شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 255و إنما كان مكرا و خديعة و اغترارا له أن يقدمه فيبدأ بخلع علي ثم يرى رأيه. و قال ابن ديزيل في كتاب صفين أعطاه عمرو صدر المجلس و كان لا يتكلم قبله و أعطاه التقدم في الصلاة و في الطعام لا يأكل حتى يأكل و إذا خاطبه فإنما يخاطبه جل الأسماء و يقول له يا صاحب رسول الله حتى اطمأن إليه و ظن أنه لا يغشه. قال نصر فلما انمخضت الزبدة بينهما قال له عمرو أخبرني ما رأيك يا أبا موسى قال أرى أن أنخلع هذين الرجلين و نجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون من شاءوا فقال عمرو الرأي و الله ما رأيت فأقبلا إلى الناس و هم مجتمعون فتكلم أبو موسى فحمد الله و أثنى عليه ثم قال إن رأيي و رأي عمرو قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به شأن هذه الأمة فقال عمرو صدق ثم قال له تقدم يا أبا موسى فتكلم فقام ليتكلم فدعاه ابن عباس فقال له ويحك و الله إني لأظنه خدعك إن كنتما قد اتفقتما على أمر فقدمه قبلك ليتكلم به ثم تكلم أنت بعده فإنه رجل غدار و لا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك و بينه فإذا قمت قمت به في الناس خالفك و كان أبو موسى رجلا مغفلا فقال إيها عنك إنا قد اتفقنا. فتقدم أبو موسى فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر شيئا هو أصلح لأمرها و لا ألم لشعثها من ألا تتباين أمورها و قد أجمع رأيي و رأي صاحبي على خلع علي و معاوية و أن يستقبل هذا الأمر فيكون شورى بين المسلمين يولون أمورهم من أحبوا و إني قد خلعت عليا و معاوية فاستقبلوا شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 256أموركم و ولوا من رأيتموه لهذا الأمر أهلا ثم تنحى. فقام عمرو بن العاص في مقامه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال إن هذا قد قال ما سمعتم و خلع صاحبه و أنا أخلع صاحبه كما خلعه و أثبت صاحبي معاوية في الخلافة فإنه ولي عثمان و الطالب به و أحق الناس بمقامه. فقال له أبو موسى ما لك لا وفقك الله قد غدرت و(3/226)
فجرت إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فقال له عمرو إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. و حمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط و حمل ابن عمرو على شريح فقنعه بالسوط و قام الناس فحجزوا بينهما فكان شريح يقول بعد ذلك ما ندمت على شي ء ندامتي ألا أكون ضربت عمرا بالسيف بدل السوط أتى الدهر بما أتى به. و التمس أصحاب علي ع أبا موسى فركب ناقته و لحق بمكة و كان ابن عباس يقول قبح الله أبا موسى لقد حذرته و هديته إلى الرأي فما عقل و كن أبو موسى يقول لقد حذرني ابن عباس غدرة الفاسق و لكني اطمأننت إليه و ظننت أنه لا يؤثر شيئا على نصيحة الأمة. قال نصر و رجع عمرو إلى منزله من دومة الجندل فكتب إلى معاوية
أتتك الخلافة مزفوفة هنيئا مريئا تقر العيونا
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 257تزف إليك زفاف العروس بأهون من طعنك الدارعيناو ما الأشعري بصلد الزناد و لا خامل الذكر في الأشعريناو لكن أتيحت له حية يظل الشجاع لها مستكينافقالوا و قلت و كنت امرأ أجهجه بالخصم حتى يلينافخذها ابن هند على بعدها فقد دافع الله ماحذروناو قد صرف الله عن شامكم عدوا مبينا و حربا زبونا
قال نصر فقام سعد بن قيس الهمداني و قال و الله لو اجتمعتما على الهدى ما زدتمانا على ما نحن الآن عليه و ما ضلالكما بلازم لنا و ما رجعتما إلا بما بدأتما به و إنا اليوم لعلى ما كنا عليه أمس. و قام كردوس بن هانئ مغضبا فقال
ألا ليت من يرضى من الناس كلهم بعمرو و عبد الله في لجة البحررضينا بحكم الله لا حكم غيره و بالله ربا و النبي و بالذكرو بالأصلع الهادي علي إمامنا رضينا بذاك الشيخ في العسر و اليسررضينا به حيا و ميتا و إنه إمام هدى في الحكم و النهي و الأمرفمن قال لا قلنا بلى إن أمره لأفضل ما نعطاه في ليلة القدرو ما لابن هند بيعة في رقابنا و ما بيننا غير المثقفة السمر(3/227)
