على الأشعث فقال له ما هذه الدنية يا أشعث و ما هذا التحكيم أ شرط أوثق من شرط الله عز و جل ثم شهر عليه السيف و الأشعث مول فضرب به عجز بغلته. قال أبو العباس و عروة بن حدير هذا من النفر الذين نجوا من حرب النهروان فلم يزل باقيا مدة من أيام معاوية ثم أتي به زياد و معه مولى له فسأله عن أبي بكر و عمر فقال خيرا فقال له فما تقول في أمير المؤمنين عثمان و في أبي تراب فتولى عثمان ست سنين من خلافته ثم شهد عليه بالكفر و فعل في أمر علي ع مثل ذلك إلى أن حكم ثم شهد عليه بالكفر ثم سأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال له أولك لزنية و آخرك لدعوة و أنت بعد عاص لربك فأمر به فضربت عنقه ثم دعا مولاه فقال له صف لي أموره قال أ أطنب أم أختصر قال بل اختصر قال ما أتيته بطعام بنهار قط و لا فرشت له فراشا بليل قط. قال أبو العباس و سبب تسميتهم الحرورية أن عليا ع لما ناظرهم بعد مناظرة ابن عباس إياهم كان فيما قال لهم أ لا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم إن هذه مكيدة و وهن و إنهم لو قصدوا إلى حكم المصاحف لأتوني و سألوني التحكيم أ فتعلمون أن أحدا كان أكره للتحكيم مني قالوا صدقت قال فهل تعلمون أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه فاشترطت أن حكمهما نافذ ما حكما(3/241)


شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 275بحكم الله فمتى خالفاه فأنا و أنتم من ذلك برآء و أنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني قالوا اللهم نعم قال و كان معهم في ذلك الوقت ابن الكواء قال و هذا من قبل أن يذبحوا عبد الله بن خباب و إنما ذبحوه في الفرقة الثانية بكسكر فقالواه حكمت في دين الله برأينا و نحن مقرون بأنا كنا كفرنا و لكنا الآن تائبون فأقر بمثل ما أقررنا به و تب ننهض معك إلى الشام فقال أ ما تعلمون أن الله تعالى قد أمر بالتحكيم في شقاق بين الرجل و امرأته فقال سبحانه فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها و في صيد أصيب كأرنب يساوي نصف درهم فقال يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فقالوا له فإن عمرا لما أبى عليك أن تقول في كتابك هذا ما كتبه عبد الله علي أمير المؤمنين محوت اسمك من الخلافة و كتبت علي بن أبي طالب فقد خلعت نفسك فقال لي في رسول الله ص عليه أسوة حين أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب هذا كتاب كتبه محمد رسول الله ص و سهيل بن عمرو و قال له لو أقررت بأنك رسول الله ما خالفتك و لكني أقدمك لفضلك فاكتب محمد بن عبد الله فقال لي يا علي امح رسول الله فقلت يا رسول الله لا تشجعني نفسي على محو اسمك من النبوة قال فقضى عليه فمحاه بيده ثم قال اكتب محمد بن عبد الله ثم تبسم إلي و قال يا علي أما إنك ستسام مثلها فتعطي فرجع معه منهم ألفان من حروراء و قد كانوا تجمعوا بها فقال لهم علي ما نسميكم ثم قال أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء و روى جميع أهل السير كافة أن عليا ع لما طحن القوم طلب ذا الثدية طلبا شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 276شديدا و قلب القتلى ظهرا لبطن فلم يقدر عليه فساءه ذلك و جعل يقول و الله ما كذبت و لا كذبت اطلبوا الرجل و إنه لفي القوم فلم يزل يتطلبه حتى وجده و هو رجل مخدج اليد كأنها ثدي في صدره. و روى إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين عن الأعمعن زيد بن وهب قال لما شجرهم علي ع(3/242)


بالرماح قال اطلبوا ذا الثدية فطلبوه طلبا شديدا حتى وجدوه في وهدة من الأرض تحت ناس من القتلى فأتي به و إذا رجل على ثديه مثل سبلات السنور فكبر علي ع و كبر الناس معه سرورا بذلك. و روى أيضا عن مسلم الضبي عن حبة العرني قال كان رجلا أسود منتن الريح له ثدي كثدي المرأة إذا مدت كانت بطول اليد الأخرى و إذا تركت اجتمعت و تقلصت و صارت كثدي المرأة عليها شعرات مثل شوارب الهرة فلما وجدوه قطعوا يده و نصبوها على رمح ثم جعل علي ع ينادي صدق الله و بلغ رسوله لم يزل يقول ذلك هو و أصحابه بعد العصر إلى أن غربت الشمس أو كادت. و روى ابن ديزيل أيضا قال لما عيل صبر علي ع في طلب المخدج قال ائتوني ببغلة رسول الله ص فركبها و اتبعه الناس فرأى القتلى و يقول اقلبوا فيقلبون قتيلا عن قتيل حتى استخرجوه فسجد علي ع. و روى كثير من الناس أنه لما دعا بالبغلة ليركبها قال ائتوني بها فإنها هادئة فوقفت به على المخدج فأخرجه من تحت قتلى كثيرين. و روى العوام بن حوشب عن أبيه عن جده يزيد بن رويم قال قال علي ع شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 277يقتل اليوم أربعة آلاف من الخوارج أحدهم ذو الثدية فلما طحن القوم و رام استخراج ذي الثديفأتبعه أمرني أن أقطع له أربعة آلاف قصبة و ركب بغلة رسول الله ص و قال اطرح على كل قتيل منهم قصبة فلم أزل كذلك و أنا بين يديه و هو راكب خلفي و الناس يتبعونه حتى بقيت في يدي واحدة فنظرت إليه و إذا وجهه أربد و إذا هو يقول و الله ما كذبت و لا كذبت فإذا خرير ماء عند موضع دالية فقال فتش هذا ففتشته فإذا قتيل قد صار في الماء و إذا رجله في يدي فجذبتها و قلت هذه رجل إنسان فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الأخرى و جررناه حتى صار على التراب فإذا هو المخدج فكبر علي ع بأعلى صوته ثم سجد فكبر الناس كلهم.(3/243)


