قال نصر فكتب علي ع إلى عمرو بن العاص يعظه و يرشده شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 227أما بعد فإن الدنيا مشغلة عن غيرها و لن يصيب صاحبها منها شيئا إلا فتحت له حرصا يزيده فيها رغبة و لن يستغني صاحبها بما نال عما لم يبلغ و من وراء ذلك فراق ما جمع و السعيد من وعظغيره فلا تحبط أبا عبد الله أجرك و لا تجار معاوية في باطله و السلام
فكتب إليه عمرو الجواب أما بعد أقول فالذي فيه صلاحنا و ألفتنا الإنابة إلى الحق و قد جعلنا القرآن بيننا حكما و أجبنا إليه فصبر الرجل منا نفسه على ما حكم عليه القرآن و عذره الناس بعد المحاجزة و السلام.
فكتب إليه علي ع أما بعد فإن الذي أعجبك من الدنيا مما نازعتك إليه نفسك و وثقت به منها لمنقلب عنك و مفارق لك فلا تطمئن إلى الدنيا فإنها غرارة و لو اعتبرت بما مضى لحفظت ما بقي و انتفعت منها بما وعظت به و السلام(3/201)


فأجابه عمرو أما بعد فقد أنصف من جعل القرآن إماما و دعا الناس إلى أحكامه فاصبر أبا حسن فإنا غير منيليك إلا ما أنالك القرآن و السلام. قال نصر و جاء الأشعث إلى علي ع فقال يا أمير المؤمنين ما أرى الناس إلا قد رضوا و سرهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 228فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد و نظرت ما الذي يسأل قال فأته إن شئت فأتاه فسأله يا معاوية لأي شي ء رفعتم هذه المصاحف قال لنرجع نحن و أنتم إلى ما أمر الله به فيها فابعثوا رجلا منكم ترضون به و نبعث منا رجلا و نأخذ هما أن يعملا بما في كتاب الله و لا يعدوانه ثم نتبع ما اتفقا عليه فقال الأشعث هذا هو الحق. و انصرف إلى علي ع فأخبره فبعث علي ع قراء من أهل العراق و بعث معاوية قراء من أهل الشام فاجتمعوا بين الصفين و معهم المصحف فنظروا فيه و تدارسوا و اجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن و يميتوا ما أمات القرآن و رجع كل فريق إلى صاحبه فقال أهل الشام إنا قد رضينا و اخترنا عمرو بن العاص و قال الأشعث و القراء الذين صاروا خوارج فيما بعد قد رضينا نحن و اخترنا أبا موسى الأشعري فقال لهم علي ع فإني لا أرضى بأبي موسى و لا أرى أن أوليه فقال الأشعث و زيد بن حصين و مسعر بن فدكي في عصابة من القراء إنا لا نرضى إلا به فإنه قد كان حذرنا ما وقعنا فيه فقال علي ع فإنه ليس لي برضا و قد فارقني و خذل الناس عني و هرب مني حتى أمنته بعد أشهر و لكن هذا ابن عباس أوليه ذلك قالوا و الله ما نبالي أ كنت أنت أو ابن عباس و لا نريد إلا رجلا هو منك و من معاوية سواء ليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر قال علي ع فإني أجعل الأشتر فقال الأشعث و هل سعر الأرض علينا إلا الأشتر و هل نحن إلا في حكم الأشتر قال علي ع و ما حكمه قال حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيف حتى يكون ما أردت و ما أراد. شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 22 قال نصر و حدثنا عمرو بن(3/202)


شمر عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي قال لما أراد الناس عليا أن يضع الحكمين قال لهم إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه و نظره من عمرو بن العاص و إنه لا يصلح للقرشي إلا مثله فعليكم بعبد الله بن العباس فارموه به فإن عمرا لا يعقد عقدة إلا حلها عبد الله و لا يحل عقدة إلا عقدها و لا يبرم أمرا إلا نقضه و لا ينقض أمرا إلا أبرمه فقال الأشعث لا و الله لا يحكم فينا مضريان حتى تقوم الساعة و لكن اجعل رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا رجلا من مضر فقال علي ع إني أخاف أن يخدع يمنيكم فإن عمرا ليس من الله في شي ء إذا كان له في أمر هوى فقال الأشعث و الله لأن يحكما ببعض ما نكره و أحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون بعض ما نحب في حكمهما و هما مضريان قال و ذكر الشعبي أيضا مثل ذلك. قال نصر فقال علي ع قد أبيتم إلا أبا موسى قالوا نعم قال فاصنعوا ما شئتم فبعثوا إلى أبي موسى و هو بأرض من أرض الشام يقال لها عرض قد اعتزل القتال فأتاه مولى له فقال إن الناس قد اصطلحوا فقال الحمد لله رب العالمين قال و قد جعلوك حكما فقال إنا لله و إنا إليه راجعون. فجاء أبو موسى حتى دخل عسكر علي ع و جاء الأشتر عليا فقال يا أمير المؤمنين ألزني بعمرو بن العاص فو الذي لا إله غيره لئن ملأت عيني منه لأقتلنه شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 230و جاء الأحنف بن قيس عليا فقال يا أمير المؤمنين إنقد رميت بحجر الأرض و من حارب الله و رسوله أنف الإسلام و إني قد عجمت هذا الرجل يعني أبا موسى و حلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر و إنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يكون في أكفهم و يتباعد منهم حتى يكون بمنزلة النجم منهم فإن شئت أن تجعلني حكما فاجعلني و إن شئت أن تجعلني ثانيا أو ثالثا فإن عمرا لا يعقد عقدة إلا حللتها و لا يحل عقدة إلا عقدت لك أشد منها. فعرض علي ع ذلك على الناس فأبوه و قالوا لا يكون إلا أبا موسى. قال(3/203)


