و أنت إذا تأملت هلاك من هلك من المتكلمين كالمجبرة و المرجئة مع ذكائهم و فطنتهم و اشتغالهم بالعلوم عرفت أنه لا سبب لهلاكهم إلا هوى الأنفس و حبهم الانتصار للمذهب الذي قد ألفوه و قد رأسوا بطريقه و صارت لهم الأتباع و التلامذة و أقبلت الدنيا عليهم و عدهم السلاطين علماء و رؤساء فيكرهون نقض ذلك كله و إبطاله و يحبون الانتصار لتلك المذاهب و الآراء التي نشئوا عليها و عرفوا بها و وصلوا إلى ما وصلوا إليه بطريقها و يخافون عار الانتقال عن المذهب و أن يشتفي بهم الخصوم و يقرعهم الأعداء و من أنصف علم أن الذي ذكرناه حق و أما طول الأمل فينسي الآخرة و هذا حق لأن الذهن إذا انصرف إلى الأمل و مد الإنسان في مداه فإنه لا يذكر الآخرة بل يصير مستغرق الوقت بأحوال الدنيا و ما يرجو حصوله منها في مستقبل الزمان. شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 320و من كلام مسعر بن كدام كم من مستقبل يوما ليس يسمله و منتظر غدا ليس من أجله و لو رأيتم الأجل و مسيره أبغضتم الأمل و غروره. و كان يقال تسويف الأمل غرار و تسويل المحال ضرار.
و من الشعر المنسوب إلى علي ع
غر جهولا أمله يموت من جا أجله و من دنا من حتفه لم تغن عنه حيله و ما بقاء آخر قد غاب عنه أوله و المرء لا يصحبه في القبر إلا عم. و قال أبو العتاهية
لا تأمن الموت في لحظ و لا نفس و لو تمنعت بالحجاب و الحرس و اعلم بأن سهام الموت قاصدة لكل مدرع منا و مترس ما بال دينك ترضى أن تدنسه و ثوب لبسك مغسول من الدنس ترجو النجاة و لم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على الي و من الحديث المرفوع أيها الناس إن الأعمال تطوى و الأعمار تفنى و الأبدان تبلى في الثرى و إن الليل و النهار يتراكضان تراكض الفرقدين يقربان كل بعيد و يخلقان كل جديد و في ذلك ما ألهى عن الأمل و أذكرك بحلول الأجل(3/281)
و قال بعض الصالحين بقاؤك إلى فناء و فناؤك إلى بقاء فخذ من فنائك الذي لا يبقى لبقائك الذي لا يفنى. و قال بعضهم اغتنم تنفس الأجل و إمكان العمل و اقطع ذكر المعاذير و العلل و دع تسويف الأماني و الأمل فإنك في نفس معدود و عمر محدود ليس بممدود. و قال بعضهم اعمل عمل المرتحل فإن حادي الموت يحدوك ليوم لا يعدوك شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 321ثم قال ع ألا إن الدنيا قد أدبرت حذاء بالحاء و الذال المعجمة و هي السريعة و قطاة حذاء خف ريش ذنبها و رجل أحذ أي خفيف اليد و قد روي قد أدبرت جذاء بالجيم أي قد انقطع خيرها و درها. ثمال إن كل ولد سيلحق بأمه يوم القيامة فكونوا من أبناء الآخرة لتلحقوا بها و تفوزوا و لا تكونوا من أبناء الدنيا فتلحقوا بها و تخسروا. ثم قال اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل و هذا من باب المقابلة في علم البيان
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 43322- و من كلام له ع و قد أشار عليه أصحابه بالاستعداد لحرب أهل الشام بعد إرساله إلى معاوية بجرير بن عبد الله البجليإِنَّ اسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ وَ جَرِيرٌ عِنْدَهُمْ إِغْلَاقٌ لِلشَّامِ وَ صَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ وَ لَكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِيرٍ وَقْتاً لَا يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلَّا مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً وَ الرَّأْيُ مَعَ الْأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا وَ لَا أَكْرَهُ لَكُمُ الْإِعْدَادَ وَ لَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الْأَمْرِ وَ عَيْنَهُ وَ قَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَ بَطْنَهُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ إِلَّا الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ص إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى الْأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً وَ أَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالًا فَقَالُوا ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا(3/282)
