المتهتكون إلا و يجوز أن يكون له باطن بخلاف الظاهر و مع ذلك فلا يلتفت إلى هذا التجويز يبين صحة ما ذكرناه أنا لو رأينا من يظن به الخير يكلم امرأة حسناء ي الطريق و يداعبها و يضاحكها لظننا به الجميل مرة و مرات ثم ينتهي الأمر إلى ألا نظنه و كذلك لو شاهدناه و بحضرته المنكر لحملنا حضوره على الغلط أو الإكراه أو غير ذلك من الوجوه الجميلة ثم لا بد من انتهاء الأمر إلى أن نظن به القبيح و لا نصدقه في كلامه.
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 332قال ثم نقول له أخبرنا عمن شاهدناه من بعد و هو مفترش امرأة نعلم أنها ليست له بمحرم و أن لها في الحال زوجا غيره و هو ممن تقررت له في النفوس عدالة متقدمة ما ذا يجب أن نظن به و هل نرجع بهذا الفعل عن ولايته أم نحمله على أنه غالط متوهم أن المرأة زوجته أو على أنه مكره على الفعل أو غير ذلك من الوجوه الجميلة. فإن قال نرجع عن الولاية اعترف بخلاف ما قصده في الكلام و قيل له أي فرق بين هذا الفعل و بين جميع ما عددناه من الأفعال و ادعيت أن الواجب أن نعدل عن ظاهرها و ما جواز الجميل في ذلك إلا كجواز الجميل في هذا الفعل. و إن قال لا أرجع بهذا الفعل عن ولايته بل نؤوله على بعض الوجوه الجميلة. قيل له أ رأيت لو تكرر هذا الفعل و توالى هو و أمثاله حتى نشاهده حاضرا في دور القمار و مجالس اللهو و اللعب و نراه يشرب الخمر بعينها و كل هذا مما يجوز أن يكون عليه مكرها و في أنه القبيح بعينه غالطا أ كان يجب علينا الاستمرار على ولايته أم العدول عنها فإن قال نستمر و نتأول ارتكب ما لا شبهة في فساده و ألزم ما قد قدمنا ذكره من أنه لا طريق إلى الرجوع عن ولاية أحد و لو شاهدنا منه أعظم المناكير و وقف أيضا على أن طريق الولاية المتقدمة إذا كان الظن دون القطع فكيف لا نرجع عنها لمثل هذا الطريق فلا بد إذن من الرجوع إلى ما بيناه و فصلناه في هذا الباب. قال فأما قوله إن قول الإمام له مزية لأنه آكد من(3/291)
غيره فلا معنى له لأن قول الإمام على مذهبنا يجب أن يكون له مزية من حيث كان معصوما مأمون الباطن و على مذهبه إنما تثبت ولايته بالظاهر كما تثبت ولاية غيره من سائر المؤمنين فأي مزية له في هذا الباب.
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 333و قوله إن ما ينقل عن الرسول و إن لم يكن مقطوعا عليه يؤثر في هذا الباب و يكون أقوى مما تقدم غير صحيح على إطلاقه لأن تأثير ما ينقل إذا كان يقتضي غلبة الظن لا شبهة فيه فأما تقويته على غيره فلا وجه له و قد كان يجب أن يبين من أي وجوه يكون أقوى. فهذه جملة ما اعترض به المرتضى على الفصل الأول من كلام قاضي القضاة رحمه الله تعالى.