نصر مال الأحنف إلى علي ع فقال يا أمير المؤمنين إني خيرتك يوم الجمل أن آتيك فيمن أطاعني أو أكف عنك بني سعد فقلت كف قومك فكفى بكفك نصيرا فأقمت بأمرك و إن عبد الله بن قيس رجل قد حلبت أشطره فوجدته قريب القعر كليل المدية و هو رجل يمان و قومه مع معاوية و قد رميت بحجر الأرض و بمن حارب الله و رسوله و إن صاحب القوم من ينأى حتى يكون مع النجم و يدنو حتى يكون في أكفهم فابعثني فو الله لا يحل عنك عقدة إلا عقدت لك أشد منها فإن قلت إني لست من أصحاب رسول الله فابعث رجلا من أصحاب رسول الله و ابعثني معه. شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 231فقال علي ع إن القوم أتوني بعبد الله بن قيس مبرنسا فقالوا ابعث هذرضينا به و الله بالغ أمره. قال نصر و روى أن ابن الكواء قام إلى علي ع فقال هذا عبد الله بن قيس وافد أهل اليمن إلى رسول الله ص و صاحب مقاسم أبي بكر و عامل عمر و قد رضي به القوم و عرضنا عليهم ابن عباس فزعموا أنه قريب القرابة منك ظنون في أمرك. فبلغ ذلك أهل الشام فبعث أيمن بن خزيم الأسدي و كان معتزلا لمعاوية بهذه الأبيات و كان هواه أن يكون الأمر لأهل العراق
لو كان للقوم رأي يعصمون به من الضلال رموكم بابن عباس لله در أبيه أيما رجل ما مثله لفصال الخطب في الناس لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن لا يهتدي ضرب أخماس لأسداس إن يخل عمرو به يقذفه في لجج يهوي به النجم تيسا بين أتياس أبلغ لديك عليا غير عاتبه قول امرئ لا يرىحق من باس ما الأشعري بمأمون أبا حسن فاعلم هديت و ليس العجز كالرأس فاصدم بصاحبك الأدنى زعيمهم إن ابن عمك عباس هو الآسفلما بلغ الناس هذا الشعر طارت أهواء قوم من أولياء علي ع و شيعته إلى ابن عباس و أبت القراء إلا أبا موسى. شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 232قال نصر و كان أيمن بن خزيم رجلا عابدا مجتهدا و قد كان معاوية جعل له فلسطين على أن يتابعه و يشايعه على قتال علي ع فقال أيمو بعث بها إليه(3/204)


و لست مقاتلا رجلا يصلي على سلطان آخر من قريش له سلطانه و علي إثمي معاذ الله من سفه و طيش أ أقتل مسلما في غير جرم فليس بنافعي ما عشت عيشقال نصر فلما رضي أهل الشام بعمرو و أهل العراق بأبي موسى أخذوا في سطر كتاب الموادعة و كانت صورته هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين و معاوية بن أبي سفيان فقال معاوية بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته و قال عمرو بل نكتب اسمه و اسم أبيه إنما هو أميركم فأما أميرنا فلا فلما أعيد إليه الكتاب أمر بمحوه فقال الأحنف لا تمح اسم أمير المؤمنين عنك فإني أتخوف إن محوتها ألا ترجع إليك أبدا فلا تمحها
فقال علي ع إن هذا اليوم كيوم الحديبية حين كتب الكتاب عن رسول الله ص هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو فقال سهيل لو أعلم أنك رسول الله لم أقاتلك و لم أخالفك إني إذا لظالم لك إن منعتك أن تطوف ببيت الله الحرام و أنت رسوله و لكن اكتب من محمد بن عبد الله فقال لي رسول الله ص يا علي إني لرسول الله و أنا محمد بن عبد الله و لن يمحو عني الرسالة كتابي لهم من محمد بن عبد الله فاكتبها و امح ما أراد محوه أما إن لك مثلها ستعطيها و أنت مضطهد
قال نصر و قد روي أن عمرو بن العاص عاد بالكتاب إلى علي ع فطلب منه أن يمحو اسمه من إمرة المؤمنين فقص عليه و على من حضر قصة صلح الحديبية شرح نهج البلاغة ج : 2 ص : 233قال إن ذلك الكتاب أنا كتبته بيننا و بين المشركين و اليوم أكتبه إلى أبنائهم كما كان رسول ال ص كتبه إلى آبائهم شبها و مثلا فقال عمرو سبحان الله أ تشبهنا بالكفار و نحن مسلمون فقال علي ع يا ابن النابغة و متى لم تكن للكافرين وليا و للمسلمين عدوا فقام عمرو و قال و الله لا يجمع بيني و بينك مجلس بعد اليوم فقال علي أما و الله إني لأرجو أن يظهر الله عليك و على أصحابك(3/205)

100 / 150
ع
En
A+
A-