و جاءت عصابة قد وضعت سيوفها على عواتقها فقالوا يا أمير المؤمنين مرنا بما شئت فقال لهم سهل بن حنيف أيها الناس اتهموا رأيكم فلقد شهدنا صلح رسول الله ص يوم الحديبية و لو نرى قتالا لقاتلنا. و زاد إبراهيم بن ديزيل لقد رأيتني يوم أبي جندل يعني الحديبية و لو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ص لرددته ثم لم نر في ذلك الصلح إلا خيرا. قال نصر و قد روى أبو إسحاق الشيباني قال قرأت كتاب الصلح عند سعيد بن أبي بردة في صحيفة صفراء عليها خاتمان خاتم من أسفلها و خاتم من أعلاها على خاتم علي ع محمد رسول الله و على خاتم معاوية محمد رسول الله و قيل لعلي ع حين أراد أن يكتب الكتاب بينه و بين معاوية و أهل الشام أ تقر أنهم مؤمنون مسلمون فقال علي ع ما أقر لمعاوية و لا لأصحابه أنهم مؤمنون و لا مسلمون و لكن يكتب معاوية ما شاء بما شاء و يقر بما شاء لنفسه و لأصحابه و يسمي نفسه بما شاء و أصحابه فكتبوا هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان قاضى علي بن أبي طالب شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 234على أهل العراق و من كان معه من شيعته من المؤمنين و المسلمين و قاضى معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام و من كان معه من شيعته من المؤمنين و المسين إننا ننزل عند حكم الله تعالى و كتابه و لا يجمع بيننا إلا إياه و إن كتاب الله سبحانه و تعالى بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيي ما أحيا القرآن و نميت ما أمات القرآن فإن وجد الحكمان ذلك في كتاب الله اتبعاه و إن لم يجداه أخذا بالسنة العادلة غير المفرقة و الحكمان عبد الله بن قيس و عمرو بن العاص و قد أخذ الحكمان من علي و معاوية و من الجندين أنهما آمنان على أنفسهما و أموالهما و أهلهما و الأمة لهما أنصار و على الذي يقضيان عليه و على المؤمنين و المسلمين من الطائفتين عهد الله أن يعملوا بما يقضيان عليه مما وافق الكتاب و السنة و إن الأمن و الموادعة و وضع السلاح متفق عليه بين(3/206)
الطائفتين إلى أن يقع الحكم و على كل واحد من الحكمين عهد الله ليحكمن بين الأمة بالحق لا بالهوى و أجل الموادعة سنة كاملة فإن أحب الحكمان أن يعجلا الحكم عجلاه و إن توفي أحدهما فلأمير شيعته أن يختار مكانه رجلا لا يألو الحق و العدل و إن توفي أحد الأميرين كان نصب غيره إلى أصحابه ممن يرضون أمره و يحمدون طريقته اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة و أراد فيها إلحادا و ظلما. قال نصر هذه رواية محمد بن علي بن الحسين و الشعبي و روى جابر عن زيد بن الحسن بن الحسن زيادات على هذه النسخة هذا ما تقاضى عليه ابن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان و شيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله و سنة رسوله قضية علي على أهل العراق و من كان من شيعته من شاهد أو غائب و قضية معاوية على أهل الشام و من كان من شيعته من شاهد أو غائب إننا رضينا أن ننزل عند حكم القرآن فيما حكم و أن نقف عند أمره فيما أمر فإنه لا يجمع بيننا إلا ذلك و إنا جعلنا كتاب الله سبحانه حكما بيننا فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى(3/207)
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 235خاتمته نحيي ما أحيا القرآن و نميت ما أماته على ذلك تقاضينا و به تراضينا و إن عليا و شيعته رضوا أن يبعثوا عبد الله بن قيس ناظرا و محاكما و رضي معاوية و شيعته أن يبعثوا عمرو بن العاص ناظرا و محاكما على أنهم أخذوا عليهما عهد ال و ميثاقه و أعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه ليتخذان الكتاب إماما فيما بعثا إليه لا يعدوانه إلى غيره ما وجداه فيه مسطورا و ما لم يجداه مسمى في الكتاب رداه إلى سنة رسول الله ص الجامعة لا يتعمدان لها خلافا و لا يتبعان هوى و لا يدخلان في شبهة و قد أخذ عبد الله بن قيس و عمرو بن العاص على علي و معاوية عهد الله و ميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب الله و سنة نبيه و ليس لهما أن ينقضا ذلك و لا يخالفاه إلى غيره و أنهما آمنان في حكمهما على دمائهما و أموالهما و أهلهما ما لم يعدوا الحق رضي بذلك راض أو أنكره منكر و أن الأمة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل فإن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته و أصحابه يختارون مكانه رجلا لا يألون عن أهل المعدلة و الإقساط على ما كان عليه صاحبه من العهد و الميثاق و الحكم بكتاب الله و سنة رسوله و له مثل شرط صاحبه و إن مات أحد الأميرين قبل القضاء فلشيعته أن يولوا مكانه رجلا يرضون عدله و قد وقعت هذه القضية و معها الأمن و التفاوض و وضع السلاح و السلام و الموادعة و على الحكمين عهد الله و ميثاقه ألا يألوا اجتهادا و لا يتعمدا جورا و لا يدخلا في شبهة و لا يعدوا حكم الكتاب فإن لم يقبلا برئت الأمة من حكمهما و لا عهد لهما و لا ذمة و قد وجبت القضية على ما قد سمي في هذا الكتاب من مواقع الشروط على الحكمين و الأميرين و الفريقين و الله أقرب شهيدا و أدنى حفيظا و الناس آمنون على أنفسهم و أهلهم و أموالهم إلى انقضاء مدة الأجل و السلاح موضوع و السبل مخلاة و الشاهد و الغائب من الفريقين سواء في الأمن و للحكمين أن(3/208)
ينزلا منزلا عدلا بين أهل العراق و الشام لا يحضرهما فيه إلا من أحبا عن ملإ منهما و تراض شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 236و إن المسلمين قد أجلوا هذين القاضيين إلى انسلاخ شهر رمضان فإن رأيا تعجيللحكومة فيما وجها له عجلاها و إن أرادا تأخيرها بعد شهر رمضان إلى انقضاء الموسم فذلك إليهما و إن هما لم يحكما بكتاب الله و سنة نبيه إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأول في الحرب و لا شرط بين الفريقين و على الأمة عهد الله و ميثاقه على التمام و الوفاء بما في هذا الكتاب و هم يد على من أراد فيه إلحادا و ظلما أو حاول له نقضا و شهد فيه من أصحاب علي عشرة و من أصحاب معاوية عشرة و تاريخ كتابته لليلة بقيت من صفر سنة سبع و ثلاثين. قال نصر و حدثنا عمرو بن سعيد قال حدثني أبو جناب عن ربيعة الجرمي قال لما كتبت الصحيفة دعي لها الأشتر ليشهد مع الشهود عليه فقال لا صحبتني يميني و لا نفعني بعدها الشمال إن كتب لي في هذه الصحيفة اسم على صلح أو موادعة أ و لست على بينة من أمري و يقين من ضلالة عدوي أ و لستم قد رأيتم الظفر إن لم تجمعوا على الخور فقال له رجل من الناس و الله ما رأيت ظفرا و لا خورا هلم فأشهد على نفسك و أقرر بما كتب في هذه الصحيفة فإنه لا رغبة لك عن الناس فقال بلى و الله إن لي لرغبة عنك في الدنيا للدنيا و في الآخرة للآخرة و لقد سفك الله بسيفي هذا دماء رجال ما أنت عندي بخير منهم و لا أحرم دما. قال نصر بن مزاحم الرجل هو الأشعث بن قيس قال فكأنما قصع على أنه الحميم ثم قال و لكني قد رضيت بما يرضى به أمير المؤمنين و دخلت فيما دخل فيه و خرجت مما خرج منه فإنه لا يدخل إلا في الهدى و الصواب.(3/209)
شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 237قال نصر فحدثنا عمر بن سعد عن أبي جناب الكلبي عن إسماعيل بن شفيع عن سفيان بن سلمة قال فلما تم الكتاب و شهدت فيه الشهود و تراضى الناس خرج الأشعث و معه ناس بنسخة الكتاب يقرؤها على الناس و يعرضها عليهم فمر به على صفوف من أهل الش و هم على راياتهم فأسمعهم إياه فرضوا به ثم مر به على صفوف من أهل العراق و هم على راياتهم فأسمعهم إياه فرضوا به حتى مر برايات عنزة و كان مع علي ع من عنزة بصفين أربعة آلاف مجفف فلما مر بهم الأشعث يقرؤه عليهم قال فتيان منهم لا حكم إلا لله ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما فقاتلا حتى قتلا على باب رواق معاوية فهما أول من حكم و اسماهما جعد و معدان ثم مر بهما على مراد فقال صالح بن شقيق و كان من رءوسهم
ما لعلي في الدماء قد حكم لو قاتل الأحزاب يوما ما ظلم(3/210)