تم الجزء الثاني من شرح نهج البلاغة(3/292)
شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 3الجزء الثالث
تتمة الخطب و الأوامر تتمة خطبة 43
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد العدل الكريم و اعلم أن الذي ذكره المرتضى رحمه الله تعالى و أورده على قاضي القضاة جيد و لازم متى ادعى قاضي القضاة أن العدالة إذا ثبتت ظنا أو قطعا لم يجز العدول عنها و التبرؤ إلا بما يوجب القطع و يعلم به علما يقينيا زوالها فأما إذا ادعى أن المعلوم لا يزول إلا بما يوجب العلم فلا يرد عليه ما ذكره المرتضى رحمه الله تعالى. و له أن يقول قد ثبتت بالإجماع إمامة عثمان و الإجماع دليل قطعي عند أصحابنا و كل من ثبتت إمامته ثبتت عدالته بالطريق التي بها ثبتت إمامته لأنه لا يجوز أن تكون إمامته معلومة و شرائطها مظنونة لأن الموقوف على المظنون مظنون فتكون إمامته مظنونة و قد فرضناها معلومة و هذا خلف و محال و إذا كانت عدالته معلومة لم يجز القول بانتفائها و زوالها إلا بأمر معلوم. و الأخبار التي رويت في أحداثه أخبار آحاد لا تفيد العلم فلا يجوز العدول عن المعلوم بها فهذا الكلام إذا رتب هذا الترتيب اندفع به ما اعترض به المرتضى رحمه الله تعالى شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : بقية رد المرتضى على ما أورده القاضي عبد الجبار من الدفاع عن عثمان(4/1)
فأما كلام المرتضى رحمه الله تعالى على الفصل الثاني من كلام قاضي القضاة و هو الفصل المحكي عن شيخنا أبي علي رحمه الله تعالى فنحن نورده قال رحمه الله تعالى. أما قوله لو كان ما ذكر من الأحداث قادحا لوجب من الوقت الذي ظهرت الأحداث فيه أن يطلبوا رجلا ينصبونه في الإمامة لأن ظهور الحدث كموته فلما رأيناهم طلبوا إماما بعد قتله دل على بطلان ما أضافوه إليه من الأحداث فليس بشي ء معتمد لأن تلك الأحداث و إن كانت مزيلة عندهم لإمامته و فاسخة لها و مقتضية لأن يعقدوا لغيره الإمامة إلا أنهم لم يكونوا قادرين على أن يتفقوا على صب غيره مع تشبثه بالأمر خوفا من الفتنة و التنازع و التجاذب و أرادوا أن يخلع نفسه حتى تزول الشبهة و ينشط من يصلح للأمر لقبول العقد و التكفل بالأمر و ليس يجري ذلك مجرى موته لأن موته يحسم الطمع في استمرار ولايته و لا تبقى شبهة في خلو الزمان من إمام و ليس كذلك حدثه الذي يسوغ فيه التأويل على بعده و تبقى معه الشبهة في استمرار أمره و ليس نقول إنهم لم يتمكنوا من ذلك كما سأل نفسه بل الوجه في عدولهم ما ذكرناه من إرادتهم حسم المواد و إزالة الشبهة و قطع أسباب الفتنة. شرح نهج البلاغة ج : 3 ص : 5قال فأما قوله إنه معلومن حال هذه الأحداث أنها لم تحصل أجمع في الأيام التي حصر فيها و قتل بل كانت تقع حالا بعد حال فلو كانت توجب الخلع و البراءة لما تأخر من المسلمين الإنكار عليه و لكان المقيمون من الصحابة بالمدينة أولى بذلك من الواردين من البلاد فلا شك أن الأحداث لم تحصل في وقت واحد إلا أنه غير منكر أن يكون نكيرهم إنما تأخر لأنهم تأولوا ما ورد عليهم من أفعاله على أجمل الوجوه حتى زاد الأمر و تفاقم و بعد التأويل و تعذر التخريج و لم يبق للظن الجميل طريق فحينئذ أنكروا و هذا مستمر على ما قدمنا ذكره من أن العدالة و الطريقة الجميلة يتأول لها في الفعل و الأفعال القليلة بحسب ما تقدم من حسن الظن به ثم(4/2)
ينتهي الأمر بعد ذلك إلى بعد التأويل و العمل على الظاهر القبيح. قال على أن الوجه الصحيح في هذا الباب أن أهل الحق كانوا معتقدين بخلعه من أول حدث بل معتقدين أن إمامته لم تثبت وقتا من الأوقات و إنما منعهم من إظهار ما في نفوسهم ما قدمناه من أسباب الخوف و التقية لأن الاعتذار بالوجل كان عاما فلما تبين أمره حالا بعد حال و أعرضت الوجوه عنه و قل العاذر له قويت الكلمة في خلعه و هذا إنما كان في آخر الأمر دون أوله فليس يقتضي الإمساك عنه إلى الوقت الذي وقع الكلام فيه نسبة الخطأ إلى الجميع على ما ظنه. قال فأما دفعه بأن تكون الأمة أجمعت على خلعه بخروجه نفسه و خروج من كان في حيزه عن القوم فليس بشي ء لأنه إذا ثبت أن من عداه و عدا عبيده و الرهيط من فجار أهله و فساقهم كمروان و من جرى مجراه كانوا مجمعين على خلعه فل شبهة(4/3)