فأما الكلام في المطاعن المفصلة التي طعن بها فيه فنحن نذكرها و نحكي ما ذكره قاضي القضاة و ما اعترضه به المرتضى رحمه الله تعالى. الطعن الأول قال قاضي القضاة في المغني فمما طعن به عليه قولهم إنه ولى أمور المسلمين من لا يصلح لذلك و لا يؤتمن عليه و من ظهر منه الفسق و الفساد و من لا علم عنده مراعاة منه لحرمة القرابة و عدولا عن مراعاة حرمة الدين و النظر للمسلمين حتى ظهر ذلك منه و تكرر و قد كان عمر حذره من ذلك حيث وصفه بأنه كلف بأقاربه و قال له إذا وليت هذا الأمر فلا تسلط بني أبي معيط على رقاب الناس فوقع منه ما حذره إياه و عوتب في ذلك فلم ينفع العتب و ذلك نحو استعماله الوليد بن عقبة و تقليده إياه شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 12حتى ظهر منه شرب الخمر و استعماله سعيد بن العاص حتى ظهرت منه الأمور التي عندها أخرجه أهل الكوفة و توليته عبد الله بن أبي سرح و عبد الله بن عامرن كريز حتى روي عنه في أمر ابن أبي سرح أنه لما تظلم منه أهل مصر و صرفه عنهم بمحمد بن أبي بكر كاتبه بأن يستمر على ولايته فأبطن خلاف ما أظهر فعل من غرضه خلاف الدين و يقال إنه كاتبه بقتل محمد بن أبي بكر و غيره ممن يرد عليه و ظفر بذلك الكتاب و لذلك عظم التظلم من بعد و كثر الجمع و كان سبب الحصار و القتل حتى كان من أمر مروان و تسلطه عليه و على أموره ما قتل بسببه و ذلك ظاهر لا يمكن دفعه. قال رحمه الله تعالى و جوابنا عن ذلك أن نقول أما ما ذكر من توليته من لا يجوز أن يستعمل فقد علمنا أنه لا يمكن أن يدعى أنه حين استعملهم علم من أحوالهم خلاف الستر و الصلاح لأن الذي ثبت عنهم من الأمور القبيحة حدث من بعد و لا يمتنع كونهم في الأول مستورين في الحقيقة أو مستورين عنده و إنما كان يجب تخطئته لو استعملهم و هم في الحال لا يصلحون لذلك. فإن قيل فلما علم بحالهم كان يجب أن يعزلهم قيل كذلك فعل لأنه إنما استعمل الوليد بن عقبة قبل ظهور شرب الخمر عنه(4/9)


شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 13فلما شهد عليه بذلك جلده الحد و صرفه و قد روي مثله عن عمر فإنه ولى قدامة بن مظعون بعض أعماله فشهدوا عليه بشرب الخمر أشخصه و جلده الحد فإذا عد ذلك في فضائل عمر لم ز أن يعد ما ذكروه في الوليد من معايب عثمان و يقال إنه لما أشخصه أقام عليه الحد بمشهد أمير المؤمنين ع. و قد اعتذر من عزله سعد بن أبي وقاص بالوليد بأن سعدا شكاه أهل الكوفة فأداه اجتهاده إلى عزله بالوليد. فأما سعيد بن العاص فإنه عزله عن الكوفة و ولى مكانه أبا موسى و كذلك عبد الله بن أبي سرح عزله و ولى مكانه محمد بن أبي بكر و لم يظهر له من مروان ما يوجب أن يصرفه عما كان مستعملا فيه و لو كان ذلك طعنا لوجب مثله في كل من ولى و قد علمنا أن رسول الله ص ولى الوليد بن عقبة فحدث منه ما حدث و حدث من بعض أمراء أمير المؤمنين ع الخيانة كالقعقاع بن شور لأنه ولاه على ميسان فأخذ مالها و لحق بمعاوية و كذلك فعل الأشعث بن قيس بمال آذربيجان و ولى أبا موسى الحكم فكان منه ما كان و لا يجب أن يعاب أحد بفعل غيره و إذا لم يلحقه عيب في ابتداء ولايته فقد زال العيب فيما بعده. و قولهم إنه قسم أكثر الولايات في أقاربه و زال عن طريقة الاحتياط للمسلمين و قد كان عمر حذره من ذلك فليس بعيب لأن تولية الأقارب كتولية الأباعد في أنه يحسن إذا كانوا على صفات مخصوصة و لو قيل إن تقديمهم أولى لم يمتنع إذا كان المولي لهم أشد تمكنا من عزلهم و الاستبدال بهم و قد ولى أمير المؤمنين ع عبد الله بن العباس البصرة و عبيد الله بن العباس اليمن و قثم بن العباس مكة حتى قال مالك الأشتر عند ذلك(4/10)


شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 14على ما ذا قتلنا الشيخ أمس فيما يروى و لم يكن ذلك بعيب إذا أدى ما وجب عليه في اجتهاده. فأما قولهم إنه كتب إلى ابن أبي سرح حيث ولى محمد بن أبي بكر بأنه يقتله و يقتل أصحابه فقد أنكر ذلك أشد إنكار حتى حلف عليه و بين أن الكتاب الذظهر ليس كتابه و لا الغلام غلامه و لا الراحلة راحلته و كان في جملة من خاطبه في ذلك أمير المؤمنين ع فقبل عذره و ذلك بين لأن قول كل أحد مقبول في مثل ذلك و قد علم أن الكتاب يجوز فيه التزوير فهو بمنزلة الخبر الذي يجوز فيه الكذب. فإن قيل فقد علم أن مروان هو الذي زور الكتاب لأنه هو الذي كان يكتب عنه فهلا أقام فيه الحد. قيل ليس يجب بهذا القدر أن يقطع على أن مروان هو الذي فعل ذلك لأنه و إن غلب ذلك في الظن فلا يجوز أن يحكم به و قد كان القوم يسومونه تسليم مروان إليهم و ذلك ظلم لأن الواجب على الإمام أن يقيم الحد على من يستحقه أو التأديب و لا يحل له تسليمه إلى غيره فقد كان الواجب أن يثبتوا عنده ما يوجب في مروان الحد و التأديب ليفعله به و كان إذا لم يفعل و الحال هذه يستحق التعنيف و قد ذكر الفقهاء في كتبهم أن الأمر بالقتل لا يوجب قودا و لا دية و لا حدا فلو ثبت في مروان ما ذكروه لم يستحق القتل و إن استحق التعزير لكنه عدل عن تعزيره لأنه لم يثبت و قد يجوز أن يكون عثمان ظن أن هذا الفعل فعل بعض من يعادي مروان تقبيحا لأمره لأن ذلك يجوز كما يجوز أن يكون من فعله و لا يعلم كيف كان اجتهاده و ظنه و بعد فإن هذا الحدث من أجل ما نقموا عليه فإن كان شي ء من ذلك يوجب خلع عثمان و قتله فليس إلا هذا و قد علمنا أن هذا الأمر لو ثبت ما كان يوجب القتل لأن الأمر بالقتل لا يوجب القتل سيما قبل وقوع القتل المأمور به فنقول لهم لو ثبت ذلك على عثمان أ كان يجب قتله فلا يمكنهم ادعاء شرح نهج البلاغة ج : 3: 15ذلك لأنه بخلاف الدين و لا بد أن يقولوا إن قتله ظلم و كذلك حبسه(4/11)