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 258و ضرب يزيل الهام عن مستقره و هيهات هيهات الرضا آخر الدهرأبت لي أشياخ الأراقم سبة أسب بها حتى أغيب في القبو تكلم يزيد بن أسد القسري و هو من قواد معاوية فقال يا أهل العراق اتقوا الله فإن أهون ما تردنا و إياكم إليه الحرب ما كنا عليه بالأمس و هو الفناء و قد شخصت الأبصار إلى الصلح و أشرفت الأنفس على الفناء و أصبح كل امرئ يبكي على قتيل ما لكم رضيتم بأول أمر صاحبكم و كرهتم آخره إنه ليس لكم وحدكم الرضا. قال و قال بعض الأشعريين لأبي موسى
أبا موسى خدعت و كنت شيخا قريب القعر مدهوش الجنان رمى عمرو صفاتك يا ابن قيس بأمر لا تنوء به اليدان و قد كنا نجمجم عن ظنون فصرحت الظنون عن العيان فعض الكف من ندم و ما ذا يرد عليك عضك بالبنقال و شمت أهل الشام بأهل العراق و قال كعب بن جعيل شاعر معاوية
كأن أبا موسى عشية أذرح يطوف بلقمان الحكيم يواربه و لما تلاقوا في تراث محمد نمت بابن هند في قريش مناسبه سعى بابن عفان ليدرك ثأره و أولى عباد الله بالثأر طالب شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 259و قد غشيتنا في الزبير غضاضة و طلحة إذ قامت عليه نوادبه فرد ابن هند ملكه في نصابه و من غالب الأقدار فالله غالبه و ما لابن هند من لؤي بن غالب نظير و إن جاشت عليه أقاربه فهذاك ملك الشام واف سنامه و هذاك ملك القوم قد جب غاربل عبد الله عمرا و إنه ليضرب في بحر عريض مذاهبه دحا دحوة في صدره فهوت به إلى أسفل الجب الظنون كواذبهقال نصر و كان علي ع لما خدع عمرو أبا موسى بالكوفة كان قد دخلها منتظرا ما يحكم به الحكمان فلما تم على أبي موسى ما تم من الحيلة غم ذلك عليا و ساءه و وجم له و خطب الناس فقال الحمد لله و إن أتى الدهر بالخطب الفادح و الحدث الجليل... الخطبة التي ذكرها الرضي رحمه الله تعالى و هي التي نحن في شرحها و زاد في آخرها بعد الاستشهاد ببيت دريد(3/228)
ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما قد نبذا حكم الكتاب و أحييا ما أمات و اتبع كل واحد منهما هواه و حكم بغير حجة و لا بينة و لا سنة ماضية و اختلفا فيما حكما فكلاهما لم يرشد الله فاستعدوا للجهاد و تأهبوا للمسير و أصبحوا في معسكركم يوم كذا
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 260 قال نصر فكان علي ع بعد الحكومة إذا صلى الغداة و المغرب و فرغ من الصلاة و سلم قال اللهم العن معاوية و عمرا و أبا موسى و حبيب بن مسلمة و عبد الرحمن بن خالد و الضحاك بن قيس و الوليد بن عقبةفبلغ ذلك معاوية فكان إذا صلى لعن عليا و حسنا و حسينا و ابن عباس و قيس بن سعد بن عبادة و الأشتر و زاد ابن ديزيل في أصحاب معاوية أبا الأعور السلمي. و روى ابن ديزيل أيضا أن أبا موسى كتب من مكة إلى علي ع أما بعد فإني قد بلغني أنك تلعنني في الصلاة و يؤمن خلفك الجاهلون و إني أقول كما قال موسى ع رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ.
و روى ابن ديزيل عن وكيع عن فضل بن مرزوق عن عطية عن عبد الرحمن بن حبيب عن علي ع أنه قال يؤتى بي و بمعاوية يوم القيامة فنجي ء و نختصم عند ذي العرش فأينا فلج فلج أصحابه و روى أيضا عن عبد الرحمن بن نافع القارئ عن أبيه قال سئل علي ع عن قتلى صفين فقال إنما الحساب علي و على معاوية
و روي أيضا عن الأعمش عن موسى بن طريف عن عباية قال سمعت عليا ع و هو يقول أنا قسيم النار هذا لي و هذا لك
و روي أيضا عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ص لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة فبينما هم كذلك مرقت منهم مارقة يقتلهم أولى الطائفتين بالحق(3/229)
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 261قال إبراهيم بن ديزيل و حدثنا سعيد بن كثير عن عفير قال حدثنا ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن حنش الصنعاني قال جئت إلى أبي سعيد الخدري و قد عمي فقلت أخبرني عن هذه الخوارج فقال تأتوننا فنخبركم ثم ترفعون ذلك إلى معاوية فيبعث إلينا بالام الشديد قال قلت أنا حنش فقال مرحبا بك يا حنش المصري
سمعت رسول الله ص يقول يخرج ناس يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر أحدكم في نصله فلا يرى شيئا فينظر في قذذه فلا يرى شيئا سبق الفرث و الدم يصلى بقتالهم أولى الطائفتين بالله(3/230)