و قد روى كثير من المحدثين أن النبي ص قال لأصحابه يوما إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فقال أبو بكر أنا يا رسول الله فقال لا فقال عمر أنا يا رسول الله فقال لا بل خاصف النعل و أشار إلى علي ع
و قال أبو العباس في الكامل يقال إن أول من لفظ بالحكومة و لم يشد بها رجل من بني سعد بن زيد مناة بن تميم بن مر من بني صريم يقال له الحجاج بن عبد الله و يعرف بالبرك و هو الذي ضرب آخرا معاوية على أليته يقال إنه لما سمع بذكر الحكمين قال أ يحكم أمير المؤمنين الرجال في دين الله لا حكم إلا لله فسمعه سامع فقال طعن و الله فأنفذ. قال أبو العباس و أول من حكم بين الصفين رجل من بني يشكر بن بكر شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 278بن وائل كان من أصحاب علي ع فحمل على رجل منهم فقتله غيلة ثم مرق بين الصفين يحكم و حمل على أصحاب معاة فكثروه فرجع إلى ناحية علي ع فخرج إليه رجل من همدان فقتله فقال شاعر همدان
و ما كان أغنى اليشكري عن التي تصلى بها جمرا من النار حامياغداة ينادي و الرماح تنوشه خلعت عليا بادئا و معاويا
قال أبو العباس و قد روى المحدثون أن رجلا تلا بحضرة علي ع قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً فقال علي ع أهل حروراء منهم
قال أبو العباس و من شعر أمير المؤمنين ع الذي لا اختلاف فيه أنه قاله و كان يردده أنهم لما ساموه أنه يقر بالكفر و يتوب حتى يسيروا معه إلى الشام فقال أ بعد صحبة رسول الله ص و التفقه في الدين أرجع كافرا ثم قال
يا شاهد الله علي فاشهد أني على دين النبي أحمدمن شك في الله فإني مهتد(3/244)


و ذكر أبو العباس أيضا في الكامل أن عليا ع في أول خروج القوم عليه دعا صعصعة بن صوحان العبدي و قد كان وجهه إليهم و زياد بن النضر الحارثي مع عبد الله بن عباس فقال لصعصعة بأي القوم رأيتهم أشد إطافة قال بيزيد بن قيس الأرحبي فركب علي ع إلى حروراء فجعل يتخللهم حتى صار إلى مضرب يزيد بن قيس فصلى فيه ركعتين ثم خرج فاتكأ على قوسه و أقبل شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 279على الناس فقال هذا مقام من فلج فيه فلج يوم القيامة ثم كلمهم و ناشدهم فقالوا إنا أذنبنا ذنبا عظيما بالتحكيم و قد تبنا فتب إلى الله كما تبنا نعد لك فقال ع ع أنا أستغفر الله من كل ذنب فرجعوا معه و هم ستة آلاف فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليا ع رجع عن التحكيم و رآه ضلالا و قالوا إنما ينتظر أمير المؤمنين أن يسمن الكراع و تجبى الأموال ثم ينهض بنا إلى الشام فأتى الأشعث عليا ع فقال يا أمير المؤمنين إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا و الإقامة عليها كفرا فقام علي ع يخطب فقال من زعم أني رجعت عن الحكومة فقد كذب و من رآها ضلالا فقد ضل فخرجت حينئذ الخوارج من المسجد فحكمت. قلت كل فساد كان في خلافة علي ع و كل اضطراب حدث فأصله الأشعث و لو لا محاقته أمير المؤمنين ع في معنى الحكومة في هذه المرة لم تكن حرب النهروان و لكان أمير المؤمنين ع ينهض بهم إلى معاوية و يملك الشام فإنه ص حاول أن يسلك معهم مسلك التعريض و المواربة
و في المثل النبوي صلوات الله على قائله الحرب خدعة(3/245)

108 / 150
ع
En
A+
A-