ فويلك مني تغلب ابنة وائل
عزله. و أما عزل أمير المؤمنين ع بعض أمرائه لما ظهر من الحدث كالقعقاع بن شور و غيره و كذلك عزل عمر قدامة بن مظعون لما شهد عليه بشرب الخمر و جلده له فإنه لا يشبه ما تقدم لأن كل واحد ممن ذكرناه لم يول إلا من هو حسن الظاهر عنده و عند الناس غير معروف باللعب و لا مشهور بالفساد ثم لما ظهر منه ما ظهر شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 21لم يحام عنه و لا كذب الشهود عليه و كابرهم بل عزله مختارا غير مضطر و كل هذا لم يجر في أمراء عثمان و قد بينا كيف كان عزل الوليد و إقامة الحد عليه. فأما أبو موسى فإن أمير المؤمنين ع لم يوله اكم مختارا لكنه غلب على رأيه و قهر على أمره و لا رأى لمقهور. فأما قوله إن ولاية الأقارب كولاية الأباعد بل الأقارب أولى من حيث كان التمكن من عزلهم أشد و ذكر تولية أمير المؤمنين ع أولاد العباس رحمه الله تعالى و غيرهم فليس بشي ء لأن عثمان لم ينقم عليه تولية اأقارب من حيث كانوا أقارب بل من حيث كانوا أهل بيت الظنة و التهمة و لهذا حذره عمر و أشعر بأنه يحملهم على رقاب الناس و أمير المؤمنين ع لم يول من أقاربه متهما و لا ظنينا و حين أحس من ابن العباس ببعض الريبة لم يمهله و لا احتمله و كاتبه بما هو شائع ظاهر و لو لم يجب على عثمان أن يعدل عن ولاية أقاربه إلا من حيث جعل عمر ذلك سبب عدوله عن النص عليه و شرط عليه يوم الشورى ألا يحمل أقاربه على رقاب الناس و لا يؤثرهم لمكان القرابة بما لا يؤثر به غيرهم لكان صارفا قويا فضلا عن أن ينضاف إلى ذلك ما انضاف من خصالهم الذميمة و طرائقهم القبيحة. فأما سعيد بن أبي العاص فإنه قال في الكوفة إنما السواد بستان(4/17)
لقريش تأخذ منه ما شاءت و تترك حتى قالوا له أ تجعل ما أفاء الله علينا بستانا لك و لقومك و نابذوه و أفضى الأمر إلى تسييره من سير عن الكوفة و القصة مشهورة ثم انتهى الأمر إلى منع أهل الكوفة سعيدا من دخولها و تكلموا فيه و فيه عثمان كلاما ظاهرا حتى شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 22كادوا يخلعون عثمان فاضطر حينئذ إلى إجابتهم إلى ولاية أبي موسى فلم يصرف سعيدا مختارا بل ما صرفه جملة و إنما صرفه أهل الكوفة عنهم. فأما قوله إنه أنكر الكتاب المتضمن لل محمد بن أبي بكر و أصحابه و حلف على أن الكتاب ليس بكتابه و لا الغلام غلامه و لا الراحلة راحلته و أن أمير المؤمنين ع قبل عذره فأول ما فيه أنه حكى القصة بخلاف ما جرت عليه لأن جميع من يروي هذه القصة ذكر أنه اعترف بالخاتم و الغلام و الراحلة و إنما أنكر أن يكون أمر بالكتابة لأنه روي أن القوم لما ظفروا بالكتاب قدموا المدينة فجمعوا أمير المؤمنين ع و طلحة و الزبير و سعدا و جماعة الأصحاب ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم و أخبروهم بقصة الغلام فدخلوا على عثمان و الكتاب مع أمير المؤمنين فقال له أ هذا الغلام غلامك قال نعم قال و البعير بعيرك قال نعم قال أ فأنت كتبت هذا الكتاب قال لا و حلف بالله أنه ما كتب الكتاب و لا أمر به فقال له فالخاتم خاتمك قال نعم قال فكيف يخرج غلامك على بعيرك بكتاب عليه خاتمك و لا تعلم به. و في رواية أخرى أنه لما واقفه عليه قال عثمان أما الخط فخط كاتبي و أما الخاتم فعلى خاتمي قال فمن تتهم قال أتهمك و أتهم كاتبي فخرج أمير المؤمنين ع مغضبا و هو يقول بل بأمرك و لزم داره و بعد عن توسط أمره حتى جرى عليه ما جرى. و أعجب الأمور قوله لأمير المؤمنين ع إني أتهمك و تظاهره بذلك و تلقيه إياه في وجهه بهذا القول مع بعده من التهمة و الظنة في كل شي ء و في أمره خاصة فإن القوم في الدفعة الأولى أرادوا أن يعجلوا له ما أخبروه حتى قام أمير المؤمنين ع بأمره و توسطه و(4/18)