العراق من قريش الشام من شاءوا أو فليختر أهل الشام من قريش العراق من شاءوا. فقال أبو موسى قد سمعت ما قلت و لم ينكر ما قاله من زوال الأمر عن علي. فرجع الأحنف إلى علي ع فقال له أخرج أبو موسى و الله زبدة سقائه في أول مخضه لا أرانا إلا بعثنا رجلا لا ينكر خلعك فقال علي الله غالب على أمره. قال نصر و شاع و فشا أمر الأحنف و أبي موسى في الناس فبعث الصلتان العبدي و هو بالكوفة إلى دومة الجندل بهذه الأبيات شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 25لعمرك لا ألفي مدى الدهر خالعا عليا بقول الأشعري و لا عمروفإن يحكما بالحق نقبله منهما و إلا أثرناها كراغية البكرو لسنا نقول الدهر ذاك إليهما و في ذاك لو قلناه قاصمة الظهرو لكن نقول الأمر و النهي كله إليه و في كفيه عاقبة الأمرو ما اليوم إلا مثل أمس و إننا لفي وشل الضحضاح أو لجة البحر
قال فلما سمع الناس قول الصلتان شحذهم ذلك على أبي موسى و استبطأه القوم و ظنوا به الظنون و مكث الرجلان بدومة الجندل لا يقولان شيئا و كان سعد بن أبي وقاص قد اعتزل عليا و معاوية و نزل على ماء لبني سليم بأرض البادية يتشوف الأخبار و كان رجلا له بأس و رأي و مكان في قريش و لم يكن له هوى في علي و لا في معاوية فأقبل راكب يوضع من بعيد فإذا هو ابنه عمر فقال له أبوه مهيم فقال التقى الناس بصفين فكان بينهم ما قد بلغك حتى تفانوا ثم حكموا عبد الله بن قيس و عمرو بن العاص و قد حضر ناس من قريش عندهما و أنت من أصحاب رسول الله ص و من أهل الشورى و من قال له النبي ص اتقوا دعوته و لم تدخل في شي ء مما تكره الأمة فاحضر دومة الجندل فإنك صاحبها غدا فقال مهلا يا عمر إني سمعت رسول الله ص يقول تكون بعدي فتنة خير الناس فيها التقي الخفي(3/221)
و هذا أمر لم أشهد أوله فلا أشهد آخره شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 251و لو كنت غامسا يدي في هذا الأمر لغمستها مع علي بن أبي طالب و قد رأيت أباك كيف وهب حقه من الشورى و كره الدخول في الأمر فارتحل عمر و قد استبان له أمر أبيه. قال نصر و قد كان الأجناد أبطأت على معاوية فبعث إلى رجال من قريش كانوا هوا أن يعينوه في حربه إن الحرب قد وضعت أوزارها و التقى هذان الرجلان في دومة الجندل فاقدموا علي. فأتاه عبد الله بن الزبير و عبد الله بن عمر بن الخطاب و أبو الجهم بن حذيفة العدوي و عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري و عبد الله بن صفوان الجمحي و أتاه المغيرة بن شعبة و كان مقيما بالطائف لم يشهد الحرب فقال له يا مغيرة ما ترى قال يا معاوية لو وسعني أن أنصرك لنصرتك و لكن علي أن آتيك بأمر الرجلين فرحل حتى أتى دومة الجندل فدخل على أبي موسى كالزائر له فقال يا أبا موسى ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر و كره الدماء قال أولئك خير الناس خفت ظهورهم من دمائهم و خمصت بطونهم من أموالهم ثم أتى عمرا فقال يا أبا عبد الله ما تقول فيمن اعتزل هذا الأمر و كره الدماء قال أولئك شرار الناس لم يعرفوا حقا و لم ينكروا باطلا فرجع المغيرة إلى معاوية فقال له قد ذقت الرجلين أما عبد الله شرحنهج البلاغة ج : 2 ص : 252بن قيس فخالع صاحبه و جاعلها لرجل لم يشهد هذا الأمر و هواه في عبد الله بن عمر و أما عمرو بن العاص فهو صاحب الذي تعرف و قد ظن الناس أنه يرومها لنفسه و أنه لا يرى أنك أحق بهذا الأمر منه قال نصر في حديث عمرو بن شمر قال أقبل أبو موسى عى عمرو فقال يا عمرو هل لك في أمر هو للأمة صلاح و لصلحاء الناس رضا نولي هذا الأمر عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي لم يدخل في شي ء من هذه الفتنة و لا هذه الفرقة قال و كان عبد الله بن عمرو بن العاص و عبد الله بن الزبير قريبين يسمعان هذا الكلام فقال عمرو فأين نت يا أبا موسى عن معاوية فأبى(3/222)