في الدار و منعه من الماء فقد كان يجب أن يدفع القوم عن كل ذلك و أن يقال إن من لم يدفعهم و ينكر عليهم يكون مخطئا. و في القول بأن الصحابة اجتمعوا على ذلك كلهم تخطئة لجميع أصحاب رسول الله ص و ذلك غير جائز و قد علم أيضا أن المستحق للقتل و الخلع لا يحل أن يمنع الطعام و الشراب و علم أن أمير المؤمنين ع لم يمنع أهل الشام من الماء في صفين و قد تمكن من منعهم و كل ذلك يدل على كون عثمان مظلوما و أن ذلك من صنع الجهال و أن أعيان الصحابة كانوا كارهين لذلك و أيضا فإن قتله لو وجب لم يجز أن يتولاه العوام من الناس و لا شبهة أن الذين أقدموا على قتله كانوا بهذه الصفة و إذا صح أن قتله لم يكن لهم فمنعهم و النكير عليهم واجب. و أيضا فقد علم أنه لم يكن من عثمان ما يستحق به القتل من كفر بعد إيمان أو زنى بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق و أنه لو كان منه ما يوجب القتل لكان الواجب أن يتولاه الإمام فقتله على كل حال منكر و إنكار المنكر واجب. و ليس لأحد أن يقول إنه أباح قتل نفسه من حيث امتنع من دفع الظلم عنهم لأنه لم يمتنع من ذلك بل أنصفهم و نظر في حالهم و لأنه لو لم يفعل ذلك لم يحل لهم قتله لأنه إنما يحل قتل الظالم إذا كان على وجه الدفع و المروي أنهم أحرقوا بابه و هجموا عليه في منزله و بعجوه بالسيف و المشاقص و ضربوا يد زوجته لما وقعت عليه و انتهبوا متاع داره و مثل هذه القتلة لا تحل في الكافر و المرتد فكيف يظن أن الصحابة لم ينكروا ذلك و لم يعدوه ظلما حتى يقال إنه مستحق من حيث لم يدفع القوم عنه و قد تظاهر الخبر بما جرى من تجمع القوم عليه و توسط أمير المؤمنين ع لأمرهم و أنه(4/12)


شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 16بذل لهم ما أرادوه و أعتبهم و أشهد على نفسه بذلك و أن الكتاب الموجود بعد ذلك المتضمن لقتل القوم و وقف عليه و ممن أوقفه عليه أمير المؤمنين ع فحلف أنه ما كتبه و لا أمر به فقال له فمن تتهم قال ما أتهم أحدا و إن للناس لحيلا. و الرية ظاهرة أيضا
بقوله إن كنت أخطأت أو تعمدت فإني تائب و مستغفر
فكيف يجوز و الحال هذه أن تهتك فيه حرمة الإسلام و حرمة البلد الحرام و لا شبهة في أن القتل على وجه الغيلة لا يحل فيمن يستحق القتل فكيف فيمن لا يستحقه و لو لا أنه كان يمنع من محاربة القوم ظنا منه أن ذلك يؤدي إلى القتل الذريع لكثر أنصاره. و قد جاء في الرواية أن الأنصار بدأت معونته و نصرته و أن أمير المؤمنين ع قد بعث إليه ابنه الحسن ع فقال له قل لأبيك فلتأتني فأراد أمير المؤمنين ع المصير إليه فمنعه من ذلك محمد ابنه و استعان بالنساء عليه حتى جاء الصريخ بقتل عثمان فمد يده إلى القبلة و قال اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان. فإن قالوا إنهم اعتقدوا أنه من المفسدين في الأرض و أنه داخل تحت آية المحاربين. قيل فقد كان يجب أن يتولى الإمام هذا الفعل لأن ذلك يجري مجرى الحد و كيف يدعى ذلك و المشهور عنه أنه كان يمنع من مقاتلتهم حتى روي أنه قال لعبيدة و مواليه و قد هموا بالقتال من أغمد سيفه فهو حر و لقد كان مؤثرا لنكير ذلك الأمر بما لا يؤدي إلى إراقة الدماء و الفتنة و لذلك لم يستعن بأصحاب الرسول ص و إن كان لما اشتد الأمر أعانه من أعان لأن عند ذلك تجب النصرة و المعونة فحيث شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 17كانت الحال متماسكة و كان ينهىن إنجاده و إعانته بالحرب امتنعوا و توقفوا و حيث اشتد الأمر أعانه و نصره من أدركه دون من لم يغلب ذلك في ظنه. اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام فقال أما قوله لم يكن عالما بحال الفسقة الذين ولاهم قبل الولاية فلا تعويل عليه لأنه لم يول هؤلاء النفر إلا و(4/13)

120 / 150
ع
En
A+
A-