أرودوا أي ارفقوا أرود في السير إروادا أي سار برفق و الأناة التثبت و التأني و نهيه لهم عن الاستعداد و قوله بعد و لا أكره لكم الإعداد غير متناقض لأنه كره منهم إظهار الاستعداد و الجهر به و لم يكره الإعداد في السر و على وجه الخفاء شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 3و الكتمان و يمكن أن يقال إنه كره استعداد نفسه و لم يكره إعداد أصحابه و هذان متغايران و هذا الوجه اختاره القطب الراوندي. و لقائل أن يقول التعليل الذي علل به ع يقتضي كراهية الأمرين معا و هو أن يتصل بأهل الشام الاستعداد فيرجعوا عن السلم إلى الحرب بل ينبغي أن تكون كراهته لإعداد جيشه و عسكره خيولهم و آلات حربهم أولى لأن شياع ذلك أعظم من شياع استعداده وحده لأنه وحده يمكن أن يكتم استعداده و أما استعداد العساكر العظيمة فلا يمكن أن يكتم فيكون اتصاله و انتقاله إلى أهل الشام أسرع فيكون إغلاق الشام عن باب خير إن أرادوه أقرب و الوجه في الجمع بين اللفظتين ما قدمناه. و أما قوله ع ضربت أنف هذا الأمر و عينه فمثل تقوله العرب إذا أرادت الاستقصاء في البحث و التأمل و الفكر و إنما خص الأنف و العين لأنهما صورة الوجه و الذي يتأمل من الإنسان إنما هو وجهه. و أما قوله ليس إلا القتال أو الكفر فلأن النهي عن المنكر واجب على الإمام و لا يجوز له الإقرار عليه فإن تركه فسق و وجب عزله عن الإمامة. و قوله أو الكفر من باب المبالغة و إنما هو القتال أو الفسق فسمى الفسق كفرا تغليظا و تشديدا في الزجر عنه. و قوله ع أوجد الناس مقالا أي جعلهم واجدين له. و قال الراوندي أوجد هاهنا بمعنى أغضب و هذا غير صحيح لأنه لا شي ء ينصب به مقالا إذا كان بمعنى أغضب و الوالي المشار إليه عثمان شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 3ذكر ما أورده القاضي عبد الجبار من دفع ما تعلق به الناس على عثمان من الأحداث(3/283)
يجب أن نذكر هاهنا أحداثه و ما يقوله أصحابنا في تأويلاتها و ما تكلم به المرتضى في كتاب الشافي في هذا المعنى فنقول إن قاضي القضاة رحمه الله تعالى قال في المغني قبل الكلام في تفصيل هذه الأحداث كلاما مجملا معناه أن كل من تثبت عدالته و وجب توليه إما على القطع و إما على الظاهر فغير جائز أن يعدل فيه عن هذه الطريقة إلا بأمر متيقن يقتضي العدول عنها يبين ذلك أن من شاهدناه على ما يوجب الظاهر توليه و تعظيمه يجب أن يبقى فيه على هذه الطريقة و إن غاب عنا و قد عرفنا أنه مع الغيبة يجوز أن يكون مستمرا على حالته و يجوز أن يكون منتقلا و لم يقدح هذا التجويز في وجوب ما ذكرناه. ثم قال فالحدث الذي يوجب الانتقال عن التعظيم و التولي إذا كان من باب محتمل لم يجز الانتقال لأجله و الأحوال المتقررة في النفوس بالعادات و الأحوال المعروفة فيمن نتولاه أقوى في باب الإمارة من الأمور المتجددة فإن مثل فرقد السبخي و مالك بن دينار لو شوهدا في دار فيها منكر لقوي في الظن حضورهما للتغيير و الإنكار شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 325أو على وجه الإكراه أو الغلط و لو كان الحاضر هناك من علم من حاله الاختلاط بالمنكر لجوز حضوره للفساد بل كان ذلك هو الظاهر من حال ثم قال و اعلم أن الكلام فيما يدعى من الحدث و التغير فيمن ثبت توليه قد يكون من وجهين أحدهما هل علم بذلك أم لا. و الثاني أنه مع يقين حصوله هل هو حدث يؤثر في العدالة أم لا. و لا فرق بين تجويز ألا يكون حدث أصلا و بين أن يعلم حدوثه و يجوز ألا يكون حدثا. ثم قال كل محتمل لو أخبر الفاعل أنه فعله على أحد الوجهين و كان يغلب على الظن صدقه لوجب تصديقه فإذا عرف من حاله المتقررة في النفوس ما يطابق ذلك جرى مجرى الإقرار بل ربما كان أقوى و متى لم نسلك هذه الطريقة في الأمور المشتبهة لم يصح في أكثر من نتولاه و نعظمه أن تسلم حاله عندنا فإنا لو رأينا من يظن به الخير يكلم امرأة حسناء في(3/284)
الطريق لكان ذلك من باب المحتمل فإذا كان لو أخبر أنها أخته أو امرأته لوجب ألا نحول عن توليه فكذلك إذا كان قد تقدم في النفوس ستره و صلاحه فالواجب أن نحمله على هذا الوجه. ثم قال و قول الإمام له مزية في هذا الباب لأنه آكد من غيره و أما ما ينقل عن رسول الله ص فإنه و إن لم يكن مقطوعا به يؤثر في هذا الباب و يكون أقوى مما تقدم. ثم قال و قد طعن الطاعنون فيه بأمور متنوعة مختلفة و نحن نقدم على تلك المطاعن كلاما مجملا يبين بطلانها على الجملة ثم نتكلم عن تفصيلها.(3/285)