و ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في التاريخ أن عليا ع لما دخل الكوفة دخلها معه كثير من الخوارج و تخلف منهم بالنخيلة و غيرها خلق كثير لم يدخلوها فدخل حرقوص بن زهير السعدي و زرعة بن البرج الطائي و هما من رءوس الخوارج على علي ع فقال له حرقوص تب من خطيئتك و اخرج بنا إلى معاوية نجاهده فقال له علي ع إني كنت نهيتكم عن الحكومة فأبيتم ثم الآن تجعلونها ذنبا أما إنها ليست بمعصية و لكنها عجز من الرأي و ضعف في التدبير و قد نهيتكم عنه فقال زرعة أما و الله لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لأقتلنك أطلب بذلك وجه الله و رضوانه فقال علي ع بؤسا لك ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح قال زرعة وددت أنه كان ذلك. قال و خرج علي ع يخطب الناس فصاحوا به من جوانب المسجد شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 269لا حكم إلا لله و صاح به رجل منهم واضع إصبعه في أذنيه فقال و لقد أوحي إليك و إلى الذين قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك و لتكونن من الخاسرين فقال له علي ع فاصبر إن وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون. و روى ابن ديزيل في كتاب صفين قال كانت الخوارج في أول ما انصرفت عن رايات علي ع تهدد الناس قتلا قال فأتت طائفة منهم على النهر إلى جانب قرية فخرج منها رجل مذعورا آخذا بثيابه فأدركوه فقالوا له رعبناك قال أجل فقالوا له قد عرفناك أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ص قال نعم قالوا فما سمعت من أبيك يحدث عن رسول الله ص.
قال ابن ديزيل فحدثهم أن رسول الله ص قال إن فتنة جائية القاعد فيها خير من القائم
الحديث.و قال غيره بل حدثهم أن طائفة تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقرءون القرآن صلاتهم أكثر من صلاتكم
الحديث فضربوا رأسه فسال دمه في النهر ما امذقر أي ما اختلط بالماء كأنه شراك ثم دعوا بجارية له حبلى فبقروا عما في بطنها.(3/236)


و روى ابن ديزيل قال عزم علي ع على الخروج من الكوفة إلى الحرورية و كان في أصحابه منجم فقال له يا أمير المؤمنين لا تسر في هذه الساعة شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 270و سر على ثلاث ساعات مضين من النهار فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك و أصحابك أذى و ضر شديد و إنرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت و ظهرت و أصبت ما طلبت فقال له علي ع أ تدري ما في بطن فرسي هذه أ ذكر هو أم أنثى قال إن حسبت علمت فقال علي ع من صدقك بهذا فقد كذب بالقرآن قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ الآية ثم قال ع إن محمدا ص ما كان يدعي علم ما ادعيت علمه أ تزعم أنك تهدي إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها و تصرف عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها فمن صدقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة بالله جل ذكره في صرف المكروه عنه و ينبغي للموقن بأمرك أن يوليك الحمد دون الله جل جلاله لأنك بزعمك هديته إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها و صرفته عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ضدا و ندا اللهم لا طير إلا طيرك و لا ضر إلا ضرك و لا إله غيرك ثم قال نخالف و نسير في الساعة التي نهيتنا عنها ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس إياكم و التعلم للنجوم إلا ما يهتدى به في ظلمات البر و البحر إنما المنجم كالكاهن و الكاهن كالكافر و الكافر في النار أما و الله لئن بلغني أنك تعمل بالنجوم لأخلدنك السجن أبدا ما بقيت و لأحرمنك العطاء ما كان لي من سلطان ثم سار في الساعة التي نهاه عنها المنجم فظفر بأهل النهر و ظهر عليهم ثم قال لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الناس سار في الساعة التي أمر بها المنجم فظفر و ظهر أما إنه ما كان لمحمد ص منجم و لا لنا من بعده حتى فتح الله علينا بلاد كسرى و قيصر أيها الناس(3/237)


