لا حكم إلا لله و لو كره المشركون ثم مر على رايات بني راسب فقرأها عليهم فقال رجل منهم لا حكم إلا لله لا نرضى و لا نحكم الرجال في دين الله ثم مر على رايات تميم فقرأها عليهم فقال رجل منهم لا حكم إلا لله يقضي بالحق و هو خير الفاصلين فقال رجل منهم لآخر أما هذا فقد طعن طعنة نافذة و خرج عروة بن أدية أخو مرداس بن أدية التميمي فقال أ تحكمون الرجال في أمر الله لا حكم إلا لله فأين قتلانا يا أشعث ثم شد بسيفه ليضرب به الأشعث فأخطأه و ضرب عجز دابته ضربة خفيفة فصاح به الناس أن أملك يدك فكف و رجع الأشعث إلى قومه فمشى الأحنف إليه و معقل بن قيس و مسعر بن فدكي و رجال من بني تميم فتنصلوا و اعتذروا فقبل منهم ذلك و انطلق إلى علي ع فقال يا أمير المؤمنين إني شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 238عرضت الحكومة على صفوف أهل الشام و أهل العراق فقالوا جميعا رضينا حتى مررت برايات بني راسب و نبذن الناس سواهم فقالوا لا نرضى لا حكم إلا لله فمل بأهل العراق و أهل الشام عليهم حتى نقتلهم فقال علي ع هل هي غير راية أو رايتين و نبذ من الناس قال لا قال فدعهم. قال نصر فظن علي ع أنهم قليلون لا يعبأ بهم فما راعه إلا نداء الناس من كل جهة و من كل ناحية لا حكم إلا لله الحكم لله يا علي لا لك لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين الله إن الله قد أمضى حكمه في معاوية و أصحابه أن يقتلوا أو يدخلوا تحت حكمنا عليهم و قد كنا زللنا و أخطأنا حين رضينا بالحكمين و قد بان لنا زللنا و خطؤنا فرجعنا إلى الله و تبنا فارجع أنت يا علي كما رجعنا و تب إلى الله كما تبنا و إلا برئنا منك فقال علي ع ويحكم أ بعد الرضا و الميثاق و العهد نرجع أ ليس الله تعالى قد قال أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قال وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا فأبى علي أن يرجع و أبت الخوارج(3/211)


إلا تضليل التحكيم و الطعن فيه فبرئت من علي ع و برئ علي ع منهم.
قال نصر و قام إلى علي ع محمد بن جريش فقال يا أمير المؤمنين أ ما إلى الرجوع عن هذا الكتاب سبيل فو الله إني لأخاف أن يورث ذلا فقال علي ع شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 239أ بعد أن كتبناه ننقضه إن هذا لا يحل قال نصر و حدثني عمر بن نمير بن وعلة عن أبي الوداك قال لما تداعى الناس إلى المصاحف و كتبت صحيفة الصلح و التحكيم قال علي ع إنما فعلت ما فعلت لما بدا فيكم من الخور و الفشل عن الحرب فجاءت إليه همدان كأنها ركن حصير فيهم سعيد بن قيس و ابنه عبد الرحمن غلام له ذؤابة فقال سعيد ها أنا ذا و قومي لا نرد أمرك فقل ما شئت نعمله فقال أما لو كان هذا قبل سطر الصحيفة لأزلتهم عن عسكرهم أو تنفرد سالفتي قبل ذلك و لكن انصرفوا راشدين فلعمري ما كنت لأعرض قبيلة واحدة للناس(3/212)


قال نصر و روى الشعبي أن عليا ع قال يوم صفين حين أقر الناس بالصلح إن هؤلاء القوم لم يكونوا لينيبوا إلى الحق و لا ليجيبوا إلى كلمة سواء حتى يرموا بالمناسر تتبعها العساكر و حتى يرجموا بالكتائب تقفوها الجلائب شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 240و حتى يجر ببلادهم اميس يتلوه الخميس و حتى يدعوا الخيول في نواحي أرضهم و بأحناء مساربهم و مسارحهم و حتى تشن عليهم الغارات من كل فج و حتى يلقاهم قوم صدق صبر لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم و موتاهم في سبيل الله إلا جدا في طاعة الله و حرصا على لقاء الله و لقد كنا مع رسول الله ص نقتل آباءنا و أبناءنا و إخواننا و أخوالنا و أعمامنا لا يزيدنا ذلك إلا إيمانا و تسليما و مضيا على أمض الألم و جدا على جهاد العدو و الاستقلال بمبارزة الأقران و لقد كان الرجل منا و الآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون فمرة لنا من عدونا و مرة لعدونا منا فلما رآنا الله صدقا صبرا أنزل بعدونا الكبت و أنزل علينا النصر و لعمري لو كنا نأتي مثل الذي أتيتم ما قام الدين و لا عز الإسلام و ايم الله لتحلبنها دما فاحفظوا ما أقول لكم
و روى نصر عن عمرو بن شمر عن فضيل بن خديج قال قيل لعلي ع لما كتبت الصحيفة أن الأشتر لم يرض بما في الصحيفة و لا يرى إلا قتال القوم فقال علي ع بلى إن الأشتر ليرضى إذا رضيت و قد رضيت و رضيتم و لا يصلح الرجوع بعد الرضا و لا التبديل بعد الإقرار إلا أن يعصى الله أو يتعدى ما في كتابه و أما الذي ذكرتم من تركه أمري و ما أنا عليه فليس من أولئك و لا أعرفه على ذلك و ليت فيكم مثله اثنين بل ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوي مثل رأيه إذا لخفت مئونتكم علي و رجوت أن يستقيم لي بعض أودكم(3/213)


شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 241قال نصر و روى أبو عبد الله زيد الأودي أن رجلا منهم يقال له عمرو بن أوس قاتل مع علي ع يوم صفين فأسره معاوية في أسرى كثيرة فقال له عمرو بن العاص اقتلهم فقال له عمرو بن أوس لا تقتلني يا معاوية فإنك خالي فقامت إليه بنو أود فاستووه فقال دعوه فلعمري إن كان صادقا فيما ادعاه من خئولتي إياه ليستغنين عن شفاعتكم و إلا فشفاعتكم من ورائه ثم استدناه فقال من أين أنا خالك فو الله ما بين بني عبد شمس و بين أود من مصاهرة قال فإن أخبرتك فعرفت فهو أمان عندك قال نعم قال أ ليست أم حبيبة أختك أم المؤمنين فأنا ابنها و أنت أخوها فأنت إذا خالي فقال معاوية لله أبوه أ ما كان في هؤلاء الأسرى من يفطن إلى هذا غيره ثم خلى سبيله. و روى إبراهيم بن الحسين بن علي الكسائي المعروف بابن ديزيل الهمداني في كتاب صفين قال حدثنا عبد الله بن عمر قال حدثنا عمرو بن محمد قال دعا معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص ليبعثه حكما فجاء و هو متحزم عليه ثيابه و سيفه و حوله أخوه و ناس من قريش فقال له معاوية يا عمرو إن أهل الكوفة أكرهوا عليا على أبي موسى و هو لا يريده و نحن بك راضون و قد ضم إليك رجل طويل اللسان كليل المدية و له بعد حظ من دين فإذا قال فدعه يقل ثم قل فأوجز و اقطع المفصل و لا تلقه بكل رأيك و اعلم أن خب ء الرأي زيادة في العقل فإن خوفك بأهل العراق فخوفه بأهل الشام و إن خوفك بعلي فخوفه بمعاوية و إن شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 242خوفك بمصر فخوفه باليمن و إن أتاك بالتفصيل فأته جمل فقال له عمرو يا معاوية أنت و علي رجلا قريش و لم تنل في حربك ما رجوت و لم تأمن ما خفت ذكرت أن لعبد الله دينا و صاحب الدين منصور و ايم الله لأفنين عليه علله و لأستخرجن خبأه و لكن إذا جاءني بالإيمان و الهجرة و مناقب علي ما عسيت أن أقول قال قل ما ترى فقال عمرو و هل تدعني و ما أرى و خرج مغضبا كأنه كره أن يوصى ثقة بنفسه و(3/214)


قال لأصحابه حين خرج إنما أراد معاوية أن يصغر أمر أبي موسى لأنه علم أني خادعه غدا فأحب أن يقول إن عمرا لم يخدع أريبا فقد كدته بالخلاف عليه و قال في ذلك
يشجعني معاوية بن حرب كأني للحوادث مستكين و إني عن معاوية غني بحمد الله و الله المعين و هون أمر عبد الله عمدا و قال له على ما كان دين فقلت له و لم أردد عليه مقالته و للشاكي أنين ترى أهل العراق يذب عنهم و عن جيرانهم رجل مهين فلو جهلوه لم يجهل علي و غث ايحمله السمين و لكن خطبه فيهم عظيم و فضل المرء فيهم مستبين فإن أظفر فلم أظفر بوغد و إن يظفر فقد قطع الوتيفلما بلغ معاوية شعره غضب من ذلك و قال لو لا مسيره لكان لي فيه رأي فقال له عبد الرحمن ابن أم الحكم أما و الله إن أمثاله في قريش لكثير و لكنك ألزمت نفسك الحاجة إليه فألزمها الغناء عنه فقال له معاوية فأجبه عن شعره فقال عبد الرحمن يعيره بفراره من علي يوم صفين شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 24ألا يا عمرو عمرو قبيل سهم أ من طب أصابك ذا الجنون دع البغي الذي أصبحت فيه فإن البغي صاحبه لعين أ لم تهرب بنفسك من علي بصفين و أنت بها ضنين حذارا أن تلاقيك المنايا و كل فتى سيدركه المنون و لسنا عائبين عليك إلا لقولك إنني لا أستقال نصر ثم إن الناس أقبلوا على قتلاهم فدفنوهم قال و قد كان عمر بن الخطاب دعا في خلافته حابس بن سعد الطائي فقال له إني أريد أن أوليك قضاء حمص فكيف أنت صانع قال أجتهد رأيي و أستشير جلسائي قال فانطلق إليها فلم يمش إلا يسيرا حتى رجع فقال يا أمير المؤمنين إني رأيت رؤيا أحببت أن أقصها عليك قال هاتها قال رأيت كأن الشمس أقبلت من المشرق و معها جمع عظيم و كأن القمر قد أقبل من المغرب و معه جمع عظيم فقال له عمر مع أيهما كنت قال كنت مع القمر قال كنت مع الآية الممحوة اذهب فلا و الله لا تلي لي عملا و رده فشهد مع معاوية صفين و كانت راية طي ء معه فقتل يومئذ فمر به عدي بن حاتم و معه ابنه زيد(3/215)

102 / 150
ع
En
A+
A-