عليه أبو موسى قال و شهدهم عبد الله بن هشام و عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث و أبو الجهم بن حذيفة العدوي و المغيرة بن شعبة فقال عمرو أ لست تعلم أن عثمان قتل مظلوما قال بلى قال اشهدوا ثم قال فما يمنعك من معاوية و هو ولي عثمان و قد قال الله تعالى وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ثم إن بيت معاوية من قريش ما قد علمت فإن خشيت أن يقول الناس ولى معاوية و ليست له سابقة فإن لك حجة أن تقول وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم و الطالب بدمه الحسن السياسة الحسن التدبير و هو أخو أم حبيبة أم المؤمنين و زوج النبي ص و قد صحبه و هو أحد الصحابة ثم عرض له بالسلطان فقال له إن هو ولي الأمر أكرمك كرامة لم يكرمك أحد قط مثلها فقال أبو موسى اتق الله يا عمرو أما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا(3/223)
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 253الأمر ليس على الشرف يولاه أهله لو كان على الشرف كان أحق الناس بهذا الأمر أبرهة بن الصباح إنما هو لأهل الدين و الفضل مع أني لو كنت أعطيه أفضل قريش شرفا لأعطيته علي بن أبي طالب و أما قولك إن معاوية ولي عثمان فوله هذا الأمر فإنلم أكن أوليه إياه لنسبته من عثمان و أدع المهاجرين الأولين و أما تعريضك لي بالإمرة و السلطان فو الله لو خرج لي من سلطانه ما وليته و ما كنت أرتشي في الله و لكنك إن شئت أحيينا سنة عمر بن الخطاب. قال نصر و حدثني عمر بن سعد عن أبي جناب أن أبا موسى قال غير مرة و الله إن استطعت لأحيين اسم عمر بن الخطاب قال فقال عمرو بن العاص إن كنت إنما تريد أن تبايع ابن عمر لدينه فما يمنعك من ابني عبد الله و أنت تعرف فضله و صلاحه فقال إن ابنك لرجل صدق و لكنك قد غمسته في هذه الفتنة. قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن محمد بن إسحاق عن نافع قال قال أبو موسى لعمرو يا عمرو إن شئت ولينا هذا الأمر الطيب ابن الطيب عبد الله بن عمر فقال له عمرو يا أبا موسى إن هذا الأمر لا يصلح له إلا رجل له ضرس يأكل و يطعم و إن عبد الله ليس هناك. قال نصر و قد كان في أبي موسى غفلة فقال ابن الزبير لابن عمر اذهب إلى عمرو بن العاص فارشه فقال ابن عمر لا و الله لا أرشو عليها بشي ء أبدا ما عشت و لكنه قال له إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعت بالسيوف و تطاعنت بالرماح فلا تردهم في فتنة و اتق الله. شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 254قال نصر و حدثنا عمر بن سعد عن أزهر بسي عن النضر بن صالح قال كنت مع شريح بن هانئ في غزوة سجستان فحدثني أن عليا ع أوصاه بكلمات إلى عمرو بن العاص و قال له قل لعمرو إذا لقيته إن عليا يقول لك إن أفضل الخلق عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه و إن نقصه و إن أبعد الخلق من الله من كان العمل بالباطل أحب إليه و إن زاده و الله يا عمرو إنك لتعلم أين موضع الحق فلم(3/224)
تتجاهل أ بأن أوتيت طمعا يسيرا صرت لله و لأوليائه عدوا فكان و الله ما قد أوتيت قد زال عنك فلا تكن للخائنين خصيما و لا للظالمين ظهيرا أما إني أعلم أن يومك الذي أنت فيه نادم هو يوم وفاتك و سوف تتمنى أنك لم تظهر لي عداوة و لم تأخذ على حكم الله رشوة قال شريح فأبلغته ذلك يوم لقيته فتمعر وجهه و قال متى كنت قابلا مشورة علي أو منيبا إلى رأيه أو معتدا بأمره فقلت و ما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك و سيد المسلمين بعد نبيهم مشورته لقد كان من هو خير منك أبو بكر و عمر يستشيرانه و يعملان برأيه فقال إن مثلي لا يكلم مثلك فقلت بأي أبويك ترغب عن كلامي بأبيك الوشيظ أم بأمك النابغة فقام من مكانه و قمت. قال نصر و روى أبو جناب الكلبي أن عمرا و أبا موسى لما التقيا بدومة الجندل أخذ عمرو يقدم أبا موسى في الكلام و يقول إنك صحبت رسول الله ص قبلي و أنت أكبر مني سنا فتكلم أنت ثم أتكلم أنا فجعل ذلك سنة و عادة بينهما(3/225)