توكلوا على الله و ثقوا به فإنه يكفي ممن سواه
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 271قال فروى مسلم الضبي عن حبة العرني قال لما انتهينا إليهم رمونا فقلنا لعلي ع يا أمير المؤمنين قد رمونا فقال لنا كفوا ثم رمونا فقال لنا ع كفوا ثم الثالثة فقال الآن طاب القتال احملوا عليهم. و روى أيضا عن قيس بن سعد بن عبادة أن عا ع لما انتهى إليهم قال لهم أقيدونا بدم عبد الله بن خباب فقالوا كلنا قتله فقال احملوا عليهم و ذكر أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل أن أول من قال لا حكم إلا لله عروة بن حدير قالها بصفين و قيل زيد بن عاصم المحاربي قال و كان أميرهم أول ما اعتزلوا ابن الكواء ثم بايعوا لعبد الله بن وهب الراسبي و كان أحد الخطباء فقال لهم عند بيعتهم إياه إياكم و الرأي الفطير و الكلام الفضيب دعوا لرأي يغب فإن غبوبه يكشف للمرء عن قضته و ازدحام الجواب مضلة للصواب و ليس الرأي بالارتجال و لا الحزم بالاقتضاب فلا تدعونكم السلامة من خطأ موبق و غنيمة نلتموها من غير صواب إلى معاودته و التماس الربح من جهته إن الرأي ليس بنهنهي و لا هو ما أعطتك البديهة و إن خمير الرأي خير من فطيره و رب شي ء غابه خير من طريئه و تأخيره خير من تقديمه. و ذكر المدائني في كتاب الخوارج قال لما خرج علي ع إلى أهل النهرأقبل رجل من أصحابه ممن كان على مقدمته يركض حتى انتهى إلى علي ع شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 272فقال البشرى يا أمير المؤمنين قال ما بشراك قال إن القوم عبروا النهر لما بلغهم وصولك فأبشر فقد منحك الله أكتافهم فقال له آلله أنت رأيتهم قد عبروا قال نعم فأحلفه ثلامرات في كلها يقول نعم فقال علي ع و الله ما عبروه و لن يعبروه و إن مصارعهم لدون النطفة و الذي فلق الحبة و برأ النسمة لن يبلغوا الأثلاث و لا قصر بوازن حتى يقتلهم الله و قد خاب من افترى قال ثم أقبل فارس آخر يركض فقال كقول الأول فلم يكترث علي ع بقوله و جاءت الفرسان تركض كلها تقول(3/238)


مثل ذلك فقام علي ع فجال في متن فرسه قال فيقول شاب من الناس و الله لأكونن قريبا منه فإن كانوا عبروا النهر لأجعلن سنان هذا الرمح في عينه أ يدعي علم الغيب فلما انتهى ع إلى النهر وجد القوم قد كسروا جفون سيوفهم و عرقبوا خيلهم و جثوا على ركبهم و حكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل فنزل ذلك الشاب فقال يا أمير المؤمنين إني كنت شككتك فيك آنفا و إني تائب إلى الله و إليك فاغفر لي فقال علي ع إن الله هو الذي يغفر الذنوب فاستغفره. و ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل قال لما واقفهم علي ع بالنهروان قال لا تبدءوهم بقتال حتى يبدءوكم فحمل منهم رجل على صف علي ع فقتل منهم ثلاثة ثم قال
أقتلهم و لا أرى عليا و لو بدا أوجرته الخطيا(3/239)


فخرج إليه علي ع فضربه فقتله فلما خالطه سيفه قال يا حبذا الروحة إلى الجنة فقال عبد الله بن وهب و الله ما أدري إلى الجنة أم إلى النار فقال رجل منهم شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 273من بني سعد إنما حضرت اغترارا بهذا الرجل يعني عبد الله و أراه قد شك و اعتزل عن ارب بجماعة من الناس و مال ألف منهم إلى جهة أبي أيوب الأنصاري و كان على ميمنة علي ع فقال علي ع لأصحابه احملوا عليهم فو الله لا يقتل منكم عشرة و لا يسلم منهم عشرة فحمل عليهم فطحنهم طحنا قتل من أصحابه ع تسعة و أفلت من الخوارج ثمانية و ذكر أبو العباس و ذكر غيره أيضا أن أمير المؤمنين ع لما وجه إليهم عبد الله بن عباس ليناظرهم قال لهم ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين قالوا له قد كان للمؤمنين أميرا فلما حكم في دين الله خرج من الإيمان فليتب بعد إقراره بالكفر نعد إليه قال ابن عباس ما ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه بشك أن يقر على نفسه بالكفر قالوا إنه حكم قال إن الله أمر بالتحكيم في قتل صيد فقال يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين فقالوا إنه حكم عليه فلم يرض فقال إن الحكومة كالإمامة و متى فسق الإمام وجبت معصيته و كذلك الحكمان لما خالفا نبذت أقاويلهما فقال بعضهم لبعض اجعلوا احتجاج قريش حجة عليهم فإن هذا من الذين قال الله فيهم بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ و قال جل ثناؤه وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا. قال أبو العباس و يقال إن أول من حكم عروة بن أدية و أدية جدة له جاهلية و هو عروة بن حدير أحد بني ربيعة بن حنظلة و قال قوم أول من حكم رجل من بني شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 274محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان يقال له سعيد و لم يختلفوا في اجتماعهم على عبد الله بن وهب الراسبي و أنه امتنع عليهم و أومأ إلى غيره فلم يقنعوا إلا به فكان إمام القوم و كان يوصف بر فأما أول سيف سل من سيوف الخوارج فسيف عروة بن أدية و ذاك أنه أقبل(3/240)

107 / 150
ع
En
